جامعة المستقبل تسبر أغوار الذكاء الاصطناعي بملتقاها الرابع
في إنجاز إعلامي وثقافي وعلمي جديد، أصدرت جامعة المستقبل كتابها السنوي وقائع "ملتقى المستقبل الإعلامي الحواري الرابع – الإعلام والذكاء الاصطناعي شراكة لصناعة إعلام ذكي"، وذلك برقم معياري علمي دولي ورقم إيداع وطني. يتناول الإصدار قضايا مهمة تتعلق بأنشطة وفعاليات الذكاء الاصطناعي، ودور الصحافة ووسائل الإعلام في الاستفادة من تقنيات هذا العلم الحيوي (الإعلام الذكي)، وكيفية بناء شراكة فعالة معه، خصوصًا بعدما أصبح الذكاء الاصطناعي يكتسح العالم، ويشكل مادةً في غاية الأهمية في أساليب التعامل مع المتغيرات والمضامين الإعلامية والعلمية والثقافية والأدبية والفنية والتقنية، بسرعة فائقة وإتقان غير مسبوق.
وشارك في إعداد بحوث هذا الكتاب، الصادر عن جامعة المستقبل في محافظة بابل ضمن مؤتمر سنوي ينظمه قسم الإعلام في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ثلاثون باحثًا وأستاذًا جامعيًا من مختلف الجامعات العراقية وكليات الإعلام وتخصصاتها. كما تضمن الإصدار كلمات كل من رئيس جامعة المستقبل، وعميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ورئيس الملتقى الحواري الرابع الأستاذ الدكتور أكرم الربيعي، الذي كان له الدور الريادي والإسهام الأكبر في تنظيم فعاليات هذا المؤتمر السنوي، وفي جذب هذا العدد الكبير من الباحثين والمساهمين في هذا الإصدار الإعلامي المهم، الذي سيقدّم خدمة كبيرة لباحثي الإعلام في كيفية الاستفادة من هذه البحوث المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.
وفي الوقت نفسه، حذر الإصدار من مخاطر الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى إمكانية استغلال تقنياته لأغراض وأساليب غير مشروعة من قِبَل جهات توظفه ضمن أجندات تستهدف دولًا ومنظمات وصحافة عالمية ووسائل تواصل اجتماعي، مع ما يصاحب ذلك من مخاطر تضليل واسعة النطاق ترافق استخدامات هذا العلم الحديث.
مطلوب دعم أكبر من رئيس الجامعة للملتقيات الحوارية
رغم الدعم الذي يقدّمه رئيس جامعة المستقبل الأستاذ الدكتور حسن شاكر مجدي لهذا المؤتمر، إلا أن أساتذة الإعلام وباحثيه المشاركين في الملتقى يأملون في أن يكون هناك دعم مادي ومعنوي أكبر يتناسب مع أهمية هذا الحدث وما يطرحه من بحوث وتوصيات تخدم تطورات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في الإعلام والمجالات البحثية الأخرى.
وتجدر الإشارة إلى أن جامعة المستقبل، والدكتور أكرم الربيعي على وجه الخصوص، كانوا من أوائل المبادرين لعقد مثل هذه الملتقيات الحوارية على مستوى الجامعات العراقية. وقد شكّل الملتقى دعاية كبيرة لأنشطة الجامعة، وساهم في جذب عشرات الآلاف من الطلبة والأساتذة من مختلف التخصصات، ما يستدعي تقديم الدعم الكافي لهذا النشاط الحيوي، خصوصًا وأنه يُعدّ من أكثر الفعاليات ترويجًا لأنشطة الجامعة وكلياتها، ويعزز من مكانتها بين الجامعات الرائدة في العراق. لذا، يأمل المشاركون أن يُخصّص للملتقى الحواري جلسات مستقلة دون إلحاقه بفعاليات أخرى أقل أهمية.
مخاطر التضليل والتزييف في عمليات الذكاء الإصطناعي
من بين البحوث التي تضمّنها الإصدار، جاء بحثي المقدم إلى الملتقى الحواري الرابع بعنوان "مخاطر التضليل والتزييف في استخدامات وسائل الإعلام لعمليات الذكاء الاصطناعي"، وهو من بين مجموع ثلاثين بحثا.
وتناول البحث التحديات والمخاطر الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى إعلامي مضلّل، وكيف يمكن أن يُستغل في حملات نفسية وإعلامية موجهة.
وسلط البحث الضوء على الحملة الدعائية التي أطلقها الكيان الصهيوني خلال حروبه الأخيرة ضد غزة ولبنان وسوريا، والتي استُخدمت فيها تقنيات متقدمة من الذكاء الاصطناعي لاستهداف العقل العربي والفلسطيني واللبناني والسوري والعراقي والإقليمي عموما بهدف خلق الرعب والتأثير النفسي والسياسي، وإخضاع الشعوب لتلك الحملات التي استخدمت فيها التكنولوجيا وعمليات التزييف والتضليل الدعائي للذكاء الاصطناعي بطريقة لم تحدث من قبل وفاقت كل تصور. وقد لعبت هذه الحملات دورًا كبيرًا في نشر الدمار والرعب وترويض الرأي العام، بما يخدم أهداف الهيمنة الأميركية والصهيونية في تفتيت الوطن العربي إلى كيانات ضعيفة ليس بمقدورها أن تواجه آلة الرعب الصهيونية أو أن تحد من دمارها الشامل.
وأشار البحث أيضًا إلى القلق المتزايد في محيطنا الإقليمي من الاستخدامات الجديدة للذكاء الاصطناعي في الحروب النفسية، وما نجم عنها من متغيرات سياسية وجيوبوليتيكية وحتى اثروبولوجية، وكان من نتيجة تلك الحملات الدعائية الصاخبة والموغلة في التزييف والتضليل والتسريب والاختلاق، أنها أسهمت في تعقيد الأوضاع وإثارة تحديات اقتصادية وسياسية كارثية، من بينها حرب الإبادة في غزة، واستهداف قيادات في حزب الله في لبنان، والتغيير المفاجئ في سوريا الذي شكل صدمة في المنطقة في وقت باركت هذا التغيير قوى عربية ودولية كثيرة.
أكدت في بحثي أيضًا أن العراق لم يكن بمنأى عن هذه المخاطر، فقد تعرض لتضليل إعلامي واسع عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، من جهات مختلفة تسعى لتزييف الوعي العام وتشويه الحقائق، مما يؤثر بشكل كبير في الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية والنفسية، ويستهدف حتى النخب السياسية والثقافية والصحفية، بهدف استدراجها لمسايرة أجندات أجنبية ومشبوهة.
ورغم التهويل المبالغ فيه بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي، مقارنة بالأدبيات التي تبشّر بمنافعه الكبيرة والاحتمالات الناجمة عنه والتي يمكن للإنسان الاستفادة منها، إلا أن ذلك لا يعفي الإنسان من مسؤولية التعامل الواعي مع هذه التكنولوجيا، لاسيما من خلال تطوير خطاب إعلامي مضاد يُسهم في كسر هيمنة الدعاية الغربية والصهيونية.
وفي الفصل الأول من البحث، عرضت كيف يمكن لوسائل الإعلام الذكية أن تساعد صحافة الذكاء الاصطناعي في كشف التزييف والتضليل لبعض المعلومات والأخبار الكاذبة من خلال تحليل المحتوى الإعلامي، والتحقق من صدقيته، وإعداد تقارير دقيقة وشفافة، خاصة في منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر، حيث تنتشر الأخبار الزائفة بشكل واسع وكان لها تبعات اجتماعية وسياسية وعالمية واسعة.
ويجمع المختصون في الإعلام على أن منصات التقنية العالمية أصبحت قادرة على زعزعة وسائل الإعلام التقليدية التي كانت تعتمد عليها المجتمعات في الحصول على المعلومات، مما يفرض تحديات كبيرة على المؤسسات السياسية والاجتماعية في مواجهة التضليل والفبركة، التي تُستخدم فيها تقنيات عالية من قبل جهات معادية أو مجهولة الهوية بهدف التأثير في الرأي العام بمختلف أشكاله.
أشرت في ختام البحث إلى أن حجم التهويل من مخاطر الذكاء الاصطناعي يجب ألا يحجب عنا الإمكانات الإيجابية التي يتيحها. ومن الضروري أن نتعامل مع هذه التقنية بوعي ومسؤولية، ونبادر بإطلاق دعاية مضادة تساهم في ترويض العقل الغربي والصهيوني، مستفيدين من قدرات الشباب العربي في خوض هذه المواجهة بأساليب حديثة وفعالة.
وفي الختام، نؤكد أن إصدار جامعة المستقبل حول ملتقاها الحواري الرابع بشأن الذكاء الاصطناعي يُعد إنجازًا إعلاميًا وثقافيًا وعلميًا متميزًا، تناول قضايا مهمة تخص الذكاء الاصطناعي والإعلام الذكي، وأسلوب التعامل مع متغيرات ومضامين لم تكن تُعالج بهذه السرعة والدقة من قبل.
أملنا أن يبقى هذا الإصدار السنوي دليلاً مهمًا للباحثين والمهتمين بالشأن الإعلامي، من أجل مواكبة التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يرفع من قدراتنا الإعلامية ويواكب العالم المتقدم، ونخوض غماره عبر ملتقيات علمية وإعلامية ترتقي بأجيال المستقبل من طلبة الإعلام وأساتذته إلى آفاق أكثر إشراقًا.