جنون العظمة في طهران.. وهمٌ يضع النظام على حافة الجحيم
في محاولة منه لضمان بقائه وتعزيز موقفه التفاوضي، يسارع النظام الإيراني إلى ترتيب أوراقه الإقليمية والتربّح مما يصنعه من أزمات. ففي لبنان يدفع حزب الله إلى مبادرات إعادة إعمار مُرهِقة في إطار مسعاه لمواجهة الضغوط الغربية الرامية إلى نزع سلاح الحزب. أمّا في اليمن فيستخدم الملالي الحوثيين لإرسال رسائل عسكرية إلى إسرائيل وأميركا والغرب عموماً. وفي آسيا غير العربية يسعى نظام ولاية الفقيه إلى تحسين علاقاته مع باكستان وأرمينيا أملاً في كسر الحصار الاقتصادي الشكلي المفروض عليه.
لكن هذه التحركات، التي يحرص النظام على إظهارها وكأنها خطوات واثقة ومحترفة، تفتقر إلى الحقيقة. ومن يخرج عن الحقائق لا يكون سوى أسير وهم. والحقيقة التي يجب التسليم بها اليوم هي أن النظام يتخبّط، وأن أدواته في المنطقة ليست سوى امتداد لحاله الداخلي. فحزب الله يواجه ضغوطاً داخلية وخارجية غير مسبوقة، والحوثيون عاجزون عن تغيير المعادلات الإقليمية الكبرى، والعلاقات مع دول مثل روسيا لن تكون بديلاً عن العزلة الاقتصادية الناتجة عن العقوبات. وأي مساعٍ يُقدم عليها النظام لن تُرهقه وحده، بل سترهق شعوب لبنان والعراق واليمن أيضاً، مما سيؤدي في نهاية المطاف إلى تصاعد الانفجار الشعبي ضده والقضاء عليه.
في المحصلة، تشتت هذه المناورات موارد النظام من دون أن تُمكّنه من معالجة جذور أزماته. وبينما ينشغل بألاعيبه ومؤامراته، تتفاقم معاناة الشعب الإيراني، حيث يعيش أكثر من 30 مليون مواطن تحت خط الفقر، ويضطر آلاف إلى بيع أعضائهم لتأمين لقمة العيش، في ظل فشل النظام وتخبّطه، والتضخم الخانق، والقمع والاستبداد الذي بات وسيلته الوحيدة للبقاء. ومن هنا، لم يعد الشعب يرى في شعارات "محور المقاومة" سوى ذريعة لتبرير فشل النظام وقمعه. أما النظام الذي يدّعي مواجهة "الاستكبار العالمي"، فيمارس أقسى أشكال الاستبداد ضد مواطنيه، حتى سقطت شرعيته في أوساط أنصاره المنتفعين.
دولياً وإقليمياً يحاول نظام الملالي استعراض قوته وقدرته على التحكم في مصير المنطقة عبر بيادقه في لبنان والعراق واليمن، ومن خلال ادعاء تأثيره في القوقاز وباكستان ومحيطه الأوسع. غير أن تصريحات مسؤوليه وتحركاتهم لم تفضِ إلى رسم صورة نظام قوي متماسك قادر على الصمود، بل كانت مجرد شعارات تخفي وراءها حقائق مُرّة، وتُظهِر هشاشة النظام وتصدعه، وحجم مخاوفه من تصاعد الغضب الشعبي في الداخل بالتزامن مع أي حراك خارجي جاد. وهنا يرى أهل الرأي أن مناورات نظام ولاية الفقيه ما هي إلا محاولات يائسة للتغطية على أزماته الداخلية التي باتