بين الوعد والوعيد: د.السيد نصر الدين يقرأ رهانات الثورة الصناعية الرابعة

الثورة الصناعية الرابعة ليست مجرد قفزة تقنية، بل إنها لحظة اختيار بين أن نصبح منتجين للمعنى أو أن نبقى كائنات متحفية.
الكتاب يحاول ترسيخ الوعي بأن ما نراه كخيال علمي هو واقع يتحقق أمام أعيننا

الثورة الصناعية الرابعة ليست لحظة منفصلة في مسار التقنية، بل هي ذروة مسار طويل ومعقّد من التحولات المتراكمة التي مرّت بها البشرية منذ أول حجر شُحِذَ ليصبح أداة، وحتى آخر خوارزمية تتخذ قرارًا نيابة عن الإنسان. في كتابه "الثورة الصناعية الرابعة: وعد أم وعيد؟"، يقدّم د.السيد نصر الدين السيد مقاربة موسّعة وتحليلًا معمّقًا لا ينطلق من الدهشة التقنية، بل من سؤال حضاري مركزي: ماذا يعني أن ندخل عصرًا تندمج فيه الآلة بالإنسان، وتزول فيه الفوارق بين البيولوجي والرقمي والفيزيائي؟ هل هو وعدٌ بمستقبلٍ واعدٍ نُحكم قبضتنا عليه، أم وعيدٌ بفقدان السيطرة والهوية والسيادة؟

يفتتح السيد كتابه الصادر عن دار الأدهم بمشهد يومي خادع في بساطته، يروي فيه "مشاهد من حياة السيد س"، الرجل العادي الذي يفيق من نومه على لمسات روبوت منزلي اسمه "أنيسة"، يرتدي كمبيوترًا شخصيًا على هيئة سوار اسمه "يحسبوه"، يتلقى تقارير صحته، وتوصيات بالذهاب لشركة الهاتف المزروع تحت جلده، قبل أن يقوم بجولة في معارض نيويورك وهونغ كونغ باستخدام نظارته المتصلة بالواقع الافتراضي، ثم يصنع هدية ثلاثية الأبعاد لزوجته، ويرسلها عبر عربة ذاتية القيادة. ليست هذه فانتازيا تقنية، كما يؤكد "بل واقعًا تقنيًّا موجودًا بالفعل، "وهي تشكل مجتمعة الأساس لما يعرف بـ'الثورة الصناعية الرابعة'، وهي الثورة التي تمثل آخر مرحلة من مراحل تطور التكنولوجيا".

في هذا المشهد الافتتاحي تتجسد فكرة مركزية في الكتاب أن الثورة التي أزالت الحدود بين ثلاثة عوالم: العالم الرقمي، العالم الطبيعي (أو الفيزيائي) وعالم الإنسان (أو العالم البيولوجي). ومكونات أول هذه العوالم، العالم الرقمي، هي برمجيات الكومبيوتر، وهي البرمجيات التي شهدت تطور غير مسبوق فتحولت من مجرد أداة نستخدمها في تحرير وثيقة أو في إعداد ميزانية البيت تحولت إلى منظومة متكاملة قادرة على القيام بالعديد من المهام المتشابكة، ولنا في منظومة أوبر أو أمازون خير مثال. وثاني هذه العوالم هو العالم الفيزيائي الذي ساعدت شبكات الاتصالات وأجهزة القياس والكمبيوترات المتصلة بها على رسم صورة رقمية وديناميكية لأحواله المتغيرة بدون تدخل أي عنصر بشري. وهكذا أخبرت كلا من ثلاجة غسالة السيد س كمبيوتره بأحوالهما على سبيل المثال. وأخيرا عالم الإنسان الذي يتكون من كافة وسائل التواصل بين الإنسان والآلة. والتوجه العام الذي يحكم تطور هذه الوسائل هو دمجها في جسم الإنسان وما تليفون السيد س المغروس إلا مثالا لذلك.

يعود السيد إلى جذور الكلمة "تكنولوجيا"، ويستحضر المعاني الأصلية: "كلمة حديثة يستخدمها المعاصرون لوصف كل ما يتعلق بما هو 'مصنوع' وليس من إنتاج الطبيعة"، يقول "التكنولوجيا" كلمة حديثة يستخدمها المعاصرون لوصف كل ما يتعلق بما هو "مصنوع" وليس من إنتاج الطبيعة. وهي كلمة مشتقة من كلمتين يونانيتان الأولى هي "تكن" τέχνη وتعني المهارة في صناعة شيء ما. والثانية هي "لوجوس" λoγoσ التي تعني الكلمة أو دراسة شيء ما. والكلمتين معا "تكنولوجيا" تعني حرفيا علم الفنون التطبيقية.

ويستعرض السيد كيف تطورت التعريفات من كونها "علم معالجة الأشياء الطبيعية" إلى أن أصبحت، كما يراها جروبلر، منظومات شديدة التعقيد "تهدف إلى تعزيز قدرات الإنسان على إنجاز المهام أو تمكينه من القيام بأعمال لا يمكن القيام بها دون الاستعانة بأداة ملائمة. لكنه لا يغرق في الطابع التقني للتكنولوجيا، بل يؤكد على تلازمها مع المجتمع، فهي لا تتطور في الفراغ، بل في سياق اجتماعي معقّد، حيث "تتشكل 'البنى الأساسية المادية' من المنظومة التقنية السائدة... أما البنى الأساسية المعنوية فتتكون من البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تنظم علاقات مكونات المجتمع". لذلك فإن، المجتمعات التي لا تستوعب هذا التلازم وتفشل في التحديث، تواجه مصيرًا مرعبًا، كما يقول "مصير المجتمعات التي لا تعي متطلبات قانون التطور وتعجز عن ملاحقة ومواكبة إيقاعاته لا يخرج عن أمرين: فهي إما أن تنقرض وتزول من الوجود أو أن تتحول في أحسن الأحوال إلى مجتمعات متحفيه حية يزورها طلاب المدارس وعلماء الأنثروبولوجيا من المجتمعات الأكثر تطورا "ليتفرجوا" أو ليدرسوا كيف كان يعيش الأسلاف. ولا يقتصر الأمر على هذا فقط، بل يتعداه إلى فرض دور "العبد" على هذه المجتمعات فتتعرض لاستغلال فظ ﻹمكاناتها المادية ولثرواتها الطبيعية ولما تبقى لها من موارد ذهنية ومعنوية.

ويضيف "تتميز عملية التطور التي تحدث للمجتمع البشرى، عن تلك التي تحدث لغيرها من الموجودات، بأنها عملية يلعب الوعي بها وبشروطها، دورا أساسيا في توجيهها، وفي الإسراع بها وفي إتمامها. لهذا، تسعى المجتمعات، الواعية بحركة التاريخ وباتجاهاته، إلى تجنب هذا المصير بالتجديد المستمر لذواتها من خلال تحديث بناها الأساسية، المعنوية والمادية، لتستوعب بذلك متطلبات التطور ومقتضيات التغيير ولتواكب إيقاعات العصر الذي تعيش فيه. وهكذا يصبح الحديث عن مراحل التطور المتصاحب للمجتمع البشري والتكنولوجيا أمرا لا غنى عنه للتعرف على موقع مجتمعنا على خارطته ولتحديد اتجاه حركتنا عليها".

من هذا المنطلق، يرى السيد أن مسار الحضارة الإنسانية يمكن تتبّعه عبر ست مراحل تاريخية، كل منها ارتكز على ثورة تكنولوجية مفصلية، من الزراعة، إلى المحرك البخاري، إلى الكهرباء، إلى الحوسبة، ثم الرقمنة، وصولًا إلى "المرحلة التي نعاصر بدايتها الآن: الثورة الصناعية الرابعة"، والتي لا تقتصر على تطور أدوات الإنتاج، بل تلامس جوهر العلاقة بين الإنسان والعالم.

كتاب 'الثورة الصناعية الرابعة: وعد أم وعيد؟'
مسار الحضارة الإنسانية يمكن تتبّعه عبر ست مراحل تاريخية

ومن خصائص هذه الثورة، كما يرصدها، أنها لا تنتمي إلى عالم بعينه، بل إلى كل العوالم: "ازالت الحدود بين ثلاثة عوالم: الرقمي، الفيزيائي، والبيولوجي"، ولأنها كذلك، فإن أثرها لن يكون مقتصرًا على الآلات والمصانع، بل على كل أنماط الحياة والعمل والعلاقات الاجتماعية والأنظمة السياسية.

ويرى السيد أن ما يجعل هذه الثورة مختلفة في طبيعتها عن سابقاتها هو ظاهرة "التلاحم التكنولوجي"، الذي يعرّفه بأنه "العملية التي يتم عبرها دمج عدة تكنولوجيات مختلفة في منظومة واحدة تسمح لها باستخدام نفس الموارد (البيانات على سبيل المثال) وبالتفاعل مع بعضها البعض لتكون النتيجة تكنولوجيا جديدة ومزايا مستجدة". من أوضح أمثلتها الهاتف الذكي الذي بات يجمع في جهاز واحد بين التصوير، الاتصال، الترفيه، تحديد المواقع، التفاعل الاجتماعي، وغيرها.

لكن ذروة هذا التلاحم تتجسد في ما يسميه بـ"المنظومة الفيزيائية السيبرية"، وهي كيانات مادية (مثل الأجهزة أو المركبات) مدمجة بأنظمة رقمية (مثل الحواسيب والمستشعرات والمحركات)، تعمل بتنسيق ذاتي، وتتعلم من تجاربها، وتعيد تنظيم سلوكها في ضوء ما تكتسبه من معرفة. "المنظومة الفيزيائية السيبرية لديها القدرة على تغيير حدودها وسلوكها وعلى إعادة تنظيم بنيتها الداخلية"، و"تمتلك ذاكرة تمكنها من حفظ نتائج أنشطتها السابقة... وتحليلها واستخلاص نتائج جديدة". هذه الكيانات ليست أدوات، بل كائنات ذكية هجينة، تتخذ قرارات ذاتية بناءً على تغذيات راجعة، وتتكيف مع التغيرات البيئية، وتتفاعل مع البشر بطرق تحاكي الذكاء العاطفي والمعرفي.

لا يُخفي السيد مخاوفه من أن تؤدي الثورة الصناعية الرابعة إلى إعادة إنتاج "هيمنة رقمية" بدل الهيمنة الإمبريالية، حيث تُعاد صياغة خرائط القوة والسلطة والثروة، ويُعاد ترتيب الدول والمؤسسات والمجتمعات وفقًا لقدرتها على التكيف، أو بالأحرى على السيطرة، على تكنولوجيات هذه المرحلة، فهذه الثورة "ستعيد ترتيب مكانات الكيانات، منتجات أو أفراد أو منظمات أو مناطق أو دول"، ولن يحتل موقع الصدارة إلا من يمتلك البنية التحتية المعرفية والتقنية والاجتماعية اللازمة لذلك.

ويؤكد أن الخطر لا يكمن فقط في التحول التكنولوجي، بل في زعزعة "المصادر التقليدية للمعنى" مثل العمل، الأسرة، الهوية، والمجتمع. يحذر من أن الثورة الرابعة "قد تهدد هذه المصادر أو قد ترفع البشرية إلى وعي جماعي وأخلاقي جديد"، ويرى أن مسار التأثير يتوقف على مدى وعي المجتمعات واستعدادها المؤسسي والثقافي.

يركز على التغيرات الجذرية في العمل، مستشهدًا بتقديرات تقول إن "47 في المئة من الوظائف التقليدية في الولايات المتحدة مهددة بسبب الرقمنة والأتمتة، ما يستدعي إعادة تعريف العمل نفسه، ودوره في بناء الذات الاجتماعية والكرامة الإنسانية. وفي ظل تراجع الطلب على المهارات التقليدية، تصبح المهارات الجديدة مثل حل المشاكل المعقدة، التفكير النقدي، الذكاء العاطفي" أكثر طلبًا.

السيد يرى في الثورة الصناعية الرابعة لحظة انعطاف كبرى تفرض على الإنسان أن يعيد تعريف نفسه، لا بوصفه مستخدمًا للتكنولوجيا، بل جزءًا منها

أما على مستوى الدولة، فيرصد السيد ما يسميه "الازدواجية التكنولوجية"، حيث تمنح التقنية الأفراد أدوات تعبير جديدة، وفي الوقت ذاته تمنح السلطات وسائل مراقبة غير مسبوقة، بما يجعل الحرية والخصوصية في موضع اختبار. كما يشير إلى أن هذه التحولات "تؤثر على توقعات المواطنين من حكوماتهم، وتغير طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم".

ويعرض مؤشر الجاهزية للذكاء الاصطناعي الصادر عن معهد أكسفورد، ليوضح التفاوت بين الدول، حيث تحتل مصر المرتبة 111 بينما تحتل إسرائيل المرتبة 21. ويعلّق قائلًا إن "الجاهزية لا تعني فقط البنية التقنية، بل تعني وجود السياسات والرؤية والإرادة"، مشددًا على أن "اللامبالاة قد تسمح بانتقال NBIC إلى عالمنا في عصر مظلم جديد... ديستوبيا تسيطر عليها نخبة صغيرة".

في ملاحق الكتاب لا يخرج السيد عن سياقه التحليلي، بل يوسّع عدسته نحو التطبيق والتوثيق والمقارنة، مستعينًا بجداول وإحصاءات ومؤشرات عالمية تعكس بدقة الفجوة المعرفية والرقمية بين الدول، وتبرز في الوقت ذاته إلحاح السؤال المركزي الذي يدور حول الجاهزية: من هو المستعد فعلًا للدخول في عمق الثورة الصناعية الرابعة، ومن سيتحول إلى مجرد مستهلك لأدواتها وبياناتها؟. يبدأ أول ملحق بمقارنة واسعة بين الثورات الصناعية الأربع، عبر جدول يبيّن تاريخ كل ثورة، والتكنولوجيا المحرّكة لها، وتأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية. ومن اللافت أن يضع الثورة الرابعة في موضع فارق بوصفها الوحيدة التي لا تمتلك محرّكًا واحدًا ماديًّا واضحًا، بل "تلاحم غير مرئي" بين عوالم متعددة، مشيرًا إلى أنها لا تعيد تعريف الإنتاج فحسب، بل تعيد تكوين الحياة ذاتها.

كما يعرض مقارنة دالة بين موقف خمس دول: الولايات المتحدة، الصين، ألمانيا، اليابان، وكوريا الجنوبية، من الاستعداد للثورة الرابعة. يرصد هنا كيف أن كل دولة طوّرت استراتيجية وطنية بأسماء متباينة لكن بتوجه موحّد نحو التمكين الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والثورة الصناعية 4.0. وفي المقابل، يُظهر غياب الدول العربية عن هذا المشهد، وكأنها خارج الزمن التقني، أو على الأقل على هامشه.

وتبرز أهمية مؤشر الجاهزية للذكاء الاصطناعي الصادر عن معهد أكسفورد، حيث يقارن السيد ترتيب الدول فيه، مع التركيز على موقع مصر في المرتبة 111 عالميًّا، مقارنة بإسرائيل في المرتبة 21. لا يكتفي بمجرد عرض الأرقام، بل يعلّق بمرارة هادئة على دلالاتها، كاشفًا أن المسألة ليست في الموارد، بل في الرؤية والاستعداد المؤسسي والتشريعي والأخلاقي والمعرفي. يلمّح إلى أن التخلف لم يعد تخلّفًا في "الأشياء"، بل تخلّف في "التحول"، حيث يمكن أن تمتلك أجهزة متقدمة، دون أن تكون قادرًا على إدارتها أو استثمارها ضمن منظومة منتجة.

كما تضم الملاحق جداول توضّح أهم المجالات التي طالتها الثورة الصناعية الرابعة، مثل السيارات ذاتية القيادة، الطب الدقيق، الطباعة ثلاثية الأبعاد، النانو تكنولوجي، والروبوتات التعاونية، مع بيان تأثير كل منها على الحياة اليومية وسوق العمل. هذا التوثيق لم يأتِ على سبيل الزينة الإحصائية، بل هو محاولة لترسيخ الوعي بأن ما نراه كخيال علمي هو واقع يتحقق أمام أعيننا، وأن اللحظة لم تعد ترفًا في التفكير، بل لحظة اتخاذ قرار وجودي.

ما يميز هذه الملاحق هو أنها ليست مجرد إضافات تقنية، بل امتداد فكري للكتاب كله. وبالنهاية، لا يرى السيد في الثورة الصناعية الرابعة مجرد قفزة تقنية، بل "لحظة انعطاف كبرى" تفرض على الإنسان أن يعيد تعريف نفسه، لا بوصفه مستخدمًا للتكنولوجيا، بل جزءًا منها. إنها لحظة اختيار بين أن نصبح منتجين للمعنى في عالم يتغير بلا توقف، أو أن نبقى كائنات متحفية تراقب الزمن من خلف زجاج الخوارزميات.