الهجوم على قطر وعودة إلى معضلة الأمن القومي العربي

ما يزيد من تعقيد معضلة الموقف الأميركي تجاه قطر، وجود قاعدة "العديد" العسكرية على الأراضي القطرية، والاتفاقيات الأمنية الموقعة بين الطرفين، فضلاً عن اعتماد قطر على المنظومة العسكرية الأميركية كمصدر لمعداتها.

كان لاهتزاز العاصمة القطرية أول من أمس، تحت وطأة الصواريخ التي أطلقتها الطائرات الإسرائيلية على أحياء سكنية بهدف اغتيال قيادات من حركة حماس، وقعٌ صادم. وقد شكّل موقف الولايات المتحدة، التي حاولت التنصّل من تحمّل مسؤولية الهجوم مع إسرائيل من خلال التلاعب بالصياغة اللغوية لتصريحات مسؤوليها، بعداً مهماً لدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل الأمن القومي العربي، والخليجي تحديداً، في ظل اعتماد المنظومة العسكرية لدوله على الولايات المتحدة.

وما يزيد من تعقيد معضلة الموقف الأميركي تجاه قطر، وجود القاعدة العسكرية الأميركية "العديد" على الأراضي القطرية، والاتفاقيات الأمنية الموقعة بين الطرفين، فضلاً عن اعتماد قطر على المنظومة العسكرية الأميركية كمصدر لمعداتها.

تُعد تلك التطورات المتعلقة بضربة إسرائيل لقلب العاصمة القطرية مثالاً حياً لما طرحته في مقال سابق بعنوان "إسرائيل الكبرى وتساؤلات حول الأمن القومي العربي". وقد ناقش المقال معضلة اعتماد عدد من الدول العربية، وعلى رأسها الخليجية، على منظومة عسكرية متكاملة مصدرها الولايات المتحدة، التي تُعد الحليف والداعم الأول لإسرائيل. هذه الأخيرة باتت لا تُواري طموحاتها العسكرية بالاستيلاء على دول عربية أخرى، إلى جانب فلسطين، فضلاً عن تدخلاتها الاستخبارية والتجسسية في تلك الدول وأخرى مجاورة.

في ضربة هي الأولى – ويبدو أنها لن تكون الأخيرة – شنت الطائرات الإسرائيلية غارة على العاصمة القطرية، مستهدفة قيادات من حركة حماس. وتحمل تلك الضربة أبعاداً استراتيجية مهمة، سواء على مستوى الحرب الدائرة في غزة، أو على المستوى الأوسع المتعلق بقواعد العلاقة التي تضعها إسرائيل في تعاملها مع الدول العربية.

لقد احتضنت قطر المفاوضات بين إسرائيل وحركة حماس على مدى العامين الماضيين، وشهدت الدوحة حراكاً دبلوماسياً نشطاً، لكن دون جدوى. فقد اتضح أن إسرائيل استغلّت تلك المفاوضات للمماطلة والمراوغة أمام العالم، بالظهور وكأنها لا ترفض التفاوض، بينما ظلّت أهدافها العسكرية في غزة ثابتة: الاستيلاء عليها، القضاء على مقاتلي حماس، وتهجير سكانها، رغم جولات التفاوض المتكررة بلا نتائج. ويبدو أن المرحلة الأخيرة من الحرب قد اقتربت، فبالتزامن مع الهجوم على مدينة غزة شمال القطاع، تحركت الطائرات الإسرائيلية للقضاء على قيادات حماس في قطر، وهي القيادات التي تتولى مسار التفاوض مع إسرائيل.

ويأتي ذلك في ظل خطة إسرائيلية متكاملة ومتدرجة، فبعد إعلان الحرب على غزة والهجوم على معظم مناطقها، بالتركيز على اقتحام الأطراف والسيطرة عليها، ثم التوغل المتدرج إلى العمق، بدأ الاحتلال بالهجوم على رفح شمال القطاع لتدميرها وإفراغها من سكانها، ثم انتقل إلى خان يونس وسط القطاع لإنجاز المهمة نفسها. وجاء الدور حالياً على مدينة غزة شمالاً، وهي آخر مناطق القطاع. لذلك تزامن الدخول إليها مع استهداف الوفد المفاوض من الحركة، في محاولة لحسم المعركة وفق الأهداف التي وضعتها حكومة الاحتلال.

ورغم أنه لا توجد علاقات طبيعية بين قطر وإسرائيل، فقد أبقت قطر العلاقة ضمن إطار سياسي متوازن. فقد افتتحت إسرائيل مكتباً تجارياً في الدوحة عام 1996، وزارها شمعون بيرس حينها، والتقى مسؤولي البلدين في محافل دولية عدة، لكن دون تطور دبلوماسي. بعد حرب 2008-2009 استضافت قطر مؤتمراً طارئاً للدول العربية وإيران لمناقشة تبعات الحرب، وفي مطلع 2012 دعت الدوحة لتحقيق دولي في جرائم إسرائيل، فتراجعت العلاقات بين البلدين. ومع ذلك، وفي إطار مقاربتها الهادفة لتعميق الانقسام بين الفلسطينيين في غزة والضفة لأهداف سياسية تفاوضية، سمحت إسرائيل بوجود قطر كوسيط بينها وبين حركة حماس التي تحاصرها، وهو ما يفسر وجود قطر في العديد من مفاصل العلاقة.

موقف واشنطن الباهت من العدوان الاسرائيلي على قطر صادم
موقف واشنطن الباهت من العدوان الاسرائيلي على قطر صادم

وقد استقبلت قطر خلال العامين الأخيرين وفوداً إسرائيلية من الموساد والشاباك في إطار لقاءات واجتماعات بالدوحة، بهدف إنهاء الحرب الحالية في غزة. كما شاركت قطر في أبريل الماضي في مناورات عسكرية جوية مع إسرائيل، عُرفت باسم إينيواخوس 2025 التي تستضيفها اليونان في قاعدة أندرافيدا الجوية، وهو تدريب متعدد الجنسيات يُقام سنوياً ويهدف إلى تعزيز الشراكات الاستراتيجية وتبادل الخبرات. أي أن العلاقات بين البلدين تقع ضمن إطار تفاهم مقبول، إلا أن قرار إسرائيل بانتهاك السيادة القطرية يُعد رسالة لبقية دول الخليج والدول العربية الأخرى مفادها أنه لا توجد خطوط حمراء أمام إسرائيل. فإذا لم تتخذ قطر وبقية الدول العربية رداً معقولاً، ستسعى إسرائيل إلى فرض قواعد تعامل عسكرية مع جميع الدول الأخرى، كما يحدث مع سوريا ولبنان، دون وجود رادع حقيقي.

لقد تجاوزت معضلة العلاقة بين العرب وإسرائيل حدود القضية الفلسطينية، بعدما حددت إسرائيل أهدافها وطموحاتها التي لا تقتصر على منع قيام دولة فلسطينية واستهداف الفلسطينيين وتقليص وجودهم، بل تعدّت إلى إعلان طموحها بالسيطرة على دول عربية أخرى وتكرار الاعتداء عليها. هذا إلى جانب مساعيها لترسيخ وجودها كقطب إقليمي متفوق، سواء بامتلاك السلاح النووي الذي لا يملكه غيرها في المنطقة، أو بتميزها العسكري والاستخباري، وهو ما عكسه التزام الولايات المتحدة تجاهها، وقدراتها التجسسية التي انكشفت في حربها مع لبنان وعمليات الاغتيال في إيران، والدول العربية ليست بمنأى عن ذلك.

