طهران تشكو واشنطن للأمم المتحدة وتتهمها بتأجيج الاحتجاجات

إيران تتهم الولايات المتحدة باستخدام شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي لتوجيه المتظاهرين وتدريبهم على أساليب "التخريب الممنهج".
ترامب يتبنى نهجا حذرا تجاه احتجاجات إيران

واشنطن/طهران - في تصعيد ديبلوماسي لافت، نقلت طهران معركتها مع واشنطن من شوارع المدن الملتهبة إلى منصة الأمم المتحدة، حيث قدمت بعثتها الدائمة شكوى رسمية تتهم فيها الولايات المتحدة بـ"التدخل السافر والممنهج" في شؤونها الداخلية. واعتبرت الخارجية الإيرانية أن الولايات المتحدة لم تكتفِ بالدعم المعنوي، بل تحولت إلى "غرفة عمليات" لإدارة الفوضى.

واتهمت طهران واشنطن باستخدام شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي لتوجيه المتظاهرين وتدريبهم على أساليب "التخريب الممنهج"، معتبرة أن توفير الإنترنت الفضائي (مثل ستارلينك) يمثل انتهاكاً لسيادتها الوطنية. 

واستند السفير الإيراني، أمير سعيد إيرواني، إلى المبادئ التي تحظر التدخل في الشؤون السيادية للدول، مؤكداً أن التصريحات التحريضية الصادرة عن البيت الأبيض هي "دعوة مباشرة للعنف" تقوض السلم والأمن الدوليين. 

وجادلت طهران بأن واشنطن تمارس "إرهاباً اقتصادياً" عبر العقوبات لخلق حالة من اليأس الشعبي، ثم تستغل هذا الغضب لتأجيج الشارع، واصفة الاحتجاجات بأنها "مؤامرة خارجية وليست حراكاً مطلبياً".

وتدرك إيران أن هذه الاحتجاجات تختلف عما سبقها؛ فوصولها إلى الأمم المتحدة يعكس قلق القيادة الإيرانية من "شرعنة" الحراك دولياً. فالاتهامات الإيرانية تهدف إلى توفير غطاء قانوني لاستخدام القوة ضد المحتجين تحت ذريعة "مكافحة التجسس والتبعية للخارج"، ودفع الدول الحليفة (مثل روسيا والصين) لاتخاذ موقف في مجلس الأمن ضد ما تصفه بـ"التدخلات الأميركية".

في المقابل، ترفض واشنطن هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، وتؤكد أن "المصدر الحقيقي للاضطرابات هو القمع الداخلي والفساد"، معتبرة أن الشكوى الإيرانية ما هي إلا محاولة للهروب من الاستحقاقات الشعبية وتصدير الأزمة للخارج.

وبين لغة الوعيد وسياسة الانتظار والترقب، يقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام مشهد إيراني ملتهب، محاولاً موازنة حساباته بين دعم المعارضة وتجنب الانزلاق في صراع طويل الأمد. وفيما تتعالى صرخات الاحتجاج من مشهد إلى طهران، ترسم التقارير الاستخباراتية الواردة إلى البيت الأبيض صورة معقدة لمدى قدرة هذه الاضطرابات على زعزعة أركان المؤسسة الدينية، مما يجعل واشنطن تكتفي حالياً بمراقبة 'من سيبرز في الساحة' قبل اتخاذ خطوتها التالية."

وحذر ترامب في الأيام القليلة الماضية القادة الإيرانيين ‌من أنهم سيدفعون ‌ثمنا باهظا إذا قمعوا الحركة الاحتجاجية، لكنه يعتمد، بدلا من ذلك، نهج الانتظار والترقب. وقال للصحفيين في البيت الأبيض الجمعة "من الأفضل ألا تبدأوا بإطلاق النار، لأننا سنبدأ بإطلاق النار أيضا".

لكن في مقابلة مع "فوكس نيوز" الخميس، اكتفى ترامب بالإشارة إلى أن المتظاهرين "دُهسوا" في حشود ضخمة، وأن قوات الأمن كانت "تطلق النار على الناس" في الماضي.

