انتخاب 'الشيخ' رئيساً للبرلمان العراقي يستعجل حسم أزمة رئاسة الحكومة
بغداد - في خطوة مفصلية نحو تشكيل الحكومة الجديدة، حسم مجلس النواب العراقي اليوم الاثنين التصويت لصالح اختيار هيبت الحلبوسي الذي يعرف بلقب "الشيخ" رئيساً له. ويُعد هذا التوافق البرلماني في الجلسة الأولى مؤشراً قوياً على تسارع الخطى لترتيب البيت السياسي العراقي والمضي قدماً في تسمية رئيسي الجمهورية والوزراء.
وجاءت عملية التصويت بحضور 309 نواب من أصل 329 عضوا، شكلوا نصاب الجلسة الأولى التي عقدت في القاعة الكبرى للمجلس برئاسة "رئيس السن" (الأكبر سنا) عامر الفايز.
وحصل الحلبوسي على 208 أصوات، مقابل 66 و9 لمنافسيه سالم العيساوي وعامر عبدالجبار، فيما أُلغيت 26 ورقة. وبموجب النتائج، نال هيبت الحلبوسي ثقة البرلمان بالأغلبية المطلقة، ليبدأ مهامه رسميا رئيسا للمؤسسة التشريعية.
ويأتي انتخاب "الشيخ" رئيساً للبرلمان العراقي في لحظة سياسية دقيقة تتداخل فيها الحسابات الدستورية مع توازنات النفوذ داخل البيت الشيعي، ما يمنح هذا الاستحقاق البرلماني بعداً يتجاوز كونه إجراءً إجرائياً إلى كونه خطوة مفصلية في مسار فكّ الانسداد السياسي المستمر منذ أشهر. فحسم رئاسة السلطة التشريعية لم يكن هدفاً قائماً بذاته بقدر ما شكّل شرطاً لازماً لإعادة تحريك الملفات المؤجّلة، وفي مقدّمها عقدة رئاسة الحكومة التي باتت تشكّل العنوان الأبرز للصراع السياسي في المرحلة الراهنة.
ويمثّل انتخاب الحلبوسي إشارة واضحة إلى وجود تفاهمات أولية داخل الإطار التنسيقي، أو على الأقل توافق مرحلي على ضرورة الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة محاولة احتوائها. فالإطار، الذي وجد نفسه خلال الفترة الماضية عالقاً بين تناقضات داخلية وضغوط خارجية، بات أمام استحقاق لا يحتمل مزيداً من التأجيل، خصوصاً في ظل تصاعد الانتقادات الشعبية وتعقّد الأوضاع الاقتصادية والأمنية. ومن هذا المنطلق، يبدو أن تمرير رئاسة البرلمان جاء كرسالة طمأنة موجهة إلى الداخل السياسي قبل الشارع، مفادها أن آليات النظام ما زالت قادرة على إنتاج حلول، ولو جزئية.
غير أن هذا التطور لا يعني بالضرورة أن أزمة رئاسة الحكومة باتت على وشك الانتهاء، بقدر ما يشير إلى انتقال الصراع إلى مستوى أكثر حساسية. فحسم رئاسة البرلمان أسقط أحد أبرز الذرائع التي كانت تُستخدم لتبرير التأجيل، وفرض على القوى الأساسية، ولا سيما داخل الإطار التنسيقي، مواجهة الخلافات الجوهرية حول اسم رئيس الحكومة المقبلة، وطبيعة البرنامج السياسي، وحدود التوازن بين الشركاء. وفي هذا السياق، يبرز الانقسام بين من يدفع باتجاه تسوية سريعة تضمن الاستقرار، ولو على حساب بعض المكاسب، وبين من يراهن على الوقت لتحسين شروط التفاوض.
كما أن انتخاب "الشيخ" أعاد تفعيل الدور البرلماني بوصفه ساحة للصراع السياسي لا مجرد مؤسسة تصادق على التوافقات. فعودة المجلس إلى العمل تمنح القوى المختلفة أدوات ضغط إضافية، سواء عبر التشريع أو الرقابة أو إدارة الجلسات، ما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل من حسم رئاسة الحكومة اختباراً حقيقياً لقدرة النظام السياسي على تجاوز أزماته البنيوية. وعليه، فإن ما جرى لا يُعد نهاية للأزمة بقدر ما هو بداية مرحلة جديدة عنوانها تسريع الحسم، تحت وطأة الوقت، والشارع، وتوازنات القوة داخل السلطة.
