تحولات في القيادة الايرانية تربك الفصائل العراقية

المجلس الأطلسي الأميركي يخلص إلى أن الفصائل العراقية تواجه أزمة تنظيمية وروحية تهدد تماسكها ومستقبلها، في ظل تراجع المرجعية الموحدة التي كانت تضبط إيقاعها.

واشنطن - رأى تقرير صادر عن المجلس الأطلسي الأميركي أن إيران تشهد تحولاً بنيوياً في طبيعة نظام الحكم بعد انتقال السلطة إلى المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، معتبراً أن هذا التحول لا يقتصر على الشأن الداخلي الإيراني، بل يمتد تأثيره إلى ساحات النفوذ الإقليمي، وفي مقدمتها العراق، حيث تواجه الفصائل المسلحة الموالية لطهران حالة من التصدع والارتباك غير المسبوقة.

وبحسب التقرير، فإن النظام الإيراني في مرحلته الجديدة يختلف عملياً عن النموذج الذي حكم البلاد منذ الثورة الإسلامية عام 1979، ففي عهد مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني، تركزت السلطة بشكل شبه كامل بيد المرشد الأعلى، فيما حافظ خليفته علي خامنئي على موقعه كصاحب القرار النهائي في الملفات السياسية والاستراتيجية على مدى أكثر من ثلاثة عقود، رغم تنامي نفوذ الحرس الثوري داخل منظومة الحكم.

إلا أن المشهد تغير، وفق التقرير، مع وصول مجتبى خامنئي إلى موقع القيادة، حيث لم يعد المرشد يمثل مركز الثقل الأوحد في صناعة القرار. ويصف المجلس الأطلسي النظام الجديد بأنه أقرب إلى "حكم مجلس عسكري"، تتولى فيه مجموعة محدودة من كبار ضباط الحرس الثوري إدارة الملفات الاستراتيجية والأمنية، فيما يحتفظ مكتب المرشد بالغطاء الديني والسياسي اللازم لإضفاء الشرعية على القرارات المتخذة.

ويشير التقرير إلى أن مجتبى خامنئي يفتقر إلى مجموعة من العناصر التي ميزت والده، سواء من حيث الحضور السياسي أو النفوذ داخل المؤسستين الدينية والعسكرية أو الخبرة المتراكمة في إدارة الملفات الإقليمية. كما أنه ينتمي إلى جيل لم يعايش بشكل مباشر الثورة الإسلامية أو الحرب العراقية الإيرانية، التي شكلت المرجعية الفكرية والسياسية لكثير من قادة الحرس الثوري الحاليين.

ويشير التقرير كذلك إلى أن المواجهات الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل عززت نفوذ مجموعة من الجنرالات الذين تشكل وعيهم خلال الحرب العراقية الإيرانية، وأصبحوا اليوم أصحاب الكلمة الأقوى في رسم السياسات الأمنية والعسكرية الإيرانية، مضيفا أن هؤلاء القادة باتوا يمسكون فعلياً بمفاصل القرار الاستراتيجي، بما في ذلك إدارة النفوذ الإيراني في المنطقة.

وتبرز انعكاسات هذا التحول بشكل واضح في العراق، الذي ظل لعقود إحدى أهم ساحات النفوذ الإيراني، فبينما كان قاسم سليماني (القائد السابق لفيلق القدس الذي اغتالته واشنطن في بغداد مطلع 2020 والذي كان يعرف بمهندس  استراتيجية التمدد الإيراني في الخارج)، ومن بعده إسماعيل قاآني، يديران الملف العراقي ميدانياً، كانت الكلمة الأخيرة تعود إلى علي خامنئي، الذي لعب دور المرجعية السياسية والدينية الجامعة للفصائل والقوى الحليفة لطهران.

أما اليوم، فيرى التقرير أن هذا المركز الموحد للقرار تراجع، ما انعكس على الفصائل العراقية المرتبطة بإيران، خصوصاً تلك التي تستند إلى مرجعية قم. ومع تصاعد الضغوط الأميركية الرامية إلى تفكيك هذه الفصائل أو دمجها في مؤسسات الدولة، بدأت تظهر تباينات واضحة في مواقفها تجاه مستقبل السلاح والعمل المسلح.

ويقف التقرير كذلك على حقيقة لم تعد خافية وهي انقسام الفصائل العراقية إلى معسكرات متعددة؛ بعضها أعلن استعداده للتخلي عن السلاح أو تسليمه للدولة، وبعضها أبدى انفتاحاً على هذا الخيار، فيما ترفض فصائل أخرى بشكل قاطع أي خطوة من هذا النوع، بينما تلتزم مجموعات أخرى الترقب بانتظار اتضاح المشهد السياسي والإقليمي.

ويعد هذا التباين مؤشراً على تراجع قدرة طهران على توحيد مواقف حلفائها كما كان الحال في عهد علي خامنئي وقاسم سليماني، بحسب التقرير، الذي رجح أن تتعمق الانقسامات مع استمرار الضغوط الأميركية أو في حال التوصل إلى تفاهمات بين واشنطن وطهران بشأن ملفات المنطقة.

وخلص المجلس الأطلسي إلى أن الفصائل العراقية تواجه أزمة تنظيمية وروحية تهدد تماسكها ومستقبلها، في ظل تراجع المرجعية الموحدة التي كانت تضبط إيقاعها. وبينما تبدو بعض الفصائل أقرب إلى الانخراط الكامل في العملية السياسية والتخلي عن العمل المسلح، تبقى الفصائل الأكثر تشدداً مرشحة لمواجهة مسار أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا استمرت هيمنة الحرس الثوري على القرار الإيراني. ويرى التقرير أن التوصل إلى تفاهم أميركي إيراني واضح بشأن هذا الملف قد يشكل المخرج الأسهل، فيما يبقى خطر المواجهة العسكرية قائماً إذا تعثرت المسارات السياسية والدبلوماسية.