جدلية الواقع والمتخيل في حوارات نسرين البخشونجي
يعد كتاب "كل شيء سيرتي.. كل شيء خيالي" للأديبة والصحفية نسرين البخشونجي رحلة أدبية استثنائية تمتد عبر عشر سنوات من الحوارات المتعمقة مع كوكبة من أبرز كتاب العالم في أوروبا وآسيا وأفريقيا وأميركا الشمالية والجنوبية، وهو العمل الصادر عن دار صفصافة، وقدم له الروائي الكبير إبراهيم عبدالمجيد مؤكداً أنه حصاد جهد رائع في الحوارات الصحفية، وحواراته بقدر ما فيها من عِبر ودروس في الكتابة، فيها الكثير من معرفة نسرين الرائعة بمن تحاوره ونشاطه وإبداعه، حيث لا يكتفي الكتاب برصد التجارب الإبداعية، بل يغوص في فلسفة الكتابة وعلاقتها بالواقع والذاكرة، ليعكس عنوانه تلك الجدلية الدائمة بين ما يعيشه الكاتب وما يتخيله في عالم الرواية.
تنطلق البخشونجي في رحلتها من رحاب القارة الآسيوية حيث تنفتح آفاق السرد على قضايا الهوية والذاكرة والمقاومة بالحلم.
وتبرز الكاتبة آذر نفيسي برؤية فلسفية عميقة تجعل من الأدب وطناً بديلاً ومحمولاً يحمي الروح من طغيان الواقع والأنظمة الشمولية، مؤكدة أن القراءة والكتابة ليستا مجرد ترف فكري، بل هما وسيلتان حيويتان لفهم ذواتنا وفهم الآخرين، وبناء "جمهورية الخيال" التي لا تعرف الحدود الجغرافية، وبنفس العمق الإنساني، يطرح الكاتب سالار عبده تجربته التي تشابكت فيها الكتابة بآلام الحروب في الشرق الأوسط، موضحاً أن الجغرافيا تفرض على الكاتب مواضيعها، وأن انشغاله بالعلاقات الإنسانية في أقسى الظروف ينبع من رغبة في استكشاف جوهر الصمود الإنساني، حيث تصبح الرواية لديه محاولة لمناقشة التضحية والموت والحياة في آن واحد، وتكتمل هذه اللوحة الآسيوية بصوت الكاتب التايواني شيو تسي تشين، الذي يجسد في حديثه حالة من الاستقلال الإبداعي التام، حيث يرى أن الكتابة فعل ينبع من الداخل بعيداً عن ضغوط النقد أو الثناء أو حتى توقعات القراء، معتبراً أن الطبيعة والبيئة المحيطة، وخاصة عالم المحيط، هي المحرك الأساسي لإبداعه الذي يتجاوز قيود المدينة وضجيجها، إن هذه الحوارات في مجملها تعكس تنوعاً ثقافياً هائلاً في آسيا، لكنها تلتقي جميعاً عند نقطة واحدة وهي أن الأدب هو الجسر الذي يربط التجارب الفردية بالهموم الإنسانية الكبرى، محولاً السير الذاتية إلى حكايات عالمية تلمس وجدان كل من يقرأها.
في رحاب القارة اللاتينية وأميركا الشمالية يبرز الاهتمام بإعطاء صوت للمهزومين وتناول التاريخ والذاكرة بطرق رمزية وسردية
وتمتد الرحلة في "دوائر أوروبا" لتكشف عن رؤى فلسفية وجمالية شديدة الخصوصية، حيث يظهر الأدب بوصفه محاولة مستمرة لفهم تموضع الإنسان في هذا الكون الفسيح، فتبدأ سامانثا هارفي طرحها برؤية تجرد البشر من نرجسيتهم المعتادة، مؤكدة أننا لسنا مركز العالم بل مجرد جزء صغير من منظومة كبرى وشاملة، وهو ما يمنح كتابتها بعداً كونياً يحاول استكشاف الروابط الخفية بين الوجود الإنساني وعظمة الطبيعة، ويتعمق هذا البحث الوجودي مع جيني إربنبيك التي ترى في فعل السرد وسيلة سحرية لإعادة الروح للتجارب الإنسانية المنسية، معتبرة أن المحرك الجوهري للإبداع هو ذلك الفضول الأبدي الذي لا يرتوي تجاه تفاصيل الحياة وتقلبات التاريخ، حيث يتحول النص عندها إلى جسر يربط بين الماضي والحاضر ليمنح التجربة العابرة خلوداً رمزياً، ومن قلب هذه المكابدة الإبداعية، يبرز صوت بول لينش الذي يصف الكتابة بتشبيه سيزيفي بليغ، فهي ليست مجرد رصف للكلمات بل هي عملية شاقة تشبه دحرجة صخرة ثقيلة نحو قمة شاهقة على مدار سنوات من العزلة والترقب، حيث يعيش الكاتب في قلق دائم من أن تتعثر خطاه أو تسحقه ضخامة المهمة قبل أن تصل رسالته إلى شاطئ القارئ، مما يعكس تضحية الكاتب الكاملة في سبيل الوصول إلى الحقيقة الفنية، وفي سياق التجديد السردي، يطل جورجي جوسبودينوف ليقدم مرافعة فنية ضد الخطوط المستقيمة في الحكي، فهو ينحاز للمتاهات والممرات الجانبية التي تشبه تعرجات الذاكرة وتداخل الأفكار البشرية، معتبراً أن الرواية الحديثة يجب أن تعكس هذا التشظي الذي نعيشه، بعيداً عن السرد التقليدي الرتيب، وتكتمل هذه اللوحة بلمسات إنسانية واجتماعية مع برهان سونميز الذي يرى في الأدب قوة مقاومة ناعمة قادرة على هدم جدران الكراهية وبناء جسور من التفاهم بين الشعوب، مؤكداً أن الثقافة هي الكيان الحي الذي يتنفس في أرواحنا ويحمينا من جفاف الأيديولوجيات وصراعات القوى، وتختتم هذه الدائرة الأوروبية بصرخة انتصار للإنسان في وجه الآلة، حيث تعلن ليديا جورجي بوضوح أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت درجة تطوره، سيظل عاجزاً عن محاكاة "المفاجأة" التي تنبثق من التجربة الإنسانية الفذة، فالأدب عندها هو "اختراع للحياة" بكل عفويتها وآلامها وصدقها، وهي منطقة تظل عصية على البرمجة، ليبقى الإبداع البشري هو الحصن الأخير للروح في مواجهة عالم مادي متسارع، إن هذه الحوارات بمجملها لا تقدم مجرد تقنيات للكتابة، بل تقدم فلسفة حياة ترى في الكلمة وسيلة للخلاص وأداة لإعادة بناء العالم من منظور أكثر رحمة واتساعاً.
وتأخذنا نسرين البخشونجي في فصل "فراشات إفريقيا" إلى عوالم أدبية تعيد صياغة التاريخ والذاكرة عبر حوارات معمقة مع أدباء من القارة السمراء، حيث يبرز الكاتب الأنجولي خوزيه إدواردو أجوالوسا كصوت متميز يمزج بين الصحافة والأدب، معتبراً أن الرواية قصة رمزية تسبح في فضاءات السخرية والشعر في آن واحد، ويتجلى في حديثه شغف باستكشاف موضوعات الاستعمار والحرب الأهلية في أنجولا والمنفى، خاصة في روايته "جمعية الحالمين المترددين" التي لا ترتبط بزمان أو مكان محددين ولكنها تشير بذكاء إلى أحداث حقيقية في تاريخ بلاده، مؤكداً أن الأحلام تعدنا للواقع بينما الطوباويات السياسية هي التي تغيره بالفعل.
ويشير أجوالوسا إلى حاجة البشرية لخلق طوباويات جديدة لمواجهة التحديات المعاصرة مثل الاحترار العالمي وفشل النموذج الرأسمالي، موضحاً في سياق آخر رمزية الشخصيات في روايته "نظرية عامة للنسيان" التي تقمص فيها شخصية امرأة مسنة تعاني من الرهاب الاجتماعي، وكيف أن الطفل "سابالو" يمثل فكرة قبول الآخر الذي يسكن في دواخلنا جميعاً، أما الكاتب ديفيد ديوب، فيطرح رؤية فلسفية للأدب الذي يتناول التاريخ بوصفه وسيلة أساسية لإعطاء صوت للمهزومين والمنسيين في صفحات الكتب الرسمية، وهو ما يمنح السرد بعداً إنسانياً وحقوقياً، وفي منحى تقني، يشاركنا الكاتب الأنجولي أوندجكي، الذي اختار هذا الاسم المستعار الذي منحه إياه والداه، تجربته الإبداعية وتحدياتها، موضحاً أن كتابة القصة القصيرة تشكل تحدياً فنياً يتجاوز صعوبة كتابة الرواية، لما تتطلبه من تكثيف ومهارة خاصة في القبض على اللحظة الإنسانية، تعكس هذه الحوارات بمجملها خصوصية الأدب الإفريقي المعاصر الذي لا ينفصل عن جراحه التاريخية، بل يستخدم الخيال والرمزية كأدوات للمقاومة والتحرر وفهم الذات والهوية وسط تعقيدات العالم الحديث.
نسرين البخشونجي تأخذنا في فصل "فراشات إفريقيا" إلى عوالم أدبية تعيد صياغة التاريخ والذاكرة عبر حوارات معمقة مع أدباء من القارة السمراء
وفي رحاب القارة اللاتينية وأميركا الشمالية، يبرز الاهتمام بإعطاء صوت للمهزومين وتناول التاريخ والذاكرة بطرق رمزية وسردية تقترب من الشعر والسخرية في آن واحد، حيث تتجلى العلاقة المعقدة بين الذاكرة والألم في حوارات نسرين البخشونجي مع رواد الأدب هناك، فيبرز الكاتب الكولومبي إكتور آباد فاسيولينسي الذي يرى أن "الذاكرة السيئة" والمنسية هي المنبع الحقيقي لخياله الإبداعي، فبدلاً من استحضار الوقائع التاريخية الجامدة، يقوم الكاتب بتصفية تجاربه الشخصية وذكرياته المؤلمة ليحولها إلى عوالم سردية تفيض بالحب والوجع الإنساني، معتبراً أن الأدب هو المحاولة الدائمة لاستعادة ما فقده الزمن وتخليد الشخصيات التي غادرت حياتنا، مثلما فعل في تخليد ذكرى والده، مؤكداً أن الكتابة هي الوسيلة الوحيدة التي تجعل الفقد محتملاً، وبذات الشجن الممزوج بالعمق السوسيولوجي، تطل الكاتبة الأرجنتينية كلاوديا بينيرو لتقدم رؤية مغايرة تتجاوز تصنيفات أدب الجريمة التقليدي، فهي لا تكتفي برصد الفعل الجرمي بل تغوص في فلسفة الموت كحقيقة إنسانية مطلقة ومحدودية البشر، وترى أن رواياتها هي في جوهرها قصص عن الموتى وعن الأثر الذي يتركونه في حياة الأحياء، مما يجعل السرد لديها وسيلة لاستنطاق المسكوت عنه في المجتمع الأرجنتيني ومواجهة الهشاشة البشرية أمام الفناء، وتلتقي هذه الرؤى في تأكيدها على أن الأدب في أمريكا الجنوبية لا ينفصل عن الواقع السياسي والاجتماعي المأزوم، بل يستخدم الخيال كمرآة عاكسة لتلك التحديات، حيث تصبح السيرة الذاتية في حوارات هؤلاء الكتاب مجرد نقطة انطلاق نحو فضاءات تخيلية أرحب تمنح المعنى لتجارب الفقد والغياب، وتجعل من فعل الكتابة تجربة تطهيرية تعيد صياغة الواقع بلمسات من السحر والواقعية المريرة في آن واحد، أما في القسم الخاص بكتاب الولايات المتحدة وكندا، فيبرز جوناثان إيسكوفري وعمر العقاد فكرة بناء عوالم قابلة للتصديق انطلاقاً مما نعرفه كحقيقة، حيث تصبح الكتابة وسيلة للتواصل مع الذات وفهم الهوية، إن هذا الكتاب بمجمله يقدم صورة بانورامية للإبداع الإنساني، مؤكداً أن الأدب، مهما اختلفت لغاته ومشاربه، يبقى رسالة عالمية تهدم الجدران وتدعو للتسامح والحوار من أجل مستقبل يسوده السلام والمساواة.