الهجري يطالب بإقليم منفصل في السويداء بضمانة دولية
دمشق - دعا الشيخ حكمت الهجري، أحد أبرز المرجعيات الروحية للدروز في سوريا، إلى إعلان إقليم منفصل للطائفة الدرزية في جنوب البلاد، مطالبًا المجتمع الدولي بـ"الوقوف مع أبناء السويداء" في سعيهم لتقرير مصيرهم، وذلك خلال اجتماع موسّع عُقد في بلدته قنوات بمحافظة السويداء ما يكشف عن تحولات خطيرة في موقع ودور الطائفة الدرزية داخل الخارطة السورية.
وقال الهجري بصراحة غير معهودة "مشوارنا بدأ بعنوان جديد بعد المحنة الأخيرة التي استهدفت وجودنا كطائفة". وأضاف أن ما وصفه بـ"الهجمة الوحشية والبربرية" على السويداء لم تكن إلا محاولة لإبادة جماعية للطائفة الدرزية، مؤكدًا أن الدروز "دعاة سلام، ولكن من حقهم الدفاع عن أنفسهم بكل السبل".
وأعلن دعمه الكامل لتأسيس ما بات يُعرف بـ"الحرس الوطني الدرزي"، وهو تشكيل مسلح جديد يضم أكثر من ثلاثين فصيلاً محليًا، أعلنوا مؤخرًا توحيد صفوفهم في كيان عسكري واحد تحت قيادته، مع تبنيهم المطلق لقراراته باعتباره "الممثل الشرعي للطائفة".
وتصريحات الهجري، التي جاءت بعد أسابيع من مواجهات عنيفة شهدتها المحافظة بين فصائل محلية وأجهزة أمنية تابعة للنظام السوري، فتحت الباب أمام تصعيد غير مسبوق في خطاب السويداء، تجاوز المطالب المعيشية التقليدية إلى إعلان نوايا انفصالية واضحة، مدعومة بخطاب سياسي يتحدث عن "حق تقرير المصير" و"ضمانات دولية".
في سابقة نادرة في الخطاب الديني الدرزي السوري، وجّه شكرًا علنيًا لإسرائيل، إلى جانب الولايات المتحدة، على ما وصفه بـ"وقوفها مع دروز سوريا". كما خص بالشكر دروز إسرائيل، في إشارة واضحة إلى نوع من التواصل أو التنسيق، يثير تساؤلات كبيرة حول دور تل أبيب في دعم الحراك المتصاعد في السويداء.
ورغم غياب تأكيد رسمي من الجانب الإسرائيلي، إلا أن مراقبين يشيرون إلى أن إسرائيل قد تجد مصلحة استراتيجية في دعم كيان درزي مستقل أو شبه مستقل جنوب سوريا، كمنطقة عازلة على حدودها، تمامًا كما فعلت سابقًا في جنوب لبنان من خلال دعم "جيش لحد".
وتنظر اسرائيل إلى الطائفة الدرزية بوصفها جسراً محتملاً لتحقيق نفوذ غير مباشر داخل سوريا، دون تدخل عسكري مباشر خاصة وأن الدعم الإسرائيلي، سواء كان علنيًا أو ضمنيًا، يمنح الحراك الدرزي زخمًا لكنه في الوقت ذاته يهدد بفتح جبهات جديدة من التصعيد الإقليمي".
ويثير التحول الكبير في خطاب السويداء قلقًا متزايدًا داخل سوريا وخارجها، إذ يخشى كثيرون من أن تمهد هذه التحركات لانفصال فعلي عن الدولة المركزية، ضمن مسلسل التفكك الذي تعانيه البلاد منذ سنوات.
ويرى محللون أن النزعة الانفصالية في السويداء لم تنشأ فجأة، بل تراكمت على وقع الإهمال الحكومي، والانهيار الاقتصادي، والتهميش السياسي، والاضطرابات الأمنية. لكنّ الجديد اليوم، هو انتقال هذا التوجه من مجرد مظاهرات مطلبية إلى مشروع انفصال سياسي وعسكري منظم.
المفارقة أن الطائفة الدرزية، المعروفة تقليديًا بالحذر السياسي والتمسك بوحدة سوريا، باتت اليوم في قلب مشروع انفصالي متقدم، يطرح تحديات كبيرة أمام الدولة السورية، التي لا تزال تكافح للحفاظ على ما تبقى من سيادتها على الجغرافيا الوطنية.
من جهة أخرى، لا تحظى دعوات الانفصال بإجماع داخل الطائفة. فشخصيات دينية ومدنية درزية عبّرت عن رفضها التام لربط مصير السويداء بأي محور خارجي أو مشاريع تقسيم، معتبرة أن ما يحصل "اختطاف سياسي" لحراك شعبي بدأ بطابع مدني وسلمي.
بين دعوات الهجري ومشهد السلاح في شوارع السويداء، تبدو المحافظة أمام لحظة مفصلية في تاريخها الحديث. مشروع "الحرس الوطني الدرزي"، وتصريحات الدعم من إسرائيل، وحالة العزلة السياسية عن دمشق، كلّها مؤشرات على تغير عميق قد لا يكون عابرًا.
سوريا، التي دخلت عامها الخامس عشر من النزاع، تقف أمام تحدٍّ جديد: هل تنجح في احتواء طموحات الانفصال المتصاعدة، أم أن نموذج الإدارة الذاتية الكردية شمالًا سيتكرر بصيغة درزية جنوبًا؟.
وفيما يتواصل الحراك في شوارع السويداء، يترقّب السوريون والعالم ما إذا كانت هذه الخطوة بداية لتقسيم فعلي للدولة السورية، أم مجرد ضغط سياسي في لحظة انفجار اجتماعي.