تمتلك قطر علاقة استراتيجية مميزة مع الولايات المتحدة، تفرض التزامات على الأخيرة تجاهها. فقد وقعتا اتفاقية تعاون دفاعي عام 1992، وأعيد تجديدها عام 2013 لمدة عشر سنوات، حتى عام 2024. وتشمل الاتفاقية التعاون العسكري، حماية المعلومات العسكرية، والدعم اللوجستي. كما منحت الولايات المتحدة قطر صفة "حليف استراتيجي من خارج الناتو" عام 2022، بما يتيح لها تعاوناً وتسليحاً مميزاً. وتستضيف قطر قاعدة العديد الجوية، المقر المتقدم للقيادة الوسطى الأميركية ومركز العمليات الجوية الأميركية، ويعمل فيها ما بين 6 و10 آلاف شخص. وقد استثمرت قطر مليارات الدولارات في دعم تحالفها مع واشنطن داخل القاعدة منذ 2003، وهناك برنامج تطوير مشترك يمتد حتى 2033 لتحويلها إلى قاعدة دائمة. كما تشتري قطر من الولايات المتحدة مختلف أسلحتها الهجومية والدفاعية، بما في ذلك رادارات الإنذار المبكر والطائرات المقاتلة والمروحيات وأنظمة الذخائر والتدريب، بمليارات الدولارات.

إن العلاقة الاستراتيجية بين الدوحة وواشنطن تمتد إلى شراكة دفاعية عملياتية، حيث تستضيف قطر المقر الأمامي للقيادة المركزية الأميركية المسؤولة عن العمليات العسكرية في المنطقة وآسيا الوسطى، ما يجعلها شريكاً محورياً في أي عملية أميركية في العراق أو سوريا أو الخليج العربي. كما تُعد قطر عضواً في القوات البحرية المشتركة، وتواصل تعاونها مع الولايات المتحدة في ملفات إقليمية حساسة، كونها وسيطاً مع أطراف متعددة كغزة وأفغانستان. ومن المفترض أن تعزز هذه العلاقة مكانة قطر كحليف استراتيجي، وتمنحها ضمانات سياسية وعسكرية إضافية مقارنة بدول أخرى.

إلا أن الهجوم الإسرائيلي الأخير على قطر كشف حقيقة مغايرة: فالولايات المتحدة تستخدم قطر وغيرها من الدول الحليفة لتحقيق مصالحها، بينما تحافظ على تحالف حقيقي وحيد مع إسرائيل. وفي الأزمات فقط تنكشف هذه الحقيقة، كما ظهر مؤخراً. وتكمن خطورة الموقف في أنه لا يتعلق بقطر وحدها، بل بجميع الدول العربية التي تعتمد على المنظومة العسكرية الأميركية. فقد كشف موقف واشنطن بعد الضربة الإسرائيلية لعمق قطر – حين دعمت الاعتداء ولجأت إلى التلاعب بالألفاظ لتبريره – ضرورة مراجعة الدول العربية لهذا النهج، لحماية أمنها القومي، وهو ما بات حاجة ملحة في ضوء التطورات الأخيرة، خصوصاً مع حكومة نتنياهو الحالية ذات التوجهات اليمينية المتطرفة.

بعد ضربة إسرائيل لقطر، تحتاج الدول العربية إلى رد عقابي قوي يوجَّه إلى إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة، التي فشلت في الالتزام بشراكتها مع دولة مثل قطر تُعد حليفاً استراتيجياً لها، وذلك لضمان مصالح إسرائيل. فالصمت والتجاهل العربي لمثل هذا الانتهاك سيشجع إسرائيل على مزيد من الاعتداءات المستقبلية بحق دول المنطقة. كما يحتم هذا الحدث – وغيره – إعادة نظر الدول العربية في منظومة الأمن الوطني المعتمدة على الولايات المتحدة، خصوصاً وأن هناك العديد من البدائل والمنظومات العسكرية التي يمكن استثمارها وفق المصالح العربية والوطنية الخالصة. فهل يتعلم العرب من التجارب؟