تاريخ عالمي للهراء: حين يصبح العقل خادمًا للوهم
ينطلق كتاب "تاريخ عالمي للهراء" للعالم الفرنسي جان-فرانسوا مارميون من زاوية غير مألوفة: تاريخ الأخطاء والانحرافات الفكرية والقرارات التي بدت في حينها حكيمة، لكنها كانت في جوهرها تراجيدية. الفكرة بسيطة لكنها مزعجة في الوقت نفسه: إن "الهراء" ليس غيابًا للعقل، بل استخدامٌ للعقل في الاتجاه الخاطئ، توظيفٌ للذكاء في خدمة الوهم، وتسويغٌ للجهل عبر لغة العلم أو الدين أو السلطة.
الكتاب، الذي ترجمه لطفي السيد منصور وصدر عن منشورات الحياة، عمل جماعي حرره وأشرف عليه مارميون، وضمّ نحو ثلاثين عالمًا وباحثًا من المؤرخين والفلاسفة وعلماء النفس والأنثروبولوجيا، يقرأ التاريخ الإنساني من زاوية غير تقليدية، بوصفه مسرحًا لتوالد وتحوّر ممارسات الغباء أو "الهراء" عبر العصور. فهو لا يتعامل مع الغباء كمجرد عرض جانبي في مسيرة التقدّم، بل كقوة كامنة وفاعلة شكّلت الوعي الإنساني في مراحل مختلفة، وأسهمت في تشكيل مصائر البشرية.
جاء العمل منظّمًا في فصول متقاربة زمنيًا وموضوعيًا، تتنقّل بين فترات ما قبل التاريخ والعصور القديمة، مرورًا بالعصور الوسطى، وصولًا إلى العصر الحديث. كما يتضمّن مقاطع تخصّصية تتناول السياسة والحرب والدين والاقتصاد والعلوم والخطاب الجماهيري. لا يسعى الكتاب إلى تقديم تعريفٍ واحد جامد لمفهوم "الكونّريّة"، بل يفتح بابًا واسعًا للتساؤل:هل هي خطأ معرفي؟ أم انعدام للحكمة؟ هل هي نتاج إهمالٍ متعمّد للحقيقة، أم مزيج من الجهالة والقدرة على إضفاء المبررات الأخلاقية على الممارسات الضارة؟.
بعض الفصول تقرأ ظواهر تاريخية كاختراعات بشرية قادت إلى نتائج كارثية ـ مثل الانتقال إلى الزراعة والاستقرار بوصفه "حماقة ذات تبعات بعيدة" ـ بينما تذهب فصول أخرى إلى تفحّص سلاسل من الأخطاء المعرفية والسياسية التي أدّت إلى كوارث معاصرة. في كل فصل تقريبًا، يتضح أن ما نسمّيه "هراء" ليس نقيضًا للعقل، بل هو مزيج من الثقة الزائدة بالنفس والرغبة في فرض تصوّرٍ واحدٍ على العالم.
من هذا المنظور، تقرأ بعض الفصول الحملات الصليبية كمثالٍ كلاسيكي على الغباء الجماعي المتديّن، فيما ترى فصول أخرى في الاستعمار الأوروبي نموذجًا متقدّمًا لتبرير الوحشية تحت شعارات التنوير والتمدّن. كما يكشف بعض الكتّاب عن "الحماقات العلمية الكبرى"، من إيمان العلماء طويلاً بنظريات ثبت بطلانها، إلى استغلال المعرفة في تدمير البيئة أو تصنيع القنابل الذرية. فالعقل، كما يلمّح مارميون، لا يحمي صاحبه من الهراء، بل يجعله أحيانًا أكثر قدرة على تبريره وإعادة إنتاجه.
يشير مارميون إلى أن التاريخ هو ابن الحاضر بقدر ما هو ابن الماضي، فالأطروحات التاريخية ليست بريئة أو محايدة، بل تخدم غالبًا معارك سياسية وفكرية ترتكز على اللحظة الراهنة. ويقول "من يدري، ما أجمل مبادئ اليوم التي ستذهب إلى مزبلة التاريخ غدًا." ويضيف "في السابق، كان يُنظر إلى العصر الحجري الحديث على أنه المظهر المبهر والمعجز للمكوّنات التي جعلت الإنسان العاقل نوعًا استثنائيًا، ويُفسَّر اليوم بحق على أنه عصر ظهور الملكية الخاصة، وهرم السلطة، والنظام الأبوي، وعدم المساواة، والظلم، والغضب الاجتماعي، والعنف. في هذه الحالة، كان ذلك حافزًا هائلًا للهراء الذي تصرّفنا تجاهه على الفور بعبودية طوعية ونفس راضية متحمسة، مهما كان الضرر الذي يسببه لنا في المقابل."
ويؤكد أيضًا أن "قدراتنا الفريدة على تجريد أنفسنا من تصوراتنا المباشرة، والتكهن بما لم يوجد بعد، واجترار أو تخيل ما لم يعد موجودًا، وتشكيل المعتقدات والأفكار والتعامل معها بذكاء، والتي نقنع أنفسنا بأنها حقيقية، من شأن كل ذلك أن يجعلنا قادرين فرديًا أو جماعيًا على تحقيق الأفضل والأسوأ. الأفضل، مثلاً، مع تقدم العلوم المذهل في القرنين التاسع عشر والعشرين، والذي لا نزال مدينين له. والأسوأ، أنه باسم التقدم، أطلق هذا العلم نفسه حملات لتحسين النسل لمحاربة الانحطاط الذي من المفترض أن يهدد تراثنا الثقافي والبيولوجي المشترك. كل شيء ونقيضه، المهابة والوضاعة، الوخم والتألق، متشابكان، لا ينفصلان، وفق رياح وزوابع القرون."
ويرى أن "الحماقة والحكمة وجهان لعملة واحدة مرارًا وتكرارًا، ويبقى أن نرى ما إذا كنَّا، على العتبة المظلمة لكارثة خضراء، سنكون أذكياء بما يكفي للهروب من مجاري التطور، نحن الذين سنرفض دائمًا القصص التي نحن أبطالها إذا انتهت بشكل سيئ."
من بين المشاركين، يقول أستاذ علم الآثار جان بول ديمول "قبل 12000 سنة، كان الكوكب موطنًا لمليون إلى مليوني إنسان فقط. كيف وصلنا في مثل هذا الوقت القصير إلى السبعة مليارات الحالية؟ وقريبًا العشرة مليارات؟ منهم مليار يعانون نقص التغذية، ومليار آخرون يعانون زيادة الوزن، وحيث يملك 1 في المئة من البشرية نصف ثروة العالم؟ إجابة واحدة فقط، أو بالأحرى هراء واحد فقط، إن لم يكن الهراء نفسه: العصر الحجري الحديث، اختراع الزراعة المستقرة."
أما الكاتب وأستاذ فلسفة الاقتصاد رولف دوبيلي، فيقول ساخرًا "إذا كان لدي حسابات على فيسبوك أو تويتر، فأنا لم أنشر أي شيء منذ سنوات ولا أعرف حتى إذا كان لا يزال لدي متابعون؛ مما يمنحني راحة بال أكبر بكثير من كتّاب وفنانين عديدين! وبعد مائة عام سننظر إلى هذا الجيل ونسأل أنفسنا: فيما أفنوا وقتهم؟ بصراحة، سيبدو الأمر غير مفهوم. سوف يأخذنا الناس حقًا إلى الجنون، تمامًا كما هو الحال اليوم، عندما ننظر إلى زمن الحروب الصليبية بإدراك متأخر ونتساءل: ماذا كانوا يفعلون بحياتهم وهم يركضون إلى القدس؟".
ويضيف دوبيلي محذرًا من خطر التقنية الحديثة "في الماضي، كان الكذب من اختصاص البشر الذين يمكن أن يشعروا بالذنب. الآن، يستطيع الذكاء الاصطناعي خلق أخبار مزيفة من تلقاء نفسه، دون أي مشكلة أخلاقية، فهو مبرمج لذلك! تلك مشكلة في غاية الخطورة، ولم يتعرض أي جيل آخر قبل جيلنا لمثل هذا الهراء الهائل."
ثم يوضح "المصباح الكهربائي، صممه 24 باحثًا مستقلًا حول العالم في الوقت نفسه. أحدهم، توماس إديسون، تميّز في هذه التجربة لدرجة أنه عند النظر إلى الماضي، نعتقد أنه من اخترعه. وهذا صحيح. ولكن في الوقت نفسه مع 23 شخصًا آخرين نسيت أسماءهم! نحن نميل إلى المبالغة في أهمية بعض الجهات الفاعلة في التاريخ. كل أولئك الذين احتفظ التاريخ بأسمائهم يشيرون دائمًا إلى أفكارٍ موجودة مسبقًا، قاموا فقط بتحسينها. أنا لا أحاول بأي حال من الأحوال التقليل من فضلهم، ولكن التأكيد على أن الشخصيات التاريخية العظيمة ليست معزولة أبدًا. ببساطة، يجعل الأمر ينتهي بالآخرين في غياهب النسيان."
ويتابع دوبيلي "ربما يكون المجتمع المبالغ في واقعيّته، أقل صلابة من المجتمع الذي يحافظ على أسطورة الرجال العظماء، والذي يعطي المزيد من الناس الطموح ليصبحوا أبطالًا، ويحفّزهم لخوض المخاطر وتحقيق أشياء غير عادية.. وقبل كل شيء، نحتاج إلى الوهم بأننا نفهم أنفسنا! في الواقع، نحن لا نفهم شيئًا، لكننا نروي لأنفسنا قصصًا. 99.99 في المئة من الأشياء التي مررت بها في حياتي فُقدت إلى غير رجعة، والتفاصيل الصغيرة عن الماضي التي تطفو في وعيي هي إلى حد كبير خيال، أتخيل قصصًا متسقة نسبيًا عن نفسي بينما في الواقع أنا متقلب مثل أي شخص آخر، لكني أحتاج أن أخبر نفسي شيئًا عن شخصيتي. إن عقلي بكل بساطة يتغير باستمرار من خلال التجارب، أنت أيضًا غدًا ستكون مختلفًا بعض الشيء، لكنك ستقتنع بأنك ما زلت كما أنت، لو شعر كل منّا بأنه شخص آخر في كل يوم من حياته، سينهار المجتمع!"
ويطرح تساؤله العميق: كل منا يكتب قصة طفولته بشكل مختلف في عمر 20 عامًا أو في عمر 50 عامًا على سبيل المثال، أو كل بضع سنوات على وسائل التواصل الاجتماعي، أي نسخة من نفسك هي الصحيحة؟.. ويجب "علينا جميعًا أن نحتفظ بيومياتنا لتتبع الأحداث، وكذلك مشاعرنا، وأفكارنا، وما يلهمنا، ونعيد قراءتها بعد 20 أو 30 عامًا. بدأت يومياتي عندما كنت في العاشرة من عمري، واستمر ذلك كل يوم حتى عمر 26 أو 27 عامًا، ولو أعدت قراءتها اليوم لقلت لنفسي: بحق الجحيم، من هو هذا الرجل؟ سيكون لدي الرد نفسه إذا كان بإمكاني، في عمر 90 أو 100 عام، أن أعيش من جديد المحادثة الحالية.. أعتقد أننا نكتب ونعيد كتابة تاريخنا الشخصي للتأكد من أننا نعرف كيف نحمي أنفسنا من المخاطر والمنحدرات، والشيء الأساسي في الحياة، حتى لو كان وهمًا، هو أن نفعل ما يبدو لنا صحيحًا، وأن نتجنب ما نعتبره أخطاء كبيرة، وما دمنا نحقق ذلك، فإننا سنعيش حياة مليئة بالرضا."
أما يول فين، المتخصص في تاريخ العصور الرومانية، فيوضح أن "ما نسميه 'الهراء' اليوم هو ما أطلقنا عليه 'غباء' في القرنين السابع عشر والثامن عشر، لكن الغباء يشير إلى قدر أقل من الجهل أو الافتقار إلى الذكاء مقارنة بالادّعاء. من يدلي بالهراء مدعٍ. فعندما كنت صغيرًا، قال كثير من الناس، في مواجهة الفن التجريدي مثلًا: 'أنا لا أفهم'، لقد اعترفوا بجهلهم ولكنهم لم يصرّحوا بأن ما بقي غير مفهوم بالنسبة إليهم كان باطلًا أو سيئًا أو فاسدًا. أرى اليوم كثيرين لا يعرفون شيئًا على الإطلاق عن الرسم، ومع ذلك يسخطون عليه أو يعارضون الشعر المستغلق الذي ساد منذ 'مالارميه'؛ ولذلك يعتقدون أنه يجب أن نكتب قصائد مفهومة بالنسبة إليهم، وأن اللوحة يجب أن تمثل شيئًا مثل الصورة الفوتوغرافية أو الشخصية. فالاعتراف بعدم الفهم أو الجهل ليس علامة على الهراء، أما الادّعاء بأنه يمكن للمرء رؤية الأمر مجرد لا شيء، فذلك هو الهراء بعينه."
وتشير فانسن كابديبوي، المتخصصة في الجغرافيا التاريخية، إلى تناقضات السياسة الدولية بقولها "في عام 2018، بين الدول الخمس المستفيدة بمقعد دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، صنفت أربع دول بين أكبر خمس دول مصدّرة للأسلحة في العالم: الولايات المتحدة، وروسيا، وفرنسا، والصين، والخامسة هي ألمانيا. تعزيز السلام وتسليح العالم ليست معضلة، بل هي مجرد نفاق دولنا."
ويرى جورج مارشال في فصلٍ آخر أن "مشكلة الإرهاب هي أنه ليس من السهل تعريفه: هل هو أيديولوجيا تربط بين الإرهاب والثورة؟ أم تكتيك للاستيلاء على السلطة من خلال العنف السياسي؟ هل هو في النهاية شكل من أشكال التواصل، مشكوك فيه لكنه فعّال؟ من المغري القول إنه في جميع الأحوال هو شكل من أشكال الحماقة الشاملة المتمثلة في الاستيلاء بالقوة على ما يمكن الحصول عليه بالعقل، لكن التاريخ يصنعه المنتصرون، ويصبح الإرهابيون، بعد وصولهم إلى السلطة، محررين."