تأملات في التحوّل والاستراتيجية وصراع البقاء في وسائل الإعلام
هناك دائماً صوت خافت في كل حقبة تاريخية شهدها الإعلام، يقول إن ما نعرفه اليوم قد لا يكون موجوداً غداً. هذا الهمس لم يعد خافتاً الآن. بل صار صخباً يصعب تجاهله. وفي ظل هذه التقلبات، يظهر كتاب "الإدارة الاستراتيجية في وسائل الإعلام: مفاهيم وحالات عملية" للدكتور عاطف عبدالله عودة كأنّه محاولة جريئة لإعادة ترتيب الفوضى، أو على الأقل فهمها بما يكفي للقدرة على العبور داخلها بأقل خسائر ممكنة.
الكتاب لا يتعامل مع الإدارة الاستراتيجية من زاوية نظرية جامدة، ولا يقف عند حدود التعريفات الكلاسيكية التي اعتدنا أن نجدها في كتب الإدارة، بل يعيد صياغة تلك المفاهيم داخل سياق إعلامي مضطرب، تتغير قواعده كل يوم، وتتبدل هويته كلما ظهرت تقنية جديدة أو منصة رقمية مختلفة. إنه أشبه بخريطة طريق صنعت في لحظة عاصفة، لا تُخبرك فقط بالاتجاهات، بل تنبّهك أيضاً إلى طبيعة الرياح، ومعدل الرؤية، واحتمالات العواصف التي قد تهدد السفينة.
إن أهم ما يفعله عبدالله في كتابه هو أنّه يعيد طرح سؤال جوهري يبدو بسيطاً في ظاهره لكنه عميق في مضامينه: كيف تُدار المؤسسات الإعلامية اليوم؟. ليس كيف ينبغي أن تُدار، ولا كيف أُديرت في الماضي، بل كيف تُدار فعلاً في عالم لم يعد الإعلام فيه قطاعاً قائماً بذاته، وإنما فرعاً متشابكاً من قطاعات التكنولوجيا والاقتصاد والسلوك الجماهيري والذكاء الاصطناعي والسياسة وصناعة المحتوى والتجارة الرقمية.
ومن هنا ينطلق عبدالله من تناول موضوع الإدارة الاستراتيجية في وسائل الإعلام في مسعى لسد الفجوة المعرفية في هذا المجال. حيث يستهدف رسم خريطة طريق لمعالم صناعة الإعلام، والتجارب الدولية، ونماذج الأعمال، ومحركات النمو، وأداء الاستراتيجيون، والقضايا الاستراتيجية الحالية في القطاعات المختلفة التي تؤثر في القطاع الإعلامي بصفة عامة. وفي السياق ذاته يسعى إلى تحديد الموضوعات المشتركة التي تظهر في البيئة الاستراتيجية والتحديات التي تفرضها، بالإضافة إلى الكشف عن الجوانب المختلفة داخل المؤسسات الإعلامية التي تؤثر على أنشطة الاختيار الاستراتيجي والتنفيذ.
يؤكد عبدالله أنه في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها قطاع الإعلام، يعد التغيير هو العامل الثابت الوحيد، وسمة أساسية لهذا القطاع الديناميكي. فمن الصحف المطبوعة إلى العصر الرقمي، تُظهر المراحل التاريخية لتطور وسائل الإعلام نمطاً متكرّراً من التحول والتكيف، حيث شهدت الصحافة الورقية تحدياً مع بروز الإذاعة، وتكيفت الإذاعة مع ظهور التلفزيون، حتى جاءت الإنترنت لتعيد تشكيل المعادلة الإعلامية برمّتها. وأسهمت التوجهات والتقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي، والواقع المعزز، والبث الحي، والمحتوى المُنتج من قبل المستخدمين، في إحداث اضطراباً في المشهد الإعلامي وتحولات جذرية في بنية الصناعة الإعلامية، رغم ما وفرته من أدوات وإمكانات. وأدت هذه المستجدات والتطورات المتسارعة إلى تغيّر سلوك الجمهور وتوقعاته بشكل كبير، ليتجه نحو التغطيات الفورية، والاستهلاك المرن للمحتوى، والمشاهدة حسب الطلب.
ويرى أن هذا السياق المتغير أفرز تحديات بنيوية لصناعة الصحافة العالمية على مدار العقدين الماضيين، من بينها تراجع الإيرادات، وتقلص الاشتراكات، وانكماش سوق الإعلانات، وتحول القراء نحو الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، للحصول على الأخبار، ما دفع بعض الصحف إلى التوقف عن الصدور. أيضا محطات التلفزة لم تعد بمعزل عن التغيرات المتلاحقة التي يشهدها قطاع الإعلام، إذ فقدت القنوات التلفزيونية جزءًا من جمهورها لصالح منصات البث الرقمي مثل "نتفليكس"، و"أمازون برايم فيديو"، و"ديزني+"، و"شاهد" و"واتش إت" و"أو إس إن +"، ما أجبرها على إعادة النظر في نماذج أعمالها واستراتيجياتها التشغيلية.
