تعقيدات سياسية وحسابات شخصية تُبعثر أوراق 'التنسيقي'

في ظل المشهد المتشابك، تبقى قدرة القوى السياسية على إنتاج تسوية وطنية شاملة هي العامل الحاسم في تحديد ملامح الاستقرار السياسي في المرحلة المقبلة.
السوداني يتنازل عن مقعده النيابي والمالكي لم يؤد اليمين الدستورية

بغداد - أعلن رئيس الحكومة العراقية المنتهية ولايتها محمد شياع السوداني تنازله عن عضويته في مجلس النواب، في خطوة تحمل أبعادا دستورية وسياسية تتجاوز بعدها الإجرائي، فهذا القرار، الذي جاء بعد فوزه في انتخابات أكتوبر/تشرين الأول الماضي بأكثر من 92 ألف صوت شخصي، يفتح الباب أمام قراءة أوسع لمسار تشكيل السلطة المقبلة، خاصة في ظل استمرار حالة الانسداد السياسي وتباين المواقف داخل القوى الفاعلة.

وبحسب مصادر نيابية، فإن تنازل السوداني عن مقعده البرلماني يفرض، وفق السياقات الدستورية، أداء البديل اليمين الدستورية في الجلسة التالية لمجلس النواب، ما يعكس التزاماً بالإجراءات القانونية وفصلاً واضحاً بين المسار التنفيذي والتشريعي.

ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها رسالة سياسية مفادها أن السوداني يفضل التفرغ للمسار التنفيذي أو لإدارة المرحلة الانتقالية، في وقت تشهد فيه البلاد مفاوضات شاقة حول شكل الحكومة المقبلة.

في المقابل، يبرز موقف رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، الذي فاز هو الآخر في الانتخابات، لكنه لم يؤدِ حتى الآن اليمين الدستورية، فهذا الامتناع أو التأجيل يثير تساؤلات حول الحسابات السياسية التي تحكم تحركات المالكي، خاصة مع تمسكه العلني بالترشح لرئاسة مجلس الوزراء، رغم المعارضة الداخلية والإقليمية والدولية التي تحيط بهذا الخيار.

ويكشف تنازل محمد شياع السوداني عن مقعده النيابي، مقابل استمرار نوري المالكي في عدم أداء اليمين الدستورية، عن تباين عميق في أساليب إدارة المرحلة السياسية المقبلة. وبينما يحاول بعض الفاعلين تقديم إشارات مرونة وانضباط دستوري، يتمسك آخرون بخيارات تصادمية تضع العراق أمام مفترق طرق جديد. وفي ظل هذا المشهد المتشابك، تبقى قدرة القوى السياسية على إنتاج تسوية وطنية شاملة هي العامل الحاسم في تحديد ملامح الاستقرار السياسي في المرحلة المقبلة.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تحركات مكثفة داخل ائتلاف إدارة الدولة، الذي يضم القوى المشاركة في العملية السياسية من مختلف المكونات، فيما يستعد الائتلاف لعقد اجتماع مهم لبحث ملفي رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، في محاولة لكسر الجمود السياسي المستمر منذ إعلان نتائج الانتخابات. وتشير مصادر سياسية إلى أن هذا الاجتماع قد يشكل محطة مفصلية، لكونه يناقش بجدية خيارات إنهاء الانسداد عبر التوافق على تسويات مقبولة وطنياً.

وفي الإطار ذاته، عقدت قوى الإطار التنسيقي الذي يضم القوى الشيعية الرئيسية، مباحثات داخلية تناولت فكرة طرح مرشح تسوية بديل عن المالكي، في مؤشر على وجود انقسام حقيقي داخل البيت السياسي الشيعي، غير أن هذا التوجه يصطدم بموقف المالكي نفسه، الذي جدد تمسكه بالترشح، مؤكدا أن اختيار رئيس الحكومة شأن سيادي يخضع لإرادة الشعب والمؤسسات الدستورية، وهو موقف دعمه أيضاً حزب الدعوة الإسلامية.

لكن المشهد لا يقتصر على الخلافات الداخلية، إذ تلقي المواقف الأميركية بثقلها على مسار التفاوض السياسي، فقد عبّرت واشنطن، عبر تصريحات رسمية وتقارير إعلامية، عن معارضة واضحة لعودة المالكي إلى رئاسة الحكومة، ملوّحة باستخدام أدوات ضغط متعددة، من بينها تقليص وصول العراق إلى عائدات صادرات النفط. ورفعت هذه الإشارات منسوب القلق داخل الإطار التنسيقي ودفعت بعض القوى إلى البحث عن بدائل أقل كلفة سياسياً واقتصادياً.

وأفرز هذا الخلاف توترات إعلامية وسياسية، تجلت في قرار ائتلاف دولة القانون مقاطعة قناة 'العهد' الفضائية، على خلفية دعمها مواقف معارضة لترشيح المالكي. ويعكس هذا القرار حجم الاستقطاب داخل الساحة الشيعية، لا سيما مع إعلان قوى مثل حركة عصائب أهل الحق وتيار الحكمة الوطني معارضتها لترشيح المالكي داخل الإطار التنسيقي.

ويبرز أيضاً موقف رئيس حزب 'تقدم' محمد الحلبوسي الذي أعلن صراحة رفضه عودة المالكي، مبرراً ذلك بتجربة حكم سابقة شهدت، بحسب قوله، تدهوراً أمنياً وسياسياً بلغ ذروته بسيطرة تنظيم داعش على مساحات واسعة من البلاد عام 2014. وينسجم هذا الموقف إلى حد بعيد، مع الرؤية الأميركية، ما يزيد من تعقيد معادلة التوافق الوطني.