تصعيد جديد بين قسد والجيش السوري شرق حلب
دمشق - تصاعدت حدة التوتر العسكري بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في ريف حلب الشرقي، بعد خرق اتفاق وقف إطلاق النار الذي لم يصمد سوى أيام، مما يُنذر بجولة جديدة من المواجهات وسط تعقيدات إقليمية أبرزها التهديد التركي المتجدد بشن عملية عسكرية مشتركة ضد "قسد".
وأعلنت وزارة الدفاع السورية في بيان رسمي أن قوات "قسد" استهدفت مواقع للجيش السوري قرب سد تشرين شرق حلب، ما أسفر عن مقتل جندي وإصابة عدد آخرين، معتبرة أن هذا الهجوم يمثل "خرقًا صريحًا لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع مؤخرًا".
ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن مصدر عسكري أن "قسد نفذت خلال أقل من يومين أكثر من عشر عمليات استهداف لمواقع انتشار الجيش السوري في المنطقة الشرقية"، مشيرًا إلى استمرار التحركات العسكرية من جانب "قسد"، تشمل التحصينات وعمليات الحفر، إلى جانب "رصد مكالمات تحريضية" تُشير إلى نية التصعيد داخل مدينة حلب.
وجاء هذا التصعيد الجديد بعد توقّف مؤقت للاشتباكات التي شهدتها أحياء الشيخ مقصود والأشرفية ذات الغالبية الكردية في مدينة حلب، حيث توصّل الطرفان قبل يومين فقط إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة محلية.
وبحسب مصادر ميدانية، فإن الهدنة التي أُعلن عنها بين "قسد" وقوات الحكومة السورية لم تُنفّذ فعليًا على الأرض، إذ استمرت التحركات العسكرية والاتهامات المتبادلة بشأن المسؤولية عن خرق التهدئة، وسط انعدام الثقة المتراكم بين الجانبين منذ سنوات.
على وقع التصعيد، برزت مؤشرات واضحة على موقف أنقرة نحو تقديم دعمٍ مباشر لدمشق ضد "قسد" مع إمكانية التدخل العسكري في تطوّر قد يعيد تشكيل موازين الصراع في الشمال السوري.
وكشفت صحيفة "تركيا" المقربة من دوائر القرار الأسبوع الماضي أن الجيش التركي يدرس تنفيذ عملية عسكرية مشتركة مع القوات السورية إذا لم تنفذ قوات "قسد" تعهداتها بالاندماج ضمن الجيش السوري، بموجب اتفاق مارس/آذار الماضي.
وأفادت الصحيفة نقلًا عن مصادر عسكرية، أن أنقرة تعتبر وحدات "قسد"، وخاصة الجناح المسلح "وحدات حماية الشعب"، تهديدًا لأمنها القومي، وأن دعمها من قبل أطراف غربية وإسرائيل، يجعلها "ذراعًا معادية يجب كسرها".
وفي السياق ذاته، جدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في تصريحات الأربعاء، تحذيراته من "المماطلة" في تنفيذ الاتفاقات الموقعة مع دمشق، مؤكدًا أن بلاده لن تتسامح مع أي تهديدات تنطلق من مناطق سيطرة "قسد"، مطالبًا هذه القوات بـ"الاندماج الكامل في بنية الدولة السورية أو مواجهة البدائل العسكرية".
وفي المقابل، تتحرّك واشنطن عبر قنوات دبلوماسية لتفادي انهيار الوضع الأمني في شمال سوريا، حيث تتمركز القوات الأميركية إلى جانب "قسد" ضمن إطار مكافحة تنظيم داعش.
وأكدت مصادر محلية أن المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم برّاك، وقائد القيادة المركزية الأميركية، الأميرال براد كوبر، أجريا مؤخرًا مباحثات رفيعة مع قائد "قسد" مظلوم عبدي وعدد من كبار المسؤولين في شمال شرق سوريا.
ووفق نفس المصادر، فإن المحادثات ركزت على ضمان تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار مع دمشق، وتجنّب الانجرار إلى صدامات أوسع قد تفتح الباب أمام تدخل تركي مباشر، أو تعيد بعثرة الأوراق في منطقة تشهد أصلًا تداخلاً معقدًا للقوى الإقليمية والدولية.
وويرى مراقبون أن عودة التصعيد بين الجيش السوري و"قسد"، في ظل غياب تفاهم سياسي حقيقي، وتضارب مصالح الحلفاء والخصوم على الساحة السورية، ينذر بتدهور أكبر في المشهد الأمني والسياسي، خاصة مع دخول تركيا على الخط مجددًا بتهديدات واضحة.
كما أن فقدان السيطرة على الوضع الميداني في مناطق مثل ريف حلب الشرقي وأحياء شمال المدينة، قد يُعقّد الجهود الأممية لإحياء العملية السياسية الشاملة، ويكرّس الانقسام داخل الأراضي السورية.
ويبقى مستقبل العلاقة بين دمشق و"قسد" رهين إرادات إقليمية ودولية متداخلة، فيما يدفع المدنيون في تلك المناطق ثمن فشل التسويات الهشة، وعودة لغة السلاح على حساب الحلول السياسية.