وتفرض حلحلة أزمة رئاسة البرلمان على "التنسيقي" تسوية ملف رئاسة الحكومة وبدرجة أخرى حل أزمة انتخاب النائب الأول لرئيس مجلس النواب كما يفرض أيضا على المكون الكردي التعجيل بانتخاب رئيس للجمهورية.
وكان مثنى السامرائي، رئيس تحالف "العزم"، أعلن في وقت سابق من اليوم الاثنين انسحابه من الترشح لمنصب رئيس مجلس النواب، مبررا في بيان هذا القرار بأنه يأتي "استجابة للمصلحة الوطنية العليا ورغبة في تعزيز التوافق السياسي"، مشدداً على أن استقرار المؤسسة التشريعية يتقدم على الطموحات الشخصية أو الحزبية.
وذكر تقرير نشرته وكالة بغداد اليوم أن النائب سالم العيساوي أعلن "ترشحه لمنصب رئيس مجلس النواب"، مؤكدًا أن ذلك "يأتي ضمن الإطار الوطني".
ورغم أن البيان الصادر عن السامرائي اتسم باللغة الدبلوماسية، إلا أن القراءة التحليلية تشير إلى عدة عوامل دفعت بهذا الاتجاه، حيث لا يستبعد أن يكون الانسحاب نتيجة تفاهمات خلف الكواليس لإنهاء حالة التشظي داخل المكون السني.
ويرجح أن تكون هذه الخطوة جزءاً من صفقة أوسع تضمن تمرير مرشح "تسوية" يحظى بمقبولية الكتل الشيعية والكردية الكبيرة. وربما أدرك السامرائي أن الاستمرار في الترشح قد يؤدي إلى انقسام داخل تحالف "العزم" نفسه أو يعزز الفجوة مع الخصوم التقليديين (مثل حزب تقدم).
وتركز الاجتماع الذي عقده المجلس السياسي الوطني، المظلة الجامعة للقوى السنية، في نهاية الأسبوع الماضي على حسم ملف الترشح لمنصب رئاسة البرلمان، وسط خلاف داخل المكون السني حول مرشحين إثنين وهما السامرائي ومحمد الحلبوسي، رئيس حزب تقدم رئيس مجلس النواب الأسبق.
وكان الرئيس العراقي عبداللطيف رشيد قد حدد في مرسوم سابق تاريخ 29 ديسمبر/كانون الأول الجاري موعدا لانعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب في دورته السادسة.
وقبل ذلك المرسوم بيومين، صدّقت المحكمة الاتحادية العليا على نتائج الانتخابات البرلمانية العامة التي أجريت في 11 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بنسبة مشاركة بلغت56.11 بالمئة.
وأعضاء مجلس النواب هم المسؤولون عن انتخاب رئيس الجمهورية ومنح الثقة للحكومة. وجرت العادة أن يكون رئيس الوزراء شيعيا ورئيس الجمهورية كرديا ورئيس مجلس النواب سنيا، وفقا لنظام محاصصة بين القوى السياسية النافذة في البلاد.
ويعرف هيبت الحلبوسي بلقب "الشيخ" في أوساط محافظته، تقديرا لمكانته الاجتماعية، بينما ينظر إليه سياسيا كشخصية واقعية تمكنت من بناء جسور مع الإطار التنسيقي والقوى الكردية.
ودخل الحلبوسي المعترك التشريعي بقوة في الدورة البرلمانية الرابعة بالعام 2018، حيث برز كأحد الوجوه الشابة المؤثرة. وتولى خلال تلك الدورة رئاسة "لجنة النفط والطاقة"، وهي واحدة من أهم اللجان النيابية، وأشرف على مراجعة عقود الطاقة والسياسات النفطية في مرحلة حرجة من تاريخ الاقتصاد العراقي.
ومع انطلاق الدورة الخامسة عقب انتخابات العام 2021، حافظ الحلبوسي على ثقله السياسي، مستمرا في رئاسة لجنة النفط والغاز والثروات الطبيعية. وخلال هذه الفترة، لُقب بـ"مهندس التوافقات النفطية" لدوره في إدارة الحوارات بين بغداد وأربيل حول قانون النفط والغاز.
كما عزز مكانته قياديا مؤسسا في حزب "تقدم" ورئيسا لكتلته النيابية، ليصبح الذراع اليمنى والمفاوض الأبرز لزعيم الحزب محمد الحلبوسي. ويراهن مراقبون على قدرته في التوفيق بين خبرته التقنية في إدارة الدولة، وحنكته السياسية لكسر الجمود، واستكمال الاستحقاقات الدستورية الكبرى.