توترات معتادة بين مصر وإسرائيل
القاهرة- لم يعد المصريون يخشون من خروج التوترات المكتومة على السطح مع إسرائيل لأسباب مختلفة. وزادت الخلافات بين الجانبين عقب اندلاع الحرب على قطاع غزة ورغبة الحكومة اليمينية، مؤيدة من الإدارة الأميركية تهجير عدد كبير من الفلسطينيين إلى مصر، وتصدي الأخيرة لهذا المخطط ونجاحها في افشاله حتى الآن.
كرر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أمام إحدى لجان الكونغرس الأيام الماضية قلقه من تنامي قدرات الجيش المصري. وهو خطاب تردد على ألسنة قادة سياسيين وعسكريين من قبل ولم تمنحه القاهرة اهتماما لافتا. لأن جزءا كبيرا من هذا الخطاب ظهر لدوافع دعائية داخلية، وجزءا ثانيا للضغط على القيادة المصرية وحث الولايات المتحدة على عدم الصمت على توسيع انتشار القوات العسكرية في سيناء.
تعلم واشنطن حقيقة انتشار المعدات المصرية ولم تعلق علنا أو تثير أزمة سياسية بسببها مع القاهرة، واكتفت بمناقشة الملف في إطار الاجتماعات الثنائية البناءة، احتراما لخصوصية العلاقات بين البلدين، واليقين أن الضمانة الأميركية لاتفاقية السلام (كامب ديفيد) بين القاهرة وتل أبيب تحول دون حدوث صدام بينهما، وكل طرف لديه قناعة بالأهمية الفائقة للاتفاقية، والتهوين من التحذيرات الإسرائيلية.
تعلم الولايات المتحدة أن حديث نتنياهو يرمي إلى إرباك المشهد الإقليمي العام، وإحداث المزيد من التشويش على بعض تطوراته، ولفت الأنظار إلى قضايا فرعية في منطقة الشرق الأوسط بعيدا عما تقوم به قوات الإحتلال من إجراءات تستكمل بها أهدافها من حرب غزة، وتعطيل مسار مجلس السلام الذي يريد الرئيس الأميركي دونالد ترامب استكمال حلقاته السياسية والاقتصادية والأمنية.
لن تكون الإشارة إلى مخاطر تنامي القدرات العسكرية المصرية المرة الأخيرة التي يتوقف عندها نتنياهو، طالما أن إسرائيل تواصل تفوقها النوعي، وتسعى إلى فرض سيطرتها على المنطقة، وتتلقى أنواعا مختلفة من الدعم العسكري الأميركي ومن دول أوروبية عديدة. فقد انتبهت القاهرة مبكرا إلى ضرورة تنويع مصادر الأسلحة، ولم يعد استيرادها قاصرا على واشنطن. فهناك معدات متقدمة تأتي من الشرق والغرب.
من المتوقع أن يتم التوسع في خطط التسليح بالاستيراد من الخارج والسعي نحو تطويرها في الداخل، كلما زادت التهديدات التي تواجهها الدولة المصرية من جميع الاتجاهات الإستراتيجية، ولم تعد تقتصر على إسرائيل فقط. إذ أصبحت مصر محاطة بصراعات ونزاعات وأزمات مزمنة في كل من ليبيا والسودان والبحر الأحمر ومياه النيل، علاوة على استمرار توابع عدم توقف الحرب في غزة.
تزامن حديث نتنياهو في الكنيست أخيرا مع توقيع اتفاق إطاري للتعاون العسكري بين مصر وتركيا، والتفكير في توطين عدد من الصناعات العسكرية التركية في مصر، ما يمهد لتطوير أواصر التعاون في مجالات متعددة، قد تأخذ منحنى إستراتيجيا كبيرا، في ظل ما تشهده المنطقة من تنوع في التحالفات.
يلاحظ المراقبون لخروج التوترات المكتومة بين مصر وإسرائيل إلى العلن أنها بدأت تلامس قضايا حساسة، وتجاوزت الخلاف التقليدي الخاص بالشق السياسي، حيث كان يجري سحب سفير من هناك والتشاور مع سفير من هناك، أو حتى عدم تعيين سفيرين جديدين في البلدين منذ اندلاع الحرب على غزة. وهي خطوة رمزية، لها دلالة سياسية.
وتخطت الخلافات التباين الحاصل في المجال الاقتصادي منذ توقيع اتفاقية الكويز ومنح بعض الاعفاءات الضريبة المغرية لتصدير البضائع إلى الولايات المتحدة وبها مكونات تصنيعية من أحد البلدين.
