تانغو الخراب: رقصة المهمشين في مواجهة الانهيار
تدور أحداث الرواية "تانغو الخراب" للكاتب الهنغاري لازلو كراسناهوركاي، الفائز بجائزة بوكر الدولية في عام 2015، ونوبل للعام 2025 في قريةٍ معزولة يلفّها المطر والوحل والضباب. هذا المشهد ليس مجرد خلفيةٍ جغرافية، بل هو جوهر النص ومزاجه العام. المطر لا يتوقف أبدًا، والسماء كأنها تُغرق الأرض عمدًا، لتغسل عنها كل أثر للحياة. في هذا الجوّ القاتم تتكشّف مصائر مجموعة من القرويين المهمشين: مجموعة من البشر المنهكين، الذين تآكلت لديهم الروابط الإنسانية، وصاروا يتحركون داخل دائرة مغلقة من الانتظار والخيبة.
كراسناهوركاي يجعل من هذا المكان الضيق مرآة لعالمٍ أكبر. فهذه القرية المهمشة ليست سوى نموذج مصغّر للمجتمع ما بعد الشيوعي في أوروبا الشرقية، حيث انهارت المشاريع الجماعية، وتبددت الأوهام الثورية، وترك الناس في مواجهة فراغٍ قاسٍ من المعنى. من هنا يتولّد الإحساس بأن الخراب ليس حادثًا طارئًا، بل حالةً وجودية عامة؛ أن القاع لا نهاية له لأن السقوط ذاته أصبح نظامًا.
تتميّز "تانغو الخراب" التي ترجمها الحارث النبهان وصدرت عن دار التنوير ببنيةٍ سردية غير اعتيادية. فالفصول طويلة، والحوارات قليلة، والجمل تتدفق في سيولٍ متواصلة من الوعي، حتى تبدو القراءة أشبه بتتبع نَفَسٍ لا يريد أن ينقطع. في إحدى المقاطع تقول الجملة ما يمكن أن يستغرق عشر صفحات كاملة، تتلو نفسها كأنها تُجرّ القارئ في دوّامة لغوية لا فاصل فيها.الأمر ليس ترفًا شكليًا من جانب الكاتب بل إنه وسيلة لخلق إيقاع سردي خانق يحاكي طبيعة الزمن في الرواية: زمن دائري، متكرر، لا يعرف بداية أو نهاية. وهكذا يجعل الكاتب القارئ شريكًا في التجربة؛ يشعر بالملل، بالضيق، بالدوخة نفسها التي يعيشها أبطال الرواية. كأن اللغة تُصبح آلة ضغط تُعيد إنتاج الإحساس بالاختناق الذي يعانيه البشر في فضاءٍ مغلق لا خلاص منه.
يقترب كراسناهوركاي هنا من تقاليد كافكا، لكنه يتميز بتحويل الفوضى إلى نظام داخلي متماسك. كل فقرة، مهما بدت متشعبة، تُسهم في رسم صورةللانهيار الأخلاقي والاجتماعي الشامل. حتى التكرار المقصود لبعض المشاهد أو الجمل ليس تكرارًا عبثيًا، بل تذكير بأن الزمن في هذا العالم قد تحطّم ولم يعد يسير إلى الأمام، بل يدور حول نفسه كما تدور رقصة التانغو.
يبدو عالم الرواية مكتظًا بالشخصيات، لكن لا أحد فيها يملك حضورًا بطوليًا. الجميع منغمس في البؤس نفسه، يتحرك بدافع البقاء لا بدافع المعنى. الفلاحون، النساء، الأطفال، جميعهم يمارسون خيانات صغيرة وأوهامًا أكبر. بعضهم يحلم بالهجرة إلى المدينة، وبعضهم ينتظر معجزة، وبعضهم يختار الغرق في السكر والعبث.
وسط هذا الخراب يظهر إريميّاش الشخصية الأكثر غموضًا في النص. يُنظر إليه في البداية كمنقذ، إريميّاش الرجل العائد إلى القرية بعد غيابٍ طويل يحمل وعودًا بالخلاص وإعادة البناء. لكن سرعان ما يتضح أنه منقذ زائف، جعجاع يستخدم الخطابة والدهاء لإعادة إحكام السيطرة على القرويين، مستغلًا بؤسهم ويأسهم.
إريميّاش في جوهره تجسيدٌ لفكرة السلطة التي تتغذّى على الانهيار، وللزعيم الذي لا يستطيع الوجود إلا وسط الأنقاض. إنه الوجه الأخلاقي للعصر الحديث: المخلّص الذي لا يخلّص أحدًا. ومن خلاله يفكك كراسناهوركاي فكرة الأمل السياسي نفسها، ليُظهر كيف يمكن للأيديولوجيا، في لحظة انحطاطها، أن تتحول إلى خرافة جديدة.
كل شخصية في القرية تمثل خيطًا من نسيجٍ أكبر. كراسناهوركاي لا يرسم أفرادًا بقدر ما يرسم منظومة بشرية تعيش حالة تفكك بطيء. المعاملات اليومية الصغيرة ـ بيع الشعير، سرقة النقود، انتظار البريد ـ تتحول إلى طقوس عبثية تؤكد أن الحياة فقدت منطقها.
من خلال هذا المشهد المحلي الضيق، يُعيد الكاتب بناء صورة الإنسان الحديث في مواجهة العدم. فالقرية ليست مجرد مكان، بل هي استعارة مكثفة للعالم ما بعد الأيديولوجي: عالمٌ تخلّى عن الإيمان، وعن الحلم، وعن الغاية، ولم يعد يملك سوى الدوران حول ذاته. وهنا يكمن عبقرية كراسناهوركاي: في قدرته على تحويل التفاصيل الريفية إلى ميتافيزيقا للانهيار.
تقوم الرواية على ثلاث ثيمات أساسية: الخسارة، الزمن، والخراب. والخسارة هنا ليست مادية فقط، بل روحية ـ خسارة الإيمان والكرامة واللغة. الشخصيات تعيش في زمنٍ بلا أفق، تشعر بأن الماضي انتهى لكن الحاضر لا يتحرك. يقول أحد الساردين في موضعٍ ساخر "إننا نعيش في موسمٍ واحد لا يتغير، موسمٌ من المطر والرطوبة والانتظار".
الزمن في الرواية يبدو مثل تجربة داخلية متقطعة. كأن الساعة لا تتحرك إلا لتعود إلى الموضع نفسه. هذا التكرار الزمني يخلق إحساسًا بالقدرية، بالعيش في حلقة أبدية من الإخفاق. أما الخراب، فهو النتيجة الحتمية لهذه الحركة المفرغة: خراب العمران، وخراب اللغة، وخراب المعنى. كل شيء يتداعى ببطء، دون انفجار، كما لو أن العالم يختفي بصمتٍ لا يحتاج إلى إعلان.
الرموز الكبرى التي تحملها الرواية تتمثل في لمطر، التانغو، والطعام، فالمطر ليس مجرد خلفية طبيعية، بل رمزٌ للانطفاء والعمى. فالرؤية في الجو الماطر محدودة، والمشي صعب، والأرض موحلة؛ كأن الطبيعة نفسها تشارك في مؤامرة الخراب. المطر المستمر يعيد تشكيل الإحساس بالزمن والمكان، ويحوّل كل المشاهد إلى ضبابية.
أما رقصة التانغو، فهي استعارة كبرى للحركة البشرية داخل الدمار. إنها رقصة ثنائية تتطلب انسجامًا بين الشريكين، لكنها هنا تتحول إلى رقصة عدم توازن، إلى تكرار ميكانيكي لخطوات بلا إيقاع حقيقي. إنها رقصة الحياة والموت، الأمل واليأس، حيث لا شيء يتحرك إلا ليعود إلى نقطة البدء.
الطعام والشراب أيضًا يتخذان طابعًا رمزيًا، حيث تُستعمل مشاهد تناول الحساء أو احتساء الخمر لقياس درجة الانهيار الاجتماعي. الأكل لا يمنح طاقة بل يُعيد تذكير الجسد بعجزه، كما أن الخمر يصبح وسيلة للهروب المؤقت من الواقع. في هذه التفاصيل اليومية يزرع كراسناهوركاي دلالاته الكبرى حول الفقر والتبعية والفساد.
يذكر أنه في عام 1994، قدّم المخرج المجري بيلا تار تحفة سينمائية مستوحاة من الرواية بعنوان Sátántangó، استغرقت أكثر من سبع ساعات عرض. استخدم تار تقنيات اللقطة الطويلة، والحركة البطيئة للكاميرا، والإيقاع الخافت ليحوّل كتابة كراسناهوركاي إلى زمن بصري ممتد.
في الفيلم، وفقا للنقاد، يتحوّل المطر المستمر إلى عنصر بصري طاغٍ، والقرية إلى فضاء أسود أبيض يتكرّر فيه المشهد بلا نهاية. تجربة المشاهدة، كما تجربة القراءة، هي فعل تحمّل. المتفرج يُرغَم على التوغل في الزمن ذاته، كما أُرغم القارئ على التنفس في الجملة الواحدة. لذلك يمكن القول إن تار لم يُحوّل الرواية إلى فيلم فحسب، بل أعاد كتابتها بلغة الكاميرا.هذا التحويل جعل الرواية تحظى بقراءات جديدة في النقد العالمي، خصوصًا في علاقة الأدب بالسينما والزمن، وكرّس كراسناهوركاي كأحد آخر كتّاب الحداثة الأوروبية الكبار الذين جعلوا الشكل السردي جزءًا من الفكرة الفلسفية ذاتها.
أيضا منذ ترجمتها إلى لغات عدة خصوصًا الترجمة الإنكليزية التي أنجزها جورج سيرتيس أصبحت الرواية نصًا محوريًا في النقاشات الأدبية حول الحداثة السوداوية والرواية الطويلة متعددة الإيقاع. النقاد من مجلات مثل The Paris Review وThe New Yorkerوصفوا كراسناهوركاي بأنه "كاتب الخراب الكوني"، واعتبروا عمله هذا بمثابة البيان الأول لعالمٍ أدبي يرى في الفوضى نظامًا وفي الانهيار نوعًا من النقاء.
الرواية اليوم تُدرّس في جامعات أوروبا وأميركا ضمن مقررات الأدب الحديث، وغالبًا ما يُستشهد بها في دراسات العلاقة بين الشكل الروائي والفكر السياسي بعد الحرب الباردة. بل إن كثيرًا من الكتّاب الشباب ـ من أوروبا إلى أميركا اللاتينية ـ يرون في كراسناهوركاي نموذجًا للمقاومة الأدبية ضد التبسيط، وضد ما يسميه هو "خيانة اللغة بالسرعة".