تأثير الإخوان المسلمين في صنع القرار السعودي "بين عهدين" (1)
ظلت علاقة الجماعات الإسلامية السياسية بشقيها "الإخواني والسلفي" بالمملكة العربية السعودية لغزاً كبيراً ومحيراً، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة؛ ففي حين يكون التأثير صاعداً، يرتد في أحايين أخرى منخفضاً.
ووفقاً للمعطيات، فإن هذا التباين يعود لأسباب عدة، منها: شخصية الحاكم، وتوجه التيار الديني، وعوامل أخرى أدت إلى تراوح منحنى التأثير بين "الاندثار والنشوء".
لقد كان مستوى تأثير التيارات الإسلامية في صنع القرار السعودي منخفضاً جداً في فترة حكم الملك عبدالله بن عبدالعزيز، الذي خاض غمار صراع شديد ومفتوح، حتى صنفت السعودية جماعة الإخوان المسلمين ضمن لوائح الإرهاب.
لكن بعد وفاة الملك عبدالله وتولي الملك سلمان الحكم، تنفس الإخوان المسلمون الصعداء؛ حيث رتب الملك سلمان وولي عهده ترتيباً جديداً، وحرصا على إقامة علاقة وصفت بالمرنة، نتج عنها صعود لافت في منحنى العلاقة والتأثير داخل السعودية وفي مستوى صنع القرار.
وكذلك كان الحال على الصعيد الإقليمي، لا سيما في الملفين السوري واليمني؛ الأمر الذي حير المراقبين والباحثين، ووصل إلى حد التناقض، مما دفع البعض إلى وصف سياسة المملكة تجاه جماعة الإخوان المسلمين بـ"المرتبكة والمتناقضة".
فخلال فترة قصيرة لا تتعدى ثلاثة أعوام، صدر مرسوم ملكي يصنف جماعة الإخوان المسلمين في اليمن جماعة إرهابية محظورة، وحدد المرسوم قيادات الصف الأول والثاني لحزب الإصلاح (فرع تنظيم الإخوان في اليمن) بأسمائهم وصفاتهم في قائمة طويلة، شملت منع شخصيات قيادية من دخول الأراضي السعودية، وأمهل المتواجدين منهم داخل المملكة فترة محددة للمغادرة فوراً.
ثم بعد مرور عام أو أقل، فوجئ المراقبون والإعلاميون بصدور ترتيبات أو توجهات توحي بغير ذلك، والمثير للاستغراب أن تلك التحولات تمت دون صدور قرار أو مرسوم ملكي يلغي ما سبقه علناً؛ مما يوحي -حسب مراقبين- بوجود علاقة ممتدة داخلياً مع الإخوان المسلمين السعوديين وقيادات الإخوان في اليمن الممثلة بحزب الإصلاح.
ورجح مراقبون للشأن السعودي أن تلك القرارات قد تكون "ورقية" في بعض جوانبها، بينما ظلت العلاقة سارية المفعول في الخفاء، وأن ما تم إعلانه كان لإرضاء أطراف خارجية.
وهذا الارتباك رآه البعض دليلاً على وجود "سر خفي وراء الأكمة"، وهو ما سنتحدث عنه بعمق أكثر في مقال آخر لنستكشف أغوار تلك الخفايا، ومداها، وأسبابها داخلياً وخارجياً.
ولو عرجنا جانباً عن جماعة الإخوان كمثال، تتوارد إلى أذهاننا حركات سلفية دعمتها المملكة مالياً ومعنوياً لسنوات عديدة في دول مختلفة لأهداف مذهبية وسياسية، مضافاً إليها حركات جهادية أخرى تورطت السعودية في دعمها حيناً ومقاتلتها حيناً آخر خارج حدودها.
فماذا عن الداخل السعودي؟
نتج عن هذه العلاقة المتناقضة وفقاً للمصلحة الآنية ارتدادات عامة داخلياً وخارجياً. وتلك التقلبات تقودنا إلى تساؤلات عدة، منها:
ما مدى علاقة الإخوان المسلمين بالقرار السعودي؟
ما حجم تأثيرهم في تشكيله؟
وهذا كما أوضحت سلفاً، سنلقي عليه الضوء بشكل أوسع وأعمق في الحلقة (2)
الخلاصة:
في عهد الملك عبد الله، انحسر تأثير الإخوان المسلمين داخل السعودية وخارجها. أما في عهد الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، فقد تصاعد دورهم مجدداً وتضاعف تأثيرهم في صنع القرار بدرجة كبيرة عما كان عليه في العهد السابق.
للحديث بقية...