وبعد تجميد إسرائيل صفقة كبيرة لتسييل وتصدير الغاز من خلال موانيء مصر على البحر المتوسط، جرى تمريرها أخيرا، وقيمتها 35 مليار دولار وتستمر حتى عام 2040. ويشير طول المدة الزمنية إلى أن كل جانب حريص على احترام تعهداته، ولا يريد خرق اتفاقية السلام أو الإخلال بما نصت عليه من تعهدات عسكرية.
المحاور التي لا يتوقف عندها كثير من الساسة والجنرالات في إسرائيل، أو يتعمدون تجاهلها، هي أن قوات الإحتلال خرقت بنود البروتوكولات الملحقة باتفاقية السلام، وتتعلق بعدم تواجد معدات عسكرية ثقيلة في محور صلاح الدين (فيلادلفيا) في جنوب قطاع غزة.
كما أن عددا كبيرا من المعدات العسكرية المصرية التي تمركزت بكثافة في كافة ربوع سيناء، جاء بموجب تفاهمات أمنية مع إسرائيل وبرعاية أميركية إبان الحرب التي خاضها الجيش المصري ضد المتطرفين والإرهابيين في سيناء.
تأتي كل زيادة في انتشار القوات المصرية من رحم تعاظم التهديدات القادمة من إسرائيل على الأمن القومي، وتمسكها بمواصلة التصعيد على بعض الدول العربية وعدم تطبيقها الحرفي لبنود اتفاقية السلام. الأمر الذي جعل نتنياهو ورفاقه يكتفون بإطلاق تحذيرات عبر الفضاء الإلكتروني وأمام الكنيست، وعدم تصعيد الموقف داخل مجلس الأمن الدولي، بإعتبار أن معاهدة كامب ديفيد بين البلدين اتفاقية دولية. وفي هذه الحالة، أعدت مصر ملفا متخما بما قامت به إسرائيل من تجاوزات.
الواضح أن مصر وإسرائيل لا تريدان شن حرب على الأخرى. لكن كل دولة تبدي يقظة، تحسبا من أي تحولات في المعادلات الإقليمية. وعلى الرغم من توقيع اتفاقية سلام بينهما، ينظر كل طرف ينظر إلى الثاني على أنه العدو الحقيقي المحتمل، ويجب أن يكون يقظا لكل تغير في موازين القوى العسكرية.
وإذا كانت الولايات المتحدة تضمن لإسرائيل تفوقها، فإن مصر تسعى نحو سد الفجوة التكنولوجية معها عبر تطوير التعاون مع كل من الصين وروسيا وكوريا الجنوبية.
تعيد لعبة التحذيرات الإسرائيلية إلى الواجهة فكرة السلام البارد بين البلدين. فقد مضى على توقيع الاتفاقية نحو 47 عاما، ولم يستطع المراقبون الحديث عن سلام ساخن أو حتى دافيء بينهما. وكل التقديرات جعلته سلاما باردا، في أحسن الأحوال. لا يعكس حجم التطلعات الإسرائيلية بشأن أن تصبح العلاقات مع مصر طبيعية، أمنيا وسياسيا واقتصاديا وشعبيا. فالحواجز المحفورة في عقل ووجدان المصريين كبيرة، ولم تتمكن شريحة كبيرة منهم قبول إسرائيل بالطريقة السهلة.
لم تفرض القاهرة على المواطنين تطبيعا بالقوة أو تضع شروطا ملزمة لكسر حواجزهم النفسية، وربما ارتاحت لوجود الفجوة كورقة مساومة ومناورة، أو وسيلة لصد التمدد الإسرائيلي الناعم، وازدادت أهميتها مع التركيز على الاتجاه نحو ترسيخ الهيمنة على المنطقة، والسعي نحو إعادة هندستها بالشكل الذي يضمن تفوقا إسرائيليا.
سوف تبقى التوترات بين الطرفين إلى حين تسترد منطقة الشرق الأوسط هدوءها وعافيتها، وتستقر على نظالم إقليمي مناسب للقوى الرئيسية فيها. كل طرف يعتقد أن الآخر يتربص به وينتظر اللحظة التي ينقض فيها عليه، وينجح في تقزيم دوره بمنطقة مشتعلة. ما يعني أن اتفاقية السلام جاءت لوقف صراع طويل في الماضي، وتركت عملية إدارته في المستقبل تتم من خلال أدوات أخرى تحدث تغييرا تدريجيا.