تصريحات ويلسون تفجّر ملف السلاح المنفلت وتحرج القضاء العراقي

إعلان فائق زيدان استجابة الفصائل لنصيحته وتوجيه الشكر لها، فتح الباب أمام تساؤلات جدية حول حدود دور القضاء في ملف شديد الحساسية مثل ملف السلاح.

واشنطن/بغداد - أثار الجدل الذي فجّره النائب الأميركي الجمهوري جو ويلسون حول موقف رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي فائق زيدان من الفصائل المسلحة، نقاشًا واسعًا يتجاوز حدود التصريح بحد ذاته، ليطال إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الدولة العراقية، واستقلال القضاء، ومستقبل السلاح المنفلت، في ظل تصاعد الضغوط الأميركية لكبح نفوذ الفصائل الشيعية المرتبطة بإيران، والتي تُعد أحد أبرز عوامل الاضطراب الأمني في العراق والمنطقة.

ووجه ويلون في تغريدة على حسابه بمنصة 'اكس' انتقادات حادة ومباشرة لزيدان حين اعتبر أن توجيه الأخير الشكر للفصائل المسلحة على نيتها المعلنة بنزع السلاح يُعد خروجًا صريحا عن الصلاحيات الدستورية الممنوحة للسلطة القضائية ويمس جوهر مبدأ حياد القضاء.

وبحسب النائب الأميركي، فإن القضاء المستقل لا يشكر جماعات مسلحة ولا يقيّم تحركاتها السياسية أو العسكرية، بل يحتكم حصريا إلى القانون، فيما يعكس هذا الموقف الأميركي في جوهره، قلقًا متزايدا من تداخل الأدوار بين مؤسسات الدولة العراقية والفصائل المسلحة، بما يحوّل القضاء من سلطة ضامنة للعدالة إلى أداة في معادلة سياسية وأمنية شديدة التعقيد.

ولا يمكن فصل تصريحات ويلسون عن السياق الأوسع للموقف الأميركي من السلاح المنفلت في العراق، فمنذ أشهر، تصعّد واشنطن ضغوطها على الحكومة العراقية لإنهاء دور الفصائل المسلحة، وحصر السلاح بيد الدولة، معتبرة أن استمرار هذه التشكيلات، خصوصًا تلك المرتبطة بإيران، يقوّض سيادة العراق، ويُبقي البلاد ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية. كما اشترطت الولايات المتحدة، بوضوح، عدم مشاركة الفصائل المسلحة في الحكومة الجديدة، خاصة بعد حصولها على عدد وازن من المقاعد النيابية، ما يمنحها نفوذًا مزدوجًا عسكريًا وسياسيًا.

ويُنظر إلى الفصائل الشيعية المسلحة بوصفها أذرعًا إيرانية فاعلة في العراق، تلعب دورًا يتجاوز الداخل العراقي إلى الإقليم ككل، فهذه الفصائل لا تخفي ارتباطها العقائدي والسياسي بطهران وتُعد جزءًا من شبكة نفوذ إيرانية أوسع تمتد من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن.

واستمرار نشاطها المسلح، ورفض بعضها الصريح لنزع السلاح، كما في حالة كتائب حزب الله وحركة النجباء، يعزز المخاوف من أن أي حديث عن حصر السلاح قد يكون تكتيكيًا أو مرحليا، لا يعكس تحولًا حقيقيًا في بنية القوة داخل العراق.

ورغم إعلان بعض الفصائل موافقتها على الدعوة لحصر السلاح بيد الدولة، فإن هذه المواقف بدت متباينة ومشروطة، فبينما صدرت تصريحات إيجابية من قادة كتائب الإمام علي وعصائب أهل الحق وأنصار الله الأوفياء وكتائب سيد الشهداء، جاء موقف كتائب حزب الله رافضا بشكل واضح، مشترطا "تحقيق السيادة وضبط الأمن ومنع التدخلات الخارجية" قبل أي حديث عن نزع السلاح.

وهذا التباين يكشف هشاشة الإجماع داخل ما يُعرف بـ"الإطار المسلح"، ويعكس صراعا مكتوما بين مقتضيات الدولة وضغوط الخارج من جهة، ومصالح الفصائل وارتباطاتها الإقليمية من جهة أخرى.

وفتح إعلان فائق زيدان استجابة الفصائل لنصيحته وتوجيه الشكر لها، الباب أمام تساؤلات جدية حول حدود دور القضاء في ملف شديد الحساسية مثل ملف السلاح، فمنتقدو هذا السلوك يرون فيه محاولة لإضفاء شرعية مؤسساتية على تفاهمات سياسية وأمنية مع الفصائل، بدل فرض سيادة القانون عليها. وهو ما اعتبره ويلسون "من أخطر التهديدات التي تواجه العدالة والدولة"، لأنه يؤسس لتطبيع العلاقة بين القضاء والجماعات المسلحة خارج إطار الدولة.

ويعكس هذا الجدل لحظة مفصلية في مسار الدولة العراقية، فإما أن ينجح العراق، بدعم دولي وإرادة داخلية، في تفكيك منظومة السلاح المنفلت وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة المستقلة، أو يستمر في إدارة الأزمة عبر تسويات هشة تُبقي الفصائل الشيعية كأذرع إيرانية، لاعبًا مهيمنًا يُفاقم الاضطرابات الأمنية ويُقيد هامش القرار الوطني. وبين هذين المسارين، يبقى موقف الولايات المتحدة ضاغطًا، لكنه غير كافٍ وحده، ما لم يقترن بخطوات عراقية جريئة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والسلاح.