ثمانون عاما من التحديات

الأمم المتحدة تمر حاليًا بظروف دولية معقدة، فيها الكثير من الأوجه المغايرة عن ظروف نشأتها والأدوات والوسائل التي تستند إليها عادة. وفي أي حال من الأحوال، لا خيارات كثيرة متاحة عمليًا أمام دولها لإيجاد الحلول الممكنة القابلة للحياة والبناء عليها.

واجهت الأمم المتحدة منذ نشأتها كَمًّا هائلًا من التحديات المتصلة بأهدافها وحتى ببنيتها التنظيمية، وتمكنت من الصمود في وجه مصاعب بدت في أحيان كثيرة يصعب تجاوزها. واليوم، تعقد اجتماعاتها الدورية وسط تحديات يتم البحث عن حلول لها منذ ثمانين عامًا، وبعضها الآخر ورثته عن سابقتها عصبة الأمم.

إن الظروف الدولية والإقليمية في غير مكان من العالم تَعُجّ بالأزمات التي تهدد الأمن والسلم الدوليين، وهي قضايا قامت الأمم المتحدة من أجل الحفاظ عليهما، وبناء المقومات لعدم تفاقمها وانفجارها. والأخطر من ذلك كله، تمر الأمم المتحدة حاليًا بظروف دولية معقدة، فيها الكثير من الأوجه المغايرة عن ظروف نشأتها والأدوات والوسائل التي تستند إليها عادة. وفي أي حال من الأحوال، لا خيارات كثيرة متاحة عمليًا أمام دولها لإيجاد الحلول الممكنة القابلة للحياة والبناء عليها.

فالحروب والصراعات والنزاعات تنتشر في مختلف بقاع العالم، وبعضها يهدد بانفجارات دولية تؤدي تداعياتها إلى إشعال حرب عالمية ثالثة، في وقت تنعدم فيه ظروف الاستيعاب لدى الدول المعنية بها، وبعضها لا يرغب بذلك بل يبني أسسًا للمواجهة ولو أشعلت الحرب فعليًا. فالأزمة الأوكرانية مثلًا، التي استهلكت الكثير من جهود الأمم المتحدة، لا تزال ظروفها لا تُسعف في إنهائها. كما أن ظروف الصراع العربي الإسرائيلي لا تزال قائمة، في وقت تتعثر فيه مشاريع السلام وسط وقائع تؤجج الصراع بدل احتوائه وإيجاد الحلول له.

إن مقاربة بسيطة للجهود التي قامت بها مختلف مؤسسات الأمم المتحدة تجاه تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، تُظهر بقاءه ضمن أُطر القضايا الرئيسة التي استهلكت أكثر من نصف قراراتها وجهودها. وحتى الآن لا أُفق واضح لإرساء قواعد حلول تتوافق مع بناء سلام عادل وشامل في المنطقة. فالقضية الفلسطينية، التي رافقت نشأة عصبة الأمم بدايةً، ومن ثم ورثتها الأمم المتحدة، تفاقمت ظروفها وسط تداعيات غير مسبوقة في تاريخ الصراعات الدولية، بل بدت في كثير من صُورها تجاوزًا للأعراف والقوانين التي تحرص الأمم المتحدة على العمل ضمنها.

لقد بدت قضية الاعتراف بالدولة الفلسطينية القضية الرئيسة في برنامج عمل الأمم المتحدة في هذا العام، حيث انطلقت فعاليات القضية برعاية فرنسية وسعودية في قمة الجمعية العامة. واكتسح الاعتراف الدولي بدولة فلسطين ليصل إلى 157 دولة من أصل 193، أي ما تزيد نسبته عن 78%، حيث كانت منذ العام 2012 دولة مراقبة غير عضو في الجمعية العامة للأمم المتحدة. والمفارقة في هذا الاعتراف أن ثمة دولًا كبرى رعت هذا الاعتراف، كفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين ومعظم الدول الأوروبية، في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة الأمريكية تقف إلى جانب إسرائيل وتعارض الاعتراف. وهو موقف تقليدي لكنه مؤثر عمليًا في النهاية، باعتبارها تمتلك حق النقض في إطار عمل مجلس الأمن، وهو أبرز نطاق تنفيذي بين الأجهزة الستة في الأمم المتحدة.

إن فعاليات مشروع حل الدولتين في الجمعية العامة تشكل تحديًا موصوفًا للأمم المتحدة في دورتها الحالية، للعديد من الأسباب والاعتبارات. من بينها أولًا، أن القضية الفلسطينية تُعتبر من القضايا الدولية المُعمّرة التي لم تتوصل الأمم المتحدة لحل لها، رغم استناد القضية الفلسطينية على قرارات محددة رافقت عمل الأمم المتحدة منذ نشأتها، وأبرزها قرار التقسيم 181 والقرار 194 و242 و337، وصولًا إلى مئات القرارات الصادرة عن أجهزة الأمم المتحدة والتي لم تجد طريقًا للتنفيذ حتى الآن. وثانيًا، ثمة العديد من المقترحات والمشاريع التي انطلقت أيضًا وبرعاية الأمم المتحدة، ومن بينها مثلًا مؤتمر السلام في مدريد عام 1990 الذي أسس لمسارات متعددة برعاية أمريكية تحديدًا، ولم تصل لمكان محدد قابل للحياة. وثالثًا، لأن ما يجري حاليًا في غزة من مجازر غير مسبوقة في تاريخ صراعات الشعوب والأمم، فقد بلغ عدد ضحايا غزة إلى 79220 فلسطينيًا أُبلغ عن استشهادهم. ووفقًا لوزارة الصحة الفلسطينية، فإن عدد الشهداء المُسجّل هو 64522، بينهم 18000 طفل و214 رضيعًا و12400 في عداد المفقودين. وهي أرقام مهولة قياسًا لمجموع عدد السكان والفترة الزمنية التي قَضوا فيها، ما يوجب البحث الجدي والسريع عن حل واقعي وسريع.

إن أبرز تحديات الأمم المتحدة التي واجهتها منذ العام 1945 هي القضية الفلسطينية، والتي انطلقت في تعاطيها عبر قرار التقسيم 181 الذي استند إليه معظم المشاريع التي حاولت حل القضية الفلسطينية وتداعياتها الممتدة. واليوم، يبدو مؤتمر حل الدولتين، الذي تقوده فرنسا في قمة الجمعية العامة، يشكل إيقاظًا لمحاولات كثيرة لم تصل لنتيجة محددة. وهي اليوم مدعوة إلى بذل جهود مضاعفة للتوصل إلى حلول عملية بعدما تفاقمت الأمور إلى مستويات مرعبة تُفضي إلى القضاء على كل ما له علاقة بالقضية الفلسطينية، ومن بينها مثلًا عودة إسرائيل لاحتلال كامل غزة، وتهجير ما تبقى من سكانها، إضافة إلى محاولة ضم الضفة الغربية.

يبدو أن ثمة عبئًا ثقيلًا على الأمم المتحدة بما يخص القضية الفلسطينية، علاوة على عشرات القضايا الدولية الأخرى التي تنتظر حلولًا. وهي قضايا لا تهدد الأمن والسلم الدوليين فقط، بل تهدد مستقبل البشرية جمعاء وتواجدها على الكوكب الأزرق، كقضايا البيئة والغذاء والفقر والصحة والتسلح... في وقت لا تمتلك فيه القدرات العملية والمادية للمواجهة، وفي ظل وجود قوى دولية متحكمة بمفاصل أعمالها. وهو أمر يُعطي انطباعًا سلبيًا لا خلاف عليه لمن يُراقب أعمالها أو يُعلِّق آمالًا عليها.