انجاز طبي غير مسبوق يحول فصيلة كلية بشرية لتصبح 'عالمية'

باحثون يحولون كلية بشرية من فصيلة الدم 'A' إلى الفصيلة 'O' باستخدام إنزيمات خاصة وزراعتها في متلقٍ ميت دماغياً دون رفض مناعي فوري، في خطوة رائدة قد توسع نطاق التوافق بين المتبرعين وتقلص فترات انتظار زراعة الكلى.

لندن - قال باحثون في دورية نيتشر بيوميديكل إنجنيرينغ إنهم تمكنوا من تحويل كلية بشرية من فصيلة الدم (A) إلى فصيلة الدم (O) باستخدام تقنية إنزيمية مبتكرة، ثم زراعتها بنجاح في متلقٍ ميت دماغياً، في إنجاز طبي غير مسبوق قد يمهد الطريق لحقبة جديدة في عمليات زراعة الأعضاء.

وأوضح الفريق العلمي، الذي ضم باحثين من جامعة كولومبيا البريطانية في كندا وعدداً من المراكز المتخصصة في زراعة الأعضاء، أن العملية اعتمدت على معالجة العضو خارج الجسم بواسطة إنزيمات خاصة مستخلصة من بكتيريا Flavonifractor plautii، قادرة على إزالة المستضدات السطحية التي تحدد فصيلة الدم (A). وبعد ساعتين فقط من المعالجة، نجح العلماء في إزالة نحو 80% من هذه المستضدات، محولين بذلك العضو فعلياً إلى فصيلة الدم (O)، وهي الفصيلة التي تُعرف بأنها "المانحة العامة" لكونها متوافقة مع جميع الفصائل الأخرى.

وتمت زراعة الكلية في متلقٍ ميت دماغياً بإشراف فريق طبي متخصص، وراقب الباحثون أداء العضو خلال ثلاثة أيام. وأظهرت النتائج أن الكلية أدّت وظائفها الحيوية بشكل طبيعي خلال اليومين الأولين، من دون أي علامات على الرفض المناعي الفوري الذي غالباً ما يحدث عند عدم تطابق فصائل الدم. وبحلول اليوم الثالث، رُصدت استجابة مناعية محدودة، لكن الضرر كان طفيفاً مقارنة بما يُتوقع عادة في مثل هذه الحالات، ما اعتبره الباحثون مؤشراً على أن الجسم بدأ يتقبل العضو الجديد جزئياً.

وقال الدكتور ستيفن ويذرز، أستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة كولومبيا البريطانية والمشارك في قيادة البحث، إن "هذه هي المرة الأولى التي نرى فيها عضواً بشرياً معدلاً إنزيمياً ينجح في العمل ضمن بيئة بشرية"، مضيفاً أن التجربة توفر "فهماً عملياً غير مسبوق لكيفية تقليل الاستجابات المناعية وتحسين فرص النجاح في عمليات الزراعة المستقبلية".

المرة الأولى التي نرى فيها عضواً بشرياً معدلاً إنزيمياً ينجح في العمل ضمن بيئة بشرية

ويُشير الباحثون إلى أن هذه التقنية قد تكون حلاً عملياً لأحد أبرز التحديات التي تواجه برامج زراعة الأعضاء حول العالم، إذ يشكل مرضى فصيلة الدم (O) أكثر من نصف المسجلين على قوائم انتظار زراعة الكلى، ولا يمكنهم استقبال أعضاء إلا من متبرعين من الفصيلة نفسها، مما يجعل فترات انتظارهم أطول بكثير — تتراوح بين سنتين وأربع سنوات في المتوسط — ويفقد كثير منهم حياته قبل أن تتاح له فرصة الزراعة.

وفي الوقت ذاته، تُستخدم كُلى الفصيلة (O) غالباً لمرضى من فصائل أخرى لأنها الأكثر توافقاً، مما يقلل من فرص حصول أصحاب هذه الفصيلة على أعضاء تناسبهم. ويرى الباحثون أن تحويل الأعضاء إلى فصيلة (O) يمكن أن يُعيد التوازن إلى نظام توزيع الأعضاء، ويُتيح استخداماً أكثر عدلاً وفعالية للمخزون المتاح.

وأفاد التقرير بأن الطرق التقليدية لتجاوز عدم التوافق بين فصائل الدم تتطلب إخضاع المريض لبرامج علاجية طويلة ومعقدة لتثبيط الجهاز المناعي، تشمل جلسات لتصفية الأجسام المضادة وأدوية قوية لتقليل الاستجابة المناعية، وهي إجراءات مكلفة وذات آثار جانبية خطيرة. أما النهج الجديد، فيُركّز على تعديل العضو نفسه بدلاً من تعديل جهاز المناعة لدى المريض، ما قد يقلل من الحاجة إلى العلاجات المثبطة ويخفض مخاطر العدوى والمضاعفات.

وأشار الباحثون إلى أن الخطوة التالية تتمثل في التقدم للحصول على موافقات الجهات التنظيمية لإجراء تجارب سريرية على مرضى أحياء، لاختبار سلامة التقنية وفعاليتها على المدى الطويل. وتوقع الدكتور ويذرز أن تبدأ هذه التجارب خلال الأعوام القليلة المقبلة، مؤكداً أن "الهدف النهائي هو إنشاء بنك من الأعضاء ذات الفصيلة العالمية (O)" بحيث يمكن تخصيصها لأي مريض بغض النظر عن فصيلته الدموية.

كما حذّر الباحثون من أن التجارب المستقبلية ستحتاج إلى معالجة تحدٍ آخر يتمثل في إعادة ظهور مستضدات فصيلة الدم بعد الزرع، وهو ما لاحظه الفريق جزئياً في هذه التجربة. وأوضحوا أن فهم الآليات التي تؤدي إلى إعادة إنتاج هذه المستضدات سيكون ضرورياً لضمان استمرار توافق العضو على المدى الطويل.

ويرى خبراء زراعة الأعضاء أن هذا التطور يمثل نقلة نوعية في مجال الطب التجديدي ونقل الأعضاء، وقد يكون خطوة أولى نحو تحويل الأعضاء البشرية إلى "أعضاء عالمية" قابلة للزراعة في أي شخص، ما قد يغيّر جذرياً مستقبل عمليات الزراعة ويقلل معدلات الوفاة بين المرضى المنتظرين.

ووفقاً لتقديرات منظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من 100 ألف شخص حول العالم ينتظرون سنوياً عمليات زراعة كلى، فيما لا يُجرى سوى جزء محدود من هذه العمليات بسبب ندرة المتبرعين وتقييد التوافق بين الفصائل. ويرى العلماء أن التقنية الجديدة يمكن أن تعيد الأمل إلى آلاف المرضى وتفتح الباب أمام منظومة زراعة أكثر مرونة وإنصافاً في السنوات القادمة.