تحولات إفريقية تعزز الموقف المغربي في ملف الصحراء

حزب الجبهة الوطنية المشارك في الائتلاف الحكومي في بوتسوانا، يعلن دعمه الكامل لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية حلا وحيدا للنزاع المفتعل، تماشيا مع قرار مجلس الأمن رقم 2797 .

الرباط - تتواصل النجاحات الدبلوماسية المغربية في ملف الصحراء بوتيرة متصاعدة، مؤكدة التحول العميق الذي تشهده القارة الإفريقية والمجتمع الدولي في مقاربة هذا النزاع الإقليمي، فقد أثمرت السياسة المتوازنة التي اعتمدتها الرباط خلال العقد الأخير، والمبنية على الواقعية والانفتاح الاقتصادي، عن ترسيخ الاعتراف المتزايد بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وإضعاف الخطاب الانفصالي الذي تمثله جبهة بوليساريو وحاضنتها الجزائر.

وجاء أحدث هذه الانتصارات من بوتسوانا، حيث أعلن حزب الجبهة الوطنية، المشارك في الائتلاف الحكومي، دعمه الكامل لمبادرة الحكم الذاتي المغربية تحت السيادة المغربية، تماشياً مع قرار مجلس الأمن رقم 2797 (2025). هذا التحول يُعدّ منعطفاً مهماً في موقف دولة طالما ساندت الكيان الانفصالي، ويعكس اتجاهاً جديداً داخل إفريقيا الجنوبية نحو تبني مقاربة أكثر واقعية تنحاز إلى الاستقرار والتنمية.

وأوضح البيان الصادر عن قيادة الحزب أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل "الحل الواقعي والعادل للنزاع بما يتماشى مع مبادئ الأمم المتحدة ويعزز الحوار الإقليمي"، داعياً جميع الأطراف إلى الانخراط في مفاوضات بنّاءة دون شروط مسبقة. وهذا الموقف لم يكن معزولاً، بل يأتي في سياق تحوّلات متراكمة في مواقف عدد من الدول الإفريقية، مثل زامبيا، الغابون، الكوت ديفوار، السنغال، غينيا، وتشاد، التي فتحت قنصلياتها في العيون والداخلة اعترافاً عملياً بمغربية الصحراء.

ويعكس هذا الزخم الدبلوماسي نجاح المغرب في تفكيك الجبهة الإفريقية الداعمة لبوليساريو التي كانت تقودها الجزائر لعقود، مستنداً إلى سياسة تنموية واستثمارية نشطة في القارة، فالمغرب اليوم شريك أساسي في مجالات الطاقة المتجددة، الفلاحة، والأسمدة، ويقود مبادرات استراتيجية مثل مشروع أنبوب الغاز النيجيري – المغربي، ما منحه وزناً اقتصادياً متزايداً عزّز موقفه السياسي.

وفي موازاة ذلك، أكّد تقرير معهد الشرق الأوسط الأميركي أن ميزان القوى الدبلوماسية يميل بشكل واضح لصالح الرباط، مشيراً إلى أن المغرب يحرز تقدماً ثابتاً في الأمم المتحدة وفي علاقاته مع أوروبا وإفريقيا، بينما تكتفي الجزائر بمواقف دفاعية تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية.

واعتبر التقرير أن "الزمن يعمل لصالح المغرب" بفضل سياسته الواقعية وقدرته على إدارة الملف ضمن رؤية إصلاحية شاملة تستند إلى مبادرة الحكم الذاتي التي وصفها المجتمع الدولي مراراً بأنها “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” للتسوية.

وشددت الوثيقة الأميركية كذلك على أن أي مقاربة لتسوية النزاع لا يمكن أن تتجاهل التحولات الإقليمية العميقة ولا الدور البنّاء الذي يلعبه المغرب في حفظ الأمن ومكافحة الإرهاب، معتبرة أن الرباط أصبحت "فاعلاً محورياً في ضمان الاستقرار الإقليمي". كما أوصت بإشراك سكان الأقاليم الجنوبية والصحراويين المحتجزين في مخيم تندوف والمجتمع المدني ضمن أي عملية تفاوض مستقبلية، في إطار دعم الأمم المتحدة لخطة الحكم الذاتي وإعادة دمج مقاتلي بوليساريو ضمن برامج تنموية بتمويل دولي.

وترافق التحول في الموقف الإفريقي مع اعترافات دولية مؤثرة بمغربية الصحراء، أبرزها اعتراف الولايات المتحدة سنة 2020، والذي شكّل نقطة تحول في مسار الملف. كما انضمت دول أوروبية كبرى مثل إسبانيا وألمانيا وهولندا إلى قائمة الداعمين للحكم الذاتي باعتباره "الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق". وعززت هذه المواقف، إلى جانب قرارات مجلس الأمن المتعاقبة، موقف المغرب وأضعفت حجج خصومه الذين لم يعودوا يجدون دعماً إقليمياً يُذكر خارج بعض الدوائر السياسية الجزائرية.

ويرى مراقبون أن الدبلوماسية المغربية الجديدة، التي تجمع بين الحضور الاقتصادي والدبلوماسية الهادئة، غيّرت موازين اللعبة في إفريقيا، فبعد أن كانت دول الجنوب الإفريقي تعدّ معقل الجهات الداعمة لبوليساريو، باتت اليوم تتجه تدريجياً إلى دعم الرؤية المغربية، مدفوعة بإدراك متزايد أن استمرار النزاع يعطل مشاريع التنمية ويغذي التوترات في منطقة الساحل.

كما أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي حظيت بدعم متزايد من الأمم المتحدة نفسها، التي شددت في قراراتها الأخيرة، ومنها القرار 2797، على أن الحل يجب أن يكون “واقعياً ومستداماً وقائماً على التوافق”، وهو ما يجسده المقترح المغربي.

في ضوء هذه التطورات، يمكن القول إن الرباط تمكّنت من تحويل معركتها الدبلوماسية إلى رصيد استراتيجي، إذ لم تعد القضية مجرد ملف نزاع إقليمي، بل نموذجاً في كيفية توظيف الدبلوماسية التنموية لتعزيز الشرعية السياسية. ومع اتساع شبكة القنصليات الإفريقية وتزايد التأييد الأوروبي والدولي، تكرّس مبادرة الحكم الذاتي اليوم كخيار وحيد واقعي قابل للتطبيق، يوازن بين احترام السيادة الوطنية وضمان حقوق سكان الأقاليم الجنوبية في إدارة شؤونهم المحلية ضمن دولة موحدة ومستقرة.

وبينما تتهاوى قلاع بوليساريو في القارة، يثبت المغرب أن الاستقرار والتنمية هما أقوى أدوات الإقناع، وأن الدبلوماسية الذكية قادرة على تحويل نزاع دام لعقود إلى فرصة لإعادة بناء الثقة والتعاون في المنطقة المغاربية والإفريقية.