جان فرانسوا مارميون: الحماقة مرآة ذكائنا المظلم
يشكل كتاب "سيكولوجية الحماقة" للمفكر الفرنسي جان فرانسوا مارميون موسوعة متعددة الأصوات حول ظاهرة قديمة جديدة، تضم رؤى وأفكار وآراء علماء نفس وفلاسفة وباحثين (منهم دانييل كانيمان، إدجار موران، بوريس سيرولنيك، أنطونيو داماسيو، وآخرون)، جميعها تؤكد أن الحماقة ليست مجرد خطأ فردي، بل نسق اجتماعي ولغوي ونفسي يتخلل كل مستويات الحياة.
يفتتح مارميون تمهيد كتابه الذي ترجمه الشاعر لطفي السيد منصور وصدر عن دار آفاق بإعلان صريح موجع "سواء أكانت الحماقة تنضح أم تتسرب، سواء أكانت تتقطر أم تندفع، فهي موجودة في كل مكان. بلا حدود، وبلا نهاية. أحيانًا تتدحرج لطيفة في موجات، يمكن احتمالها تقريبًا، وأحيانًا تكون مستنقعًا راكدًا مقزِّزًا، وأحيانًا زلزالًا، وعاصفة، وموجة عاتية تجتاح كل شيءٍ في طريقها". هذا الاستهلال، بلغة حادّة وساخرة، يكشف أن الحماقة ليست مجرد ضعف عارض أو هفوة فردية، بل هي نسغ عميق في التجربة الإنسانية، تتجلى في السلوكيات والمعتقدات واليقينيات الزائفة، وتشكّل تهديدًا أشد وطأة من أي خطأ طبيعي، لأنها تحاكي الذكاء وتتنكّر في ثوبه بينما تدمره من الداخل.
مارميون لا يقدّم الحماقة كموضوع طريف للتندر، بل كقوة تهدد الثقة بين البشر وتضعف أساس العدالة. يقول "الحماقة وعدٌ غيرُ متحقق، وعدٌ بالذكاء والثقة، خانَه الأحمق، خائن الإنسانية. الأحمق 'غبي'، بهيمي! نود أن نعتزَّ به، وأن نجعله صديقًا، لكن الأحمق ليس على المستوى، أي على مستوانا"، ولأنه يرى أن الأحمق يتمتع بقدرة استثنائية على إفساد أي نقاش أو علاقة، فإنه يذكّر بأن "الشك يجعلك مجنونًا، واليقين يجعلك أحمق".
بهذا المدخل يؤسس الكتاب لرؤية شاملة تعتبر أن الحماقة ليست قاصرة على الآخرين، بل هي فينا جميعًا، نمارسها ونتورط فيها من حيث ندري أو لا ندري، وأن أي محاولة لتصحيح الأحمق قد تؤدي إلى النتيجة العكسية "محاربة الحماقة تعزِّزها... كلما هاجمنا الغول، صار آكل لحوم البشر".
علميًا يتدخل عالم النفس سيرچ تشيكوتي ليطرح السؤال الاستفزازي: هل يمكننا دراسة الحمقى علميًا؟ ويجيب مباشرة: نعم، لأن كل الدراسات التي أُجريت على الإنسان في علم النفس تكشف جانبًا من الحماقة، أن "السلوك الروتيني التلقائي، مثل النظر إلى الساعة مرتين متتاليتين دون سبب، أو الضغط المتكرر على زر المصعد بسرعة، يكشف أن الناس يتصرفون وفق نصوص برمجية جاهزة، وأن غياب الانتباه يجعلنا نقع في تصرفات أحمق بلا وعي. يضيف أيضًا أن عمى التغيير، أي عدم ملاحظتنا حتى التعديلات الكبيرة في محيطنا، يجعلنا عرضة للوقوع في أخطاء إدراكية سخيفة".
يؤكد تشيكوتي "يبدو الإنسان في كثير من الأحيان وكأنه ينحرف عن العقلانية المحضة والقيم المتوقعة. والأكثر حماقة هو منْ سيقدم في النهاية أكثر الانحرافات الملموسة". ويشرح كيف يتفوّق الأحمق في تصديق أي شيء: من نظريات المؤامرة إلى العرافة، إلى تفسير الظواهر بأسباب ساذجة، مثل الاعتقاد بأن فوز أحدهم باليانصيب مرتبط بأحلام متكررة بالرقم ستة. الأحمق لا يكتفي بالخداع، بل يخدع نفسه أولًا.
ويرى تشيكوتي أن الأحمق يلجأ باستمرار إلى استراتيجيات للحفاظ على احترامه لذاته، مثل التحيّزات الإدراكية، فهو يقول بعد كل حدث: كنت أعرف ذلك، لا عن علم، بل كحيلة دفاعية. ويشير إلى نتائج دانينغ وكروجر التي أثبتت أن غير الأكفاء يبالغون في تقدير كفاءتهم، ومن ثم نجد الأحمق يشرح للخبير عمله بثقة زائفة.
ويضيف أن الأحمق الساخر يعيش في عالم من عدم الكفاءة والخداع، يردد شعارات مثل الكل فاسد أو الصحفيون جميعهم كاذبون. ويختم مؤكدًا أننا نملك رادارًا للحماقة يتمثل في التحيز السلبي، أي ميلنا إلى التركيز على الأخطاء والسلوكيات السلبية أكثر من الإيجابية، وهو ما يجعلنا نرصد الأحمق بسرعة أكبر من رصدنا عبقريًا.
يأتي بعد هذا التحليل چان فرانسوا دورتييه ليقدم تصنيفًا لأنواع الحماقة "إذا كانت هناك أشكال متعدِّدة للذكاء، فلا بدَّ من أن يكون هناك أيضًا مجموعة متنوعة لطيفة من الحماقات". ويبدأ من المتخلِّف، الذي يُعرّف بمحدودية ذكائه، مرورًا بالمختل أو الذي يتسم بالعنصرية والأنانية وضيق الأفق، وصولًا إلى الأحمق العالمي الذي يطلق حكمًا عامًا بأن الجميع حمقى، في حين أن هذا التعميم ذاته هو علامة حماقة. ثم يتطرق إلى الحماقة الاصطناعية، ليقول بوضوح على لسان عالم المعلوماتية جيرار بيري "الكمبيوتر أحمق تمامًا"، لأنه يؤدي وظيفة دون أن يفهم معناها. ويستطرد في "الحماقة الجمعية" ليبيّن كيف يمكن أن تقود الأغلبية الآخرين إلى تبني رأي خاطئ بفضل ضغط الجماعة، وهو ما برهنت عليه تجارب سولومون آش الشهيرة. بهذا يضع دورتييه الحماقة في سياق اجتماعي واسع، ويظهر أنها ليست فقط صفة فردية، بل أيضًا جماعية.
أما إدجار موران فيأخذ الكلمة "أحمق" ليكشف أبعادها اللغوية والثقافية، محذرًا من أن استخدامها يفترض أننا أنفسنا نخلو من الحماقة، وهو افتراض غير صحيح. ويربط موران بين الإنسان العاقل والإنسان المخبول، معتبرًا أن الاثنين متلازمان. ويؤكد أن الحماقة ليست مرادفًا للغباء أو الخطأ، بل هي خليط من الثقة الزائدة واليقين الزائف، ولذلك يجب التعامل مع الكلمة بحذر: "يجب استخدام الكلمة بحذرٍ شديد... فهي تسدُّ فجوةً في مفرداتنا، إذ إن الحماقة تجمع بين الخطأ والغباء والثقة بالنفس".
الفيلسوف الأميركي آرون جيمس يطوّر مفهومًا أكثر تحديدًا حين يطرح نظرية "الحمقى الأوغاد". يعرفهم بأنهم الأشخاص الذين يمنحون أنفسهم امتيازات خاصة في الحياة الاجتماعية من دون مبرر سوى شعورهم بالتفوق. يقول "المثال النموذجي هو الأحمق الذي يتجاهل طابور الانتظار في مكتب البريد... ليس لديه أي مبرر سوى الشعور بأنه غني أو جميل أو أكثر دهاء من الآخرين". ويرى أن الأحمق قد يكون مثقفًا أو ذكيًا، لكن ذكاءه يجعله أكثر عرضة للغرور.
ويضيف جيمس ساخرًا عن دونالد ترامب "نعم، دونالد ترامب هو الأحمق الأعظم، أحمق محترف". هذا التشخيص يوضح أن الحماقة ليست غياب ذكاء بل غياب اعتبار للآخرين وفشل في إظهار الاهتمام بهم.
أما الفيلسوف باسكال إنجل، فيتساءل كيف نصنّف أشكال الغباء المختلفة عبر اللغات والثقافات؟ ويشير إلى المصطلحات المتنوعة مثل idiot، crétin، niais، sot، stupide، ويقول إن "تنوع أشكال الغباء كبير جدًّا، لدرجة أن العديد من أولئك الذين شرعوا منذ العصور القديمة في مهمة تحديد جوهره، سرعان ما استسلموا، وقدَّموا الأمثلة التوضيحية بدلًا من ذلك".
