انسحاب الأحزاب الدينية يضع الحكومة الإسرائيلية في مأزق

حكومة نتنياهو لم يعد لها سوى 61 مقعدا من أصل 120، وهو الحد الأدنى من المقاعد المطلوبة للحفاظ على بقائها.

القدس - وصلت الحكومة الإسرائيلية إلى مأزق إثر أزمة تجنيد اليهود المتدينين "الحريديم"، وما تبعها من انسحابات لأحزاب في الائتلاف الحاكم، ما يضعها أمام 5 سيناريوهات.

وفي وقت سابق من اليوم الثلاثاء، أعلن حزب "أغودات إسرائيل" الديني انسحابه من حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بعد ساعات من خطوة مماثلة اتخذها شريكه حزب "ديغيل هتوراه"، وذلك على خلفية أزمة تجنيد الحريديم.

ويشكل الحزبان معا تحالف "يهدوت هتوراه" ولديه 7 مقاعد بالبرلمان ''الكنيست"، ما يترك للحكومة 61 مقعدا من أصل 120، وهو الحد الأدنى من المقاعد المطلوبة للحفاظ على بقائها.

إلا أن المأزق أمام حكومة نتنياهو يتعاظم مع اعتزام حزب "شاس" الديني الذي يملك 11 مقعدا انسحابه من الحكومة الخميس، وفق ما نقلته القناة 12 الإسرائيلية عن مسؤولين في الحزب لم تسمهم.

وقال هيئة البث الإسرائيلية الرسمية اليوم الثلاثاء إن "الأحزاب الدينية كشفت سلسلة مطالب، أبرزها إلغاء عشرات آلاف أوامر التجنيد الصادرة لطلاب المعاهد الدينية الخاصة بها، وتجديد تمويل تلك المعاهد، إضافة إلى فرض عقوبات على الأفراد الرافضين للخدمة بدل معاقبة المؤسسات الدينية".

ويمثل تحالف "يهدوت هتوراه" الحريديم من ذوي الأصول الغربية، بينما يمثل "شاس" ذوي الأصول الشرقية منهم.

ويضع انسحاب أحزاب الحريديم الحكومة أمام 5 سيناريوهات محتملة، أولها أن يلجأ نتنياهو إلى استغلال عطلة الكنيست والانتظار، وهو احتمال ضعيف لكنه ممكن.

وبذلك يمكن للحكومة، مستغلة فترة العطلة الصيفية للكنيست التي تبدأ في 27 يوليو/تموز الجاري وتستمر حتى شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل، أن تبقى أقلية بانتظار عودة الكنيست للاجتماع.

ولكن في مثل هذا السيناريو فإنها ستصاب بالشلل لعدم قدرتها على تمرير مشاريع قوانين في الكنيست. أما السيناريو الثاني فهو حل الأزمة، من خلال التوصل إلى صيغة وسط مع الأحزاب الدينية حول مشروع قانون التجنيد، والذي بموجبه يمنح المتدينون إعفاءات من الخدمة العسكرية. ولكن هذا يتطلب من نتنياهو التحرك السريع قبل دخول البرلمان في عطلته الصيفية.

كما سيترتب على مثل هذا الاتفاق أن تتعرض الحكومة لانتقادات واسعة من المعارضة، لا سيما في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، وإعلان الجيش عن حاجته للمزيد من الجنود، في ظل خسائر متلاحقة لحقت به خلال المعارك البرية مع المقاتلين الفلسطينيين.

ويتوقف السيناريو الثالث عند إمكانية تفاقم الأزمة، إذ أن انسحاب أحزاب المتدينين من الحكومة قد يزيد من شهوة المطالب لدى حزبي "القوة اليهودية" اليميني المتطرف برئاسة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ولديه 6 مقاعد، و"الصهيونية الدينية" برئاسة وزير المالية بتسلئيل سموتريتس، ولديه 8.

ويرفض كل من بن غفير وسموتريتش اتفاق تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار في غزة، ويطالبان باحتلال القطاع وإقامة مستوطنات فيه وتهجير سكانه، وهو ما يعقد المفاوضات غير المباشرة، الجارية في الدوحة بين إسرائيل وحركة حماس.

كما يطالب الوزيران بفرض السيادة الإسرائيلية (الضم) على الضفة الغربية المحتلة ونسف حل الدولتين الذي ينادي به المجتمع الدولي. أما السيناريو الرابع، فهو اللجوء إلى أحزاب من خارج الحكومة مثل "أزرق أبيض" برئاسة بيني غانتس ولديه 8 مقاعد، أو حتى "هناك مستقبل" برئاسة زعيم المعارضة يائير لابيد، ولديه 23 مقعدا.

وقد يكون مبرر نتنياهو لمثل هذا التحالف هو التوصل إلى اتفاق لتبادل الأسرى ووقف إطلاق النار في غزة، أو ربما يتذرع بتوقيع اتفاقيات تطبيع مع دول عربية وإسلامية.

ولكن رئيس الوزراء الإسرائيلي سيواجه عقبة كبيرة حال لجوئه إلى هذا السيناريو، وهي أن هذه الأحزاب سبق وأن أعلنت رفضها التحالف معه بسبب تورطه بقضايا فساد يخضع على إثرها لجلسات استجواب.

ويتمثل هذا السيناريو بتحديد موعد لانتخابات مبكرة، وبذلك يكون نتنياهو قد استسلم لواقع الحال الذي وصلت إليه حكومته، فيقرر أن الوقت حان من أجل حل الكنيست والتوجه إلى انتخابات مبكرة.

وتنتهي ولاية الحكومة الحالية نهاية العام المقبل ما لم يتم الاتفاق على موعد لانتخابات مبكرة، غير أن نتنياهو لا يفضل مثل هذا الحل إلا في حال ضمن الفوز مجددا، لضمان بقاء حصانته في الوقت الذي تنظر فيه المحكمة المركزية باتهامات الفساد الموجهة ضده.

ويواصل الحريديم احتجاجاتهم ضد الخدمة في الجيش عقب قرار المحكمة العليا الصادر في 25 يونيو/حزيران 2024، إلزامهم بالتجنيد ومنع تقديم المساعدات المالية للمؤسسات الدينية التي يرفض طلابها الخدمة العسكرية.

ويشكل اليهود المتشددون نحو 13 بالمئة من سكان إسرائيل البالغ عددهم 10 ملايين نسمة، ويرفضون الخدمة العسكرية بدعوى تكريس حياتهم لدراسة التوراة، مؤكدين أن الاندماج في المجتمع العلماني يشكل تهديدًا لهويتهم الدينية واستمرارية مجتمعهم.

وعلى مدى عقود، تمكن أفراد الطائفة من تفادي التجنيد عند بلوغهم سن 18 عاما، عبر الحصول على تأجيلات متكررة بحجة الدراسة في المعاهد الدينية، حتى بلوغهم سن الإعفاء من الخدمة، والتي تبلغ حاليا 26 عاما.

وتتهم المعارضة نتنياهو بالسعي لإقرار قانون يعفي الحريديم من التجنيد، استجابة لمطالب حزبي "شاس" و"يهدوت هتوراه"، بهدف الحفاظ على استقرار حكومته ومنع انهيارها.