تونس تعلن الحرب على المخدرات في المؤسسات التعليمية
تونس - كثفت السلطات التونسية حملاتها الأمنية لملاحقة شبكات التهريب والترويج، في ظل تنامي ظاهرة تعاطي المخدرات بين فئة الشباب، حيث تركز بشكل خاص على المناطق الشعبية ومحيط المؤسسات التعليمية، في محاولة لاحتواء موجة القلق التي تثيرها الأرقام المتصاعدة لضحايا الإدمان والعنف المرتبط به.
وجاءت هذه التحركات بعد إعلان وزارة الداخلية عن واحدة من أكبر عمليات المصادرة في تاريخ البلاد، شملت أكثر من 11 مليون قرص مهلوس وقرابة نصف طن من المواد المخدرة، جرى ضبطها خلال الأسبوع الماضي في عمليات متزامنة بين وحدات الحرس الوطني والأمن العام.
وأكد مدير عام الأمن العمومي بوزارة الداخلية عصام الفيتوري على أهمية البعد الوقائي فيما يتعلق بمكافحة المخدرات. وقال في كلمة ألقاها السبت خلال اليوم الوطني التحسيسي (التوعوي) للوقاية من المخدرات أن الوزارة تعمل بالشراكة مع كافة المتدخلين على الجانب التوعوي في مقاربتها لمكافحة المخدرات والوقاية من أخطارها خاصة في الوسط المدرسي.
وأضاف أن وزارة الداخلية تعمل في هذا السياق بالشراكة مع مختلف المتدخلين على وضع مخطط تنفيذي للإستراتيجية الوطنية للحد من العنف المجتمعي والذي من بينه أنه يتعامل بشكل مختلف مع ظاهرة تفشي العنف في المجتمع وتنامي استهلاك المخدرات.
كما أن الوزارة بصدد إعداد برنامج مواطني لمكافحة المخدرات تجمع بين الجانب الزجري والجانب الوقائي.
وتعمل السلطات الأمنية على تعزيز الوعي بمخاطر استهلاك المخدرات والمؤثرات العقلية في الوسط المدرسي وتمكين الإطار التربوي من آليات الرصد المبكر والتعامل مع الحالات المشبوهة بالإضافة الى دعم التعاون بين المؤسسات التربوية والهياكل الأمنية والصحية في مجال الوقاية من المخدرات.
وشدد مدير عام الأمن العمومي على أهمية الدور الذي تضطلع به المؤسسات التربوية من خلال إطارها في رصد حالات الاستهلاك لدى التلاميذ في مراحلها الأولى والتصرف بوعي ومسؤولية تجاه هذه الظاهرة ضمن مقاربة شاملة تدمج جهود الدولة والأسرة والمجتمع المدني على اعتبار أن المدرسة تظل الفضاء الأمثل لترسيخ السلوك السليم وتنمية الوعي المبكر بالمخاطر من أجل بناء حصانة ذاتية لدى الناشئة.
ومن جانبه، دعا الرئيس قيس سعيد إلى تعزيز الرقابة حول المدارس والمعاهد، محذرا من "تغلغل شبكات تهريب المخدرات" التي تحاول إدخال شحنات ضخمة عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية، مستهدفة بالأساس المراهقين والتلاميذ.
وبحسب إحصاءات عام 2025، بلغ معدل تعاطي المخدرات بين الشباب في تونس نحو 9.2 بالمئة، أغلبهم في الفئة العمرية بين 13 و18 عاما.
وتشير بيانات عام 2024 إلى أن نحو 656 ألف مراهق جربوا المخدرات مرة واحدة على الأقل، بينهم 65 ألف مدمن فعلي، حيث دفع الفضول 41 بالمئة منهم إلى التجربة، بينما سقط أكثر من نصفهم (52 بالمئة) تحت تأثير ضغط الأصدقاء والرغبة في الانتماء.
وقال المدير العام للأمن العمومي بالحرس الوطني نزار باديس في تصريحات صحفية "إن التقارير الدولية تشير إلى تسارع مقلق في معدلات التعاطي"، لافتا إلى أن الأجهزة الأمنية تتعامل يوميا مع نحو 20 قضية مخدرات، فيما يحال 34 شخصا يوميا على القضاء بتهم تتعلق بالاستهلاك أو الترويج، وفق بيانات تمتد بين عامي 2015 و2024.
وأضاف باديس أن عدد متعاطي المخدرات حول العالم بلغ 316 مليون شخص بنهاية 2023، مشيرا إلى أن المخدرات تتسبب في قرابة نصف مليون وفاة سنويا، إلى جانب انعكاساتها الاجتماعية والتعليمية المدمّرة، مثل التسرّب المدرسي والعنف والانحراف.
وفي سياق متصل، اعتبر الباحث في علم الاجتماع حمزة الجيلاني أن تفشي الظاهرة يرتبط ارتباطا مباشرا بالأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها تونس، إلى جانب ضعف المنظومة التربوية والرقابة الأسرية، وارتفاع نسب البطالة والتهميش.
وأوضح الجيلاني أن المخدرات الرخيصة مثل الحبوب المهلوسة باتت الأكثر انتشارًا لأنها توفر "نشوة سريعة وسهلة"، بينما تظل المواد المكلفة كالكوكايين والهيروين محدودة الانتشار.
واقترح أعضاء في مجلس النواب التونسي إجراء تعديلات على القانون رقم 52 الصادر عام 1992 الخاص بمكافحة جرائم المخدرات، أهمها تخفيف العقوبة على مستهلكي المخدرات وتخفيض مدة السجن في إطار العقوبات المشددة المطبقة، واستبدالها بدفع غرامة مالية، وأيضاً تشديد العقوبات على من يتاجرون بالمخدرات عبر سجنهم بين ست وعشر سنوات، وفرض دفعهم غرامة مالية تصل إلى 100 ألف دينار(33 ألف دولار)، ومضاعفة العقوبات على مهربي ومستوردي السموم إلى السجن سنة واحدة ودفع غرامة 500 ألف دينار (160 ألف دولار). أما عقوبة تشكيل عصابات مخدرات أو الانضمام إليها فهي السجن مدى الحياة ودفع غرامة مليون دينار (330 ألف دولار).
ومن أجل حماية التلاميذ والطلاب والقُصّر الذين تحوّلوا إلى هدف لتجار المخدرات، اقترح نواب مضاعفة العقوبات على المروجين داخل المؤسسات التعليمية والمقاهي والمطاعم والملاعب الرياضية، وفرض عقوبات خاصة على الأحداث الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً ويتورطون في الاستهلاك، وذلك من خلال إخضاعهم لبرامج تأهيل بدلاً من سجنهم. وطالبوا أيضاً بأن يحصل مدمنو المخدرات على علاج طوعي يشجعهم على البحث عن المساعدة بدلًا من معاقبتهم فوراً.