تمدد إسرائيلي يُغيّر قواعد اللعبة في جنوب سوريا
القنيطرة (سوريا) - في ظل تسارع وتيرة التوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة، يظهر أن جنوب سوريا يشهد تمدداً إسرائيليا صامتاً يتجاوز الحدود التقليدية للاشتباك، فبينما تواصل قوات الاحتلال توغلها داخل القرى والبلدات السورية، من تفتيش منازل وإقامة حواجز واعتقال مدنيين، يبدو أن تل أبيب تعمل على فرض واقع ميداني جديد في منطقة لا تزال فيها دمشق عاجزة عن الردع.
وهذا الحراك المتكرر، الذي يأتي على وقع هشاشة الدولة السورية وتراجع قدراتها العسكرية، يشير إلى محاولة إسرائيلية منهجية لترسيخ نفوذها على طول خط وقف إطلاق النار وتحويل الجنوب السوري إلى شريط نفوذ مفتوح، يتيح لها مراقبة ما تعتبره مصادر تهديد محتملة وقطع الطريق أمام أي إعادة تشكّل للقوى العسكرية في المنطقة.
وقد شهد ريف محافظة القنيطرة جنوبي سوريا الثلاثاء توغلا جديدا للجيش الإسرائيلي، غداة ثلاثة انتهاكات مماثلة لسيادة البلد العربي، في تصعيد لافت يعكس مسارًا متناميًا من الخروقات الإسرائيلية في المنطقة منذ أشهر. وقالت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) إن "قوة للاحتلال مؤلفة من ثلاث سيارات توغلت في بلدة رويحينة بريف القنيطرة الأوسط، وقامت بتفتيش أحد المنازل"، في خطوة تُعدّ استمراراً لسلسلة تحركات إسرائيلية مباشرة داخل الأراضي السورية.
ويأتي توغل الثلاثاء بعد يوم واحد فقط من ثلاثة اقتحامات مماثلة نفذتها قوات إسرائيلية في بلدات عدة بريف القنيطرة، بينها الصمدانية الشرقية والصمدانية الغربية وأم عظام، وفق ما ذكرت وكالة سانا. وبينما لم يصدر تعليق رسمي من دمشق حول طبيعة هذه العمليات أو نتائجها، تواصل الحكومة السورية التأكيد في بياناتها السابقة إدانة الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة لسيادتها، وتشديدها على التزامها باتفاقية فصل القوات لعام 1974، التي أعلنت تل أبيب عملياً انهيارها عقب سقوط نظام بشار الأسد في أواخر عام 2024.
وهذه التوغلات المتكررة ليست مجرد أحداث ميدانية معزولة، بل باتت تعكس نمطاً متصاعداً من السلوك الإسرائيلي في جنوب سوريا. إذ يشتكي سكان محليون من تقدم القوات الإسرائيلية داخل الأراضي الزراعية التي يعتمدون عليها في معيشتهم، وتدمير مساحات واسعة من الغابات تصل إلى مئات الدونمات، إضافة إلى اعتقال أشخاص في بعض الحالات، وإقامة حواجز وتفتيش المارة قرب خطوط التماس.
ورغم أن الحكومة السورية لم تُظهر أي نشاط عسكري يهدد إسرائيل في المنطقة، فإن تل أبيب تواصل تنفيذ عمليات توغل وضربات جوية في الأراضي السورية. وقد أسفرت غارات إسرائيلية خلال الأشهر الماضية عن مقتل مدنيين وتدمير مواقع وأسلحة وآليات تابعة للجيش السوري، في إطار سياسة إسرائيلية ثابتة في السنوات الأخيرة تقوم على استهداف الوجود العسكري السوري أو الإيراني أو الميليشيات المتحالفة معهما.
ويقرأ مراقبون هذه التحركات في سياق أوسع يتجاوز القنيطرة نفسها، معتبرين أن إسرائيل تستغل هشاشة الوضع الداخلي السوري، وتراجع قدرة دمشق على الردع، لتكريس وقائع جديدة على الأرض في الجنوب السوري. كما يرون أن تل أبيب تحاول تعزيز منطقة عازلة غير معلنة تمتد على طول خط وقف إطلاق النار، ما يسمح لها بمتابعة تحركات العناصر المسلحة أو البنى العسكرية التي تعتبرها خطراً محتملاً.
وفي المقابل، تبدو خيارات دمشق محدودة إلى حد كبير. فالنظام السوري الذي يواجه تحديات اقتصادية وسياسية وعسكرية داخلية، لا يرغب في فتح جبهة مباشرة مع إسرائيل، خصوصاً في ظل غياب دعم روسي علني لمثل هذا التصعيد. كما أن انهيار اتفاقية فصل القوات يعطي لإسرائيل الذريعة لزيادة حضورها العسكري في المنطقة، مع ادعاء متابعة "أنشطة غير اعتيادية" على الجانب السوري.
وتطرح هذه التطورات أسئلة حول مستقبل التوازنات في الجنوب السوري، وإمكانية تحوّل القنيطرة مجدداً إلى ساحة احتكاك دائمة، في وقت تتعقد فيه الحسابات الإقليمية المرتبطة بالملف السوري. فمع استمرار التوغلات الإسرائيلية وضعف ردّ الفعل السوري، يبدو الجنوب مقبلاً على مرحلة أكثر هشاشة، قد تشهد مزيداً من الانتهاكات وتغييرات ميدانية تزيد من تعقيد المشهد السوري والإقليمي على حد سواء.