جدل الخطوط الحمراء يتصاعد في مصر
القاهرة - تعدد الحديث الرسمي في القاهرة حول رسم خطوط حمراء على أكثر من جبهة خارجية لتحذير وتنبيه وتهديد من يتجاوزها في الأزمات والصراعات والحروب المحتدمة في كل من: ليبيا وغزة وإثيوبيا والسودان، وأن من يتسبب في تهديد الأمن القومي المصري سيتعرض إلى عقاب عسكري شديد.
ولأن تهديد أمن الدول له تعريفات مطاطة، مباشرة وغير مباشرة، بعيدة وقريبة، عسكرية وسياسية واقتصادية، أصبح من الصعب تحديد النقطة التي يتحول فيها التلويح بالتهديد إلى تنفيذ، ما ينطبق على حالة مصر حاليا، فهناك نتائج سلبية للنزاعات الإقليمية انعكست عليها، مثل العمليات العسكرية التي قامت بها جماعة الحوثي في اليمن تجاه إسرائيل والرد عليها من قبل الأخيرة والولايات المتحدة، حيث خسرت قناة السويس جزءا كبيرا من مواردها المالية بسبب العمليات العسكرية المتبادلة، ما يعد تهديدا عمليا لمصر، قوبل بهدوء، ولم يندرج ضمن خطوطها الحمراء، لحسابات معقدة، حيث تداخلت في الأزمة قوى متعددة، لها رؤى متعارضة مع مصر.
قال أحد الخبراء العسكريين في مصر (اللواء محمد عبدالواحد) قبل أيام "التلويح المستمر بالخطوط الحمراء من دون إظهار العين الحمراء يحولها إلى خطوط باهتة"، في إشارة إلى ضرورة اتخاذ إجراءات عملياتية، أو تحركات محددة.
فتحت العبارة مجالا للنقاش في أحد القضايا المسكوت عنها. وأثارت انقساما حادا، فهناك من رآها تحمل تهوينا لما رسمته مصر نظريا على الخرائط، ينطوي على عدم رغبة في الاشتباك، وربما الاستهانة بأي خطوط جديدة قد يتم رسمها في المستقبل، أي أن العبارة تحريضية، وتستوجب قيام مصر بتنفيذ تهديداتها ذات مرة، كي لا يقتصر كلامها على التصريحات والخطابات اللفظية، وتصبح رسالتها واضحة لدى من يهمهم الأمر، ولا يتم تفريغها من مكوناتها الجادة، فإظهار العين الحمراء يستوجب فعلا يعزز أهميتها في الذاكرة الجمعية للشعوب.
هناك فريق آخر اعتبر كلام الخبير العسكري غير دقيق، فمنذ رسم خطوط حمراء، وأمن مصر القومي المباشر لم يتعرض لاعتداء مباشر، بما يؤكد أن التهديد اللفظي جلب نتيجة إيجابية، فلماذا تتحمل القاهرة تكلفة عسكرية ليست بحاجة إليها، وهي تعلم أن أي تدخل عسكري قد يؤدي بها إلى مستنقع يصعب الخروج منه بسهولة، وأن التهديد جاء كأداة ردع، وبما أن الردع حقق أهدافه فلا داعي لتغيير مساره.
كما لعبت الحكمة والرشادة والصبر في التعامل المصري دورا مهما في تخفيف حدة الصعوبات الخارجية، في وقت تعاني فيه مصر من تحديات على أكثر من جبهة إستراتيجية، وتمر بجملة من الأزمات الاقتصادية الداخلية.
وهناك فريق ثالث رأى أن عبارة اللواء المصري محمد عبدالواحد، تضفي زخما على الخطوط الحمراء ودليل على وجود جدية نحو تحويل التهديد إلى تنفيذ قريبا، حيث تكررت الإشارة إلى الخط الأحمر في الأزمة السودانية مؤخرا وتعليق الخبير العسكري جاء عقب احتدام الغضب المصري مما يجري في السودان.
مهما كانت التفسيرات المتعلقة بالخطوط الحمراء، لا تقلل من خطورتها، لأنها جاءت في خضم أزمات لها علاقة مباشرة بالأمن القومي المصري، وإلى حد كبير ثبتت جديتها، من حيث عدم حدوث اختراق لها ومن زاوية الاستعدادات العسكرية المعروفة في مصر والتي ظهرت قسماتها على الجبهات محل التهديد من أي جهة خارجية، وتمثل مخاوف إسرائيل من الحشود العسكرية في منطقة سيناء مؤشرا جيدا.
يقول بعض الخبراء، يمكن تفريغ التهديد من مضمونه إذا لم يكن على قدر من الجاهزية العسكرية. وفي حالة مصر، هناك تدفق كبير للأسلحة خلال السنوات الماضية، وتحديث واضح في المعدات العسكرية بكل أنواعها، وامتلاك نماذج مختلفة من الطائرات والغواصات والتكنولوجيا، وعدم الارتهان لدولة واحدة، فتعدد مصادر التسليح، من الشرق والغرب، ومن قوى كبرى متباينة، وفّر للقاهرة ديناميكية في الحركة العسكرية، وأخرجها من ارتهانها طويلا للولايات المتحدة.
ويضيف هؤلاء الخبراء أن تحويل التهديد إلى التنفيذ يعني أن مصر تخلت عن صبرها الإستراتيجي، وأن مرونتها في التعامل مع الأزمات الإقليمية لم تعد مفيدة، ويمكن أن تفضي إلى اعتداء مباشر على أمنها القومي، لأن الأجواء الإقليمية ملبدة بغيوم عسكرية متفرقة، قد لا تكون مصر بعيدة عنها، فهي في قلب الشرق الأوسط وعلى مقربة من صراعاته، ومصالحها متشابكة مع أطراف عدة، ويمكن أن تتعرض لتهديد في أي لحظة، ما يفرض القيام بخطوات استباقية لإمتصاص الارتدادات الأمنية.
تحول التلويح بالخطوط الحمراء من سلاح للتهديد إلى السخرية لدى شريحة قليلة من المصريين، وهو ما يؤثر على صورة النظام الحاكم، ومركزية المؤسسة العسكرية الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الدولة منذ زمن طويل.
أدت هذه المسألة إلى تحريض متدرج للقيام بعمليات عسكرية في المحيط الإقليمي، لتعزيز الجدية، وتأكيد وضوح الرؤية. لكن العسكريين يميلون إلى التمهل وضبط النفس إلى أقصى مدى ممكن. فالجاهزية لا تعني الدخول في معارك بلا حسابات دقيقة وبعيدة، أو الوقوع في فخاخ ينصبها عمدا بعض الخصوم، بل تعني القدرة على تحديد موضع الخطوات القادمة بدقة، وقياس ردود الفعل.
ألمح عسكريون إلى أن مصر ليست بحاجة للإعلان صراحة عن عملياتها العسكرية، فهناك تحركات استخباراتية أدت إلى نتائج جيدة، وأعفت الدولة من التكلفة العسكرية الباهظة، وحصيلتها جاءت كبيرة ومهمة، وحدث ذلك في كل الأزمات التي تمثل تهديدا خطيرا لمصر، وما يتردد حول تعرض بعض القوات في دول مختلفة لما بات يعرف بـ"الطيران المجهول" هو مؤشر على القوة الخفية لمصر.
اللافت للانتباه أن الطيران المجهول دائما ما يظهر في سماء المناطق التي رسمت فيها مصر خطوطا حمراء، مثل ليبيا والسودان، وتمكن من الوصول إلى نجاحات كبيرة ضد الجهات التي استهدفها. وهو توجه يعفي الدولة من أي مسؤولية قانونية مباشرة، ويربك أوراق الخصوم ويحذرهم، ويحقق الأهداف النهائية للخطوط الحمراء، التي لا تعني الإعلان عن خوض حرب تقليدية.
يكشف الجدل الحاصل بشأن الخطوط الحمراء أن مصر ليست مهتمة بتفسير تحركاتها لأحد، ومعنية فقط بالحفاظ على أمنها القومي بالوسيلة المناسبة، والأدوات التي تحقق أهدافها. ومهما كان التباين في التقديرات الظرفية، فقد نجحت الدولة المصرية في عبور الكثير من المطبات الإقليمية حتى الآن، وأن منهج رسم الخطوط الحمراء لم يتم اختراقه بالصورة التي تستلزم التنفيذ عمليا.
وما يشير إلى أهميته في السياسة الخارجية أن الجهات التي تلقته تعاملت معه بجدية، وحرصت على عدم استفزاز المؤسسة العسكرية المصرية، وتجاوبت مع مراميه النهائية، وتجنبت خوض معارك مباشرة مع القاهرة، وسط جاهزيتها الشاملة.