تزامناً مع هذا التحول، استأثرت حفنة قليلة من شركات التكنولوجيا العملاقة في وادي السيليكون، مثل "جوجل"، و"ميتا"، و"أمازون"، على الحصة الكبرى من سوق الإعلان الرقمي، التي يُتوقع أن تتجاوز قيمتها حاجز تريليون دولار بحلول عام 2026، مستفيدة من انتشار الهواتف الذكية، وزيادة الاعتماد على الإنترنت، ونمو التجارة الإلكترونية.
ويضيف أنه في المقابل، أصبحت عائدات المؤسسات الإعلامية التقليدية أكثر تقلباً، نتيجة حدة المنافسة على سوق إعلانية محدودة النمو. وكما أفضت هيمنة شركات التكنولوجيا، مثل "جوجل" و"ميتا" و"إكس"، على المشهد الإعلامي على مدى عقدين إلى تدمير نماذج أعمال الصحافة في جميع أنحاء العالم، يقوم الذكاء الاصطناعي الآن بذلك مرة أخرى. إذ تشير التقديرات إلى أنه سيكون مسؤولاً عن إنتاج نحو 90% من المحتوى الرقمي بحلول عام 2027، وهو ما يشكل تحدياً حقيقياً أمام المؤسسات الإعلامية الساعية إلى الحفاظ على التميز والمصداقية والجودة.
انطلاقا من ذلك يرى عبدالله أن الصناعة الإعلامية حالياً تواجه استحقاقاً استراتيجياً يتمثل في ضرورة اعتماد نهج شامل للتكيف مع الواقع الرقمي الجديد، وبات لزاماً عليها مواكبة التحولات المتسارعة في بيئة الأعمال غير المستقرة، والاستعداد لمستقبل غامض أفرزته التحديات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية والثقافية المتشابكة.
ويضيف "في ظل الوضع الراهن، تبرز الإدارة الاستراتيجية كأداة حاسمة في التخطيط الاستباقي واتخاذ قرارات ومبادرات فعالة، بدلًا من الاكتفاء بردود الفعل المتأخرة، لضمان نجاح واستمرارية المؤسسات الإعلامية. إذ تتيح الإدارة الاستراتيجية إجراء تحليل منهجي للبيئة الداخلية والخارجية على حد سواء، بما يُسهم في استكشاف الفرص وتحديد المخاطر، وصياغة استراتيجيات مرنة قادرة على التكيف مع المتغيرات، وتحديد أهداف طموحة قابلة للتحقيق. كما تغطي جوانب متعددة تشمل الابتكار، وجودة المحتوى، وبناء علاقات مستدامة مع الجمهور، بما يعزز الأثر المؤسسي والقدرة التنافسية. وبعبارة أخرى، تُمكّن أدوات الإدارة الاستراتيجية المؤسسات من ممارسة أنشطتها استناداً إلى منهج المبادرة والتأثير، بدلاً من الاقتصار على الاستجابة للمشكلات والتحديات التي تواجهها. وترتكز الإدارة الاستراتيجية على الرصد الدقيق والمتابعة المستمرة للمتغيرات والتحديات الراهنة والمستقبلية في بيئة صناعة الإعلام، بهدف تحليلها بعمق واتخاذ قرارات مدروسة للتعامل معها قبل تفاقمها، دون الاكتفاء برد الفعل بعد وقوعها. ويُسهم تبني مدخل الإدارة الاستراتيجية في المؤسسات الإعلامية في تعزيز تفاعل القيادات الإدارية مع عمليتي التخطيط وتنفيذ الأنشطة المختلفة، مما يؤدي إلى ترسيخ سلوك إداري إيجابي ومشترك بين صانعي القرار داخل المؤسسة.
ويشير عبدالله إلى أن كتابه المعنون يسعى إلى معالجة فجوة معرفية في أدبيات إدارة وسائل الإعلام، إذ يتجاوز الطروحات التقليدية، ليُقدم رؤية متكاملة حول الإدارة الاستراتيجية في المؤسسات الإعلامية، مدعومة بنماذج دولية، وتحليلات قطاعية، ودراسات حالة من الواقع المصري. وأنه يستهدف رسم خريطة طريق شاملة لفهم معالم صناعة الإعلام، من خلال تسليط الضوء على التجارب الدولية الرائدة، ونماذج الأعمال المتنوعة، ومحركات النمو المؤثرة، وأداء القيادات الاستراتيجية، فضلاً عن تناول القضايا الراهنة في مختلف القطاعات ذات الصلة، والتي تترك أثراً مباشراً أو غير مباشر على البيئة الإعلامية بوجه عام. ويسعى إلى تحليل الموضوعات المشتركة التي تنشأ في البيئة الاستراتيجية والتحديات التي تفرضها على المؤسسات الإعلامية، إلى جانب استكشاف العوامل التي تؤثر في قرارات الخيار الاستراتيجي وتنفيذ الخطط داخل تلك المؤسسات.
يذكر أن الكتاب جاء في ستة أبواب رئيسية، احتوت على اثني عشر فصلاً، إضافة إلى دراسات حالة، وأدوات تطبيقية، وقائمة مراجع، وفهرس علمي دقيق. ويقدم كل باب رؤية شمولية لجانب من جوانب العمل الاستراتيجي: الباب الأول "الإدارة الاستراتيجية ـ المفهوم والأهمية والمخاطر" يُرسّخ الباب الأول القواعد النظرية للإدارة الاستراتيجية، فيعرض مفاهيمها وأهميتها ومزاياها ومخاطرها وخصائصها ومراحلها وأبعادها، قبل الانتقال إلى علاقة هذا الإطار بوسائل الإعلام. كما يقدم حالة عملية عن التكيف الاستراتيجي لجريدة نيويورك تايمز، بوصفها نموذجاً دولياً رائداً في التحول الرقمي.
ويُعالج الباب الثاني "مستويات الإدارة الاستراتيجية" مستويات الاستراتيجية في المؤسسات: الاستراتيجية العليا ـ استراتيجيات النشاط ـ الاستراتيجيات الوظيفية ـ الاستراتيجيات الفرعية، ويتناول العلاقة بين الابتكار والخطط الاستراتيجية، ومتطلبات التوجه الاستراتيجي ونماذجه، وصولاً إلى دراسة حالة تعزز المفاهيم.
أما الباب الثالث "التحليل الاستراتيجي" فيقدم الأدوات الأساسية لفهم البيئة الخارجية، باستخدام نماذج مثل بورتر وفريمان، وأساليب التنبؤ، والتحليل متعدد المستويات. ويعرض حالتين عمليتين توضحان كيفية تطبيق التحليل في سياقات حقيقية.
ويوضح الباب الرابع "الرؤية والرسالة والأهداف" معايير صياغة رؤية استراتيجية فاعلة، وعلاقة الرؤية ببقية عناصر الاستراتيجية، وماذا يعني غيابها للمؤسسة. كما يناقش خصائص الأهداف الجيدة وكيفية صياغتها، ويربط ذلك بأخلاقيات الإعلام، مع عرض نماذج تطبيقية من «الجارديان» وغيرها.
ويشرح الباب الخامس "تنفيذ الاستراتيجية والبدائل الاستراتيجية" كيفية اختيار البديل الاستراتيجي الأمثل، وأدوات تحليل حقائب الأعمال، ومتطلبات التنفيذ، والتحول داخل المؤسسة، وأنواع الرقابة والمراجعة الاستراتيجية.
ويتناول الباب السادس "الهيكل التنظيمي" أهمية الهيكل، وأبعاده، ونماذجه، ومحدداته، ومراحل تصميمه، وخصائص الهيكل التنظيمي الفعال في القرن الحادي والعشرين، مع تطبيقات من مؤسسات إعلامية محلية وعالمية.
ويعرض الباب السابع "الدراسة الميدانية" الجزء التطبيقي الأكثر ثراءً في الكتاب، من خلال دراسة حالة موسّعة لمؤسسات إعلامية مصرية، وتحليل بيانات إحصائية، واختبار اتجاهات المسؤولين نحو تطبيق الإدارة الاستراتيجية، ثم عرض النتائج والتوصيات.
هكذا يمثل الكتاب في مختلف جوانبه مرجعاً مهماً وعملياً للباحثين والمهنيين وصناع القرار في المؤسسات الإعلامية. فهو لا يقدم تنظيراً مجرداً، بل يربط بين المفاهيم العلمية والتطبيقات العملية، ويستكشف بعمقٍ العوامل المؤثرة في تطوير الأداء الإعلامي، سواء على مستوى الهيكل التنظيمي أو نماذج الأعمال أو أساليب القيادة. ويعد أيضاً أداة مهمة لمتخذي القرار الذين يسعون لتصميم سياسات إعلامية جديدة تستجيب للتحولات الرقمية والتكنولوجية والاجتماعية. كما يشكّل مرجعاً تدريبياً يمكن اعتماده في برامج تطوير القيادات الإعلامية وبناء القدرات المؤسسية. ويفتح الكتاب الباب أمام رؤية جديدة لمستقبل الإعلام العربي، تقوم على:
ـ بناء مؤسسات قادرة على التكيّف
ـ الاستثمار في التحول الرقمي
ـ تعزيز الابتكار
ـ إعادة صياغة العلاقة مع الجمهور
ـ تطوير نماذج أعمال مستدامة
ـ رفع كفاءة القيادات الإعلامية
ـ اعتماد ثقافة مؤسسية قائمة على المبادرة لا ردّ الفعل