يحاول إنجل أن يضع درجات للغباء تبدأ من الغباء الغاشم المقرّب من الحيوان والخضار، مرورًا بالبلهاء الذين يتسمون بالضعف الوراثي، وصولًا إلى الأحمق الذكي الذي يجمع بين الثقافة الواسعة وسوء الحكم. ويقارن هذا بما وصفه هاري فرانكفورت بـ"الهُراء"، أي الكلام الذي لا يهتم صاحبه بصدقه أو كذبه، وهو ما يزدهر في الصحافة والإعلان. الحماقة هنا تتحوّل إلى ممارسة اجتماعية وثقافية، وليست مجرد قصور إدراكي.
أما العالم دانييل كانيمان، الحاصل على نوبل، فيربط الحماقة بما يسميه "التفكير ذو سرعتين". فالإنسان، كما يوضح، يفكر بسرعة أولى تلقائية بديهية، وأخرى بطيئة نقدية، وحين يهيمن التفكير السريع غير المتأمل نقع في الحماقة.
ويوضح أنطونيو داماسيو أن العواطف ليست دائمًا سبب الحماقة، بل أحيانًا ما تنقذنا من قرارات أسوأ، ويقول "لا تجعلنا العواطف (دائمًا) أغبياء". بينما يقدّم بوريس سيرولنيك رؤية عميقة فيرى إن الحماقة قد تكون هذيانًا منطقيًّا، أي بناء متماسك داخليًا لكنه منفصل عن الواقع.
ويتساءل دان أرئيلي كيف أن الحماقة تتجلى في الاستهلاك، فنحن نتصرف كمستهلكين حمقى لأننا نخضع للخداع النفسي والتسويقي بسهولة، ونقع في فخ الإنفاق على ما لا نحتاج إليه. ويكشف رايان هوليداي أن أسوأ المتلاعبين إعلاميًا هم وسائل الإعلام نفسها. بينما يرى فرانسوا جوست أن شبكات التواصل الاجتماعي صنعت حماقة جديدة "غبية وشريرة" في الوقت نفسه.
ويضيف هوارد جاردنر أن الإنترنت قد يكون بالفعل هزيمة للذكاء، لأنه يعطي مساحة مضاعفة للهراء والحماقات كي تنتشر بلا رقيب.
الكتاب لا ينسى الأبعاد السياسية والاجتماعية للحماقة، إذ يخصص فصولًا عن "الحماقة وما بعد الحقيقة" عند سباستيان ديجيز، وعن "تحولات البلاهات القومية" كما يسميها بيير دو سيناركلينز، موضحًا كيف تستغل القومية الشعبوية الغباء الجمعي لصناعة شعارات وأعداء وهميين. ثم يناقش كلودي بير سؤالًا مهمًا: كيف نحارب الأخطاء الجماعية؟ ويجيب بأن الحل ليس في محاولة القضاء على الحماقة، فهي لا تزول، بل في بناء آليات مؤسسية تقلل من آثارها.
من بين الحوارات اللافتة في الكتاب مقابلة مع چان كلود كاريير الذي يقول بجملة حاسمة "الغباء الأكبر هو أن تعتقد أنك ذكي". أما توبي ناثان فيصف الحماقة بأنها ضجيج الحكمة الخلفي، وكأنها الخلفية التي لا تنفصل عن العقل البشري. وتأتي أليسون جوبنيك لتشير إلى أن الأطفال لا يمكن وصفهم بالحمقى رغم أنانيتهم المؤقتة، فالحماقة صفة تستقر عند البالغين. بل يذهب الكتاب إلى أبعد حين يسأل: هل نحلم بالحماقة؟ وتجيب دلفين أوديت بأن الأحلام تكشف أحيانًا عن لا عقلانية دفينة تتقاطع مع الحماقة.
هذه الآراء جميعها تلتقي مع التمهيد الأول لمارميون الذي أكد أن الحماقة "سوف تعيش أكثر منا... وسوف تدفننا جميعًا". ومع ذلك، فإن قيمة الكتاب تكمن في أنه يحوّل موضوعًا مستهجنًا أو ساخرًا عادة إلى حقل معرفي جاد، يكشف عبر علم النفس واللسانيات والفلسفة والاقتصاد والإعلام أن الحماقة ليست قشرة سطحية بل بنية راسخة في الوجود الإنساني. الحماقة هي الوجه الآخر لذكائنا، وهي تهديدنا الأكبر لأنها دائمًا واثقة من نفسها، لا ترى تناقضها، بل تزداد رسوخًا كلما حاولنا مواجهتها. ولعل هذا ما يجعل المشروع كله كما يقول مارميون في التمهيد "ببساطة مثيرًا للسخرية. والسخرية لا تقتل. بينما الحماقة، نعم!".
وهنا يتردد صدى كلمات جان كلود كاريير "الغباء الأكبر هو أن تعتقد أنك ذكي"، لتذكر أن مواجهة الحماقة تبدأ من الاعتراف بوجودها فينا قبل أن نبحث عنها في الآخرين.