وهذه  الاحتجاجات هي الأحدث في سلسلة من المظاهرات الكبرى التي هزت إيران والتي أبدت فيها الولايات المتحدة تأييدها للمعارضة. وقال ترامب إنه لا يميل الآن إلى لقاء رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل والذي يقيم خارج البلاد، في إشارة إلى أنه ينتظر ليرى كيف ستسير الأمور ‍خلال الأزمة قبل أن يدعم أي زعيم معارض.

وأضاف "أعتقد أننا ينبغي أن نترك الجميع يخرجون إلى الساحة ونرى من الذي سيبرز... لست متأكدا بالضرورة من أن هذا هو التصرف المناسب".

واستخدم بهلوي، الذي يعيش بالقرب من واشنطن، وسائل التواصل الاجتماعي للدعوة إلى استمرار المظاهرات الحاشدة. وفي منشور له الجمعة، دعا ترامب إلى الانخراط بشكل أكبر في الأزمة من خلال إبداء "الاهتمام والدعم والتحرك".

وأضاف "لقد برهنت أنك رجل سلام وتفي بوعودك وأنا أعلم ذلك. أرجوك كن مستعدا للتدخل لمساعدة الشعب الإيراني".

وقال مصدر مطلع على تقارير المخابرات إن تقييما من مجتمع المخابرات الأميركية أفاد، في وقت سابق من هذا الأسبوع، بأن الاحتجاجات ليست كبيرة بما يكفي لأن تشكل تحديا لقيادة الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي.

لكن المحللين الأميركيين يراقبون الوضع عن كثب. وقال المصدر "‍قبل أربع وعشرين ساعة ماضية، كانت الاحتجاجات ‍تتركز بشكل عام في المدن التي طالما شهدت معارضة للنظام. أما الانتقال إلى معاقل النظام مثل مسقط رأس الزعيم الأعلى مشهد فهذا هو التطور المهم".

وقال متحدث باسم البيت الأبيض "لا نعلق على مسائل استخباراتية... وكما ذكر الرئيس مرارا، إذا أطلقت إيران النار على المتظاهرين السلميين وقتلتهم بأساليب العنف فسوف يتلقون ضربة قوية جدا".

وتأتي الاحتجاجات الإيرانية في الوقت الذي ينشغل فيه ترامب بالإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ويطرح إمكانية الاستحواذ على غرينلاند عن طريق الشراء أو بالقوة العسكرية.

وأمر الرئيس الأميركي بشن غارات جوية على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران الماضي، وحذر من أنه مستعد للقيام بذلك مرة أخرى إذا حاولت طهران إعادة بناء البرنامج.

وقال ترامب "أتمنى ‌فحسب الأمان للمتظاهرين في إيران، لأنها مكان شديد الخطورة في الوقت الراهن". وأكد أليكس فاتانكا مدير برنامج إيران بمعهد الشرق الأوسط في واشنطن إن ترامب يبدو أنه ينتظر ليرى ما إذا كانت الاحتجاجات ستنجح في خلخلة الاستقرار بالنسبة لرجال الدين الذين يحكمون إيران قبل أن يقرر تنفيذ تهديداته بالتدخل.

وأضاف  أن الرئيس الأميركي "يريد أن يكون في الجانب الرابح، لكنه يفضل الفوز السريع، وليس الفوز الذي يتطلب الكثير من الاستثمار والدعم، وبالتأكيد ليس في الشرق الأوسط. فهذا، بالنسبة له، يتعارض تماما مع كل ما دافع عنه كسياسي منذ ترشحه لأول مرة".

وفي سياق متصل أعلنت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان الإيرانية المستقلة "هرانا" اليوم السبت، ارتفاع عدد قتلى الاحتجاجات التي تشهدها البلاد منذ نحو أسبوعين، إلى 65 شخصا.

وبحسب تقرير نشرته "هرانا" التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها، فإن الاحتجاجات التي دخلت يومها الـ 13، امتدت إلى 31 محافظة في إيران، مشيرة إلى توقيف ألفين و311 متظاهرا في عموم البلاد.

كما أسفرت الاحتجاجات، بحسب المصدر نفسه، عن إصابة العشرات، ومعظمها حالات ناجمة عن شظايا وعيارات بلاستيكية. ولم تصدر السلطات الإيرانية أي بيان رسمي حتى الآن بشأن أعداد القتلى أو الجرحى في الاحتجاجات.