تنسيق ميداني بين انفصاليي أزواد وتنظيم القاعدة شمال مالي

جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة تستهدفان رتلًا عسكريًا للقوات الحكومية المالية شمال البلاد.
شكوك في مدى صلابة هذا التحالف أمام الخلافات الأيديولوجية العميقة

باكو - دخلت خريطة الصراع في منطقة الساحل والصحراء منعطفًا جديدًا ينذر بمزيد من التدهور الأمني، عقب تنفيذ هجوم مشترك بين جبهة تحرير أزواد، ذات النزعة الانفصالية، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة، استهدف رتلًا عسكريًا ماليًا في منطقة ألكيت، شمال البلاد، بين مدينتي كيدال وأنفيس.
الهجوم، الذي وصفه خبراء بأنه "نقلة نوعية" في التنسيق الميداني بين الجماعتين، عزز القلق الإقليمي والدولي من أن تتحول مناطق شمال مالي إلى منصات عمل ميداني مشترك بين جماعات انفصالية وأخرى جهادية، ما يعقّد من فرص الاستقرار في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية ممتدة منذ أكثر من عقد.
وبحسب بيان صادر عن جبهة تحرير أزواد، فإن العملية أسفرت عن "تدمير الرتل العسكري بالكامل"، دون تحديد دقيق لعدد القتلى. أما الجيش المالي، فاكتفى بالإشارة إلى وقوع "اشتباكات عنيفة"، دون الخوض في تفاصيل الخسائر. وسرعان ما ردّت القوات المالية بشن غارة عبر طائرة مسيّرة، قالت إنها استهدفت "مواقع للمتمردين"، لكن بيانًا لاحقًا لأزواد أكد أن الضربة "لم تحقق أهدافها".
ويعد هذا التنسيق الميداني أول مؤشر عملي على انتقال العلاقة بين الجبهة الانفصالية والجماعة الجهادية من التعايش الميداني إلى العمل العسكري المشترك، وهو ما يفتح الباب أمام تغيرات كبيرة في ديناميكيات الصراع، ليس في مالي فقط، بل في عموم منطقة الساحل التي ترتبط فيها الصراعات المحلية بتشابكات إقليمية وعابرة للحدود.
ويرى عمرو ديالو، الخبير العسكري المتخصص في الشأن الإفريقي، أن هذا الهجوم يمثل "نقطة تحول في العلاقة بين الطرفين"، مضيفًا أن "التحالف بين جبهة أزواد والجماعات الجهادية يعكس قدرة متزايدة على التنسيق والمناورة الميدانية، خصوصًا في ظل انسحاب القوات الغربية وتراجع الدعم الدولي للحكومة المالية".
ويحذر ديالو من أن هذا التحالف، رغم حداثته، قد يشكّل تحديًا كبيرًا للجيش المالي وقوات "الفيلق الروسي الإفريقي"، الذين يواجهون صعوبة متزايدة في تأمين المناطق الشمالية، وسط تزايد الهجمات وعمليات الكرّ والفرّ التي تقودها جماعات مسلحة متعددة الولاءات.
لكن في المقابل، يشكك محللون في مدى صلابة هذا التحالف. إذ يرى الباحث السياسي قاسم كايتا أن التنسيق الحالي بين الطرفين "هش بطبيعته، ومن غير المؤكد أن يصمد أمام الخلافات الأيديولوجية العميقة"، مشيرًا إلى التناقض الجذري بين مشروع جبهة أزواد الانفصالي، الذي يطمح لحكم مدني مستقل، وبين طموحات الجماعة الجهادية التي تسعى لإقامة نظام حكم ديني متشدد.
التحالف الناشئ يثير مخاوف واسعة من أن تتحوّل مناطق شمال مالي إلى حاضنة آمنة لتحالفات مسلحة عابرة للتصنيفات التقليدية، تمزج بين الانفصال السياسي والتطرف الديني، ما قد يعزز الفوضى ويفتح الباب أمام انتقال العدوى إلى دول الجوار مثل النيجر، بوركينا فاسو، وتشاد، التي تعاني هي الأخرى من هشاشة أمنية وهيمنة جماعات مسلحة في أطرافها.
وأشارت بعض التقارير إلى أن مالي سجلت أكثر من 1.400 هجوم مسلح في عام 2023 وحده، أسفر عن مقتل أكثر من 4.000 شخص، بينهم جنود ومدنيون. وتُظهر هذه الأرقام مدى هشاشة الوضع الأمني، خاصة في ظل انسحاب بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام من أجزاء كبيرة من شمال البلاد.
وتبدو تطورات الوضع في شمال مالي مؤشرًا إضافيًا على تعقّد خريطة الصراع في الساحل، التي لم تعد تقتصر على مواجهات بين جيوش وطنية وجماعات إرهابية، بل باتت تشمل تحالفات ظرفية بين جهات انفصالية ومسلحة، تعيد رسم التحالفات على الأرض وتربك الحسابات الدولية.
وفي ظل غياب رؤية موحدة لدى الحكومات المحلية، وتراجع الحضور الغربي، وتحول بعض الصراعات إلى أدوات نفوذ بين قوى إقليمية، يبدو أن الساحل الإفريقي مقبل على مرحلة أكثر اضطرابًا، يكون فيها الأمن هشًا، والتحالفات متغيرة، والمخاطر ممتدة خارج الحدود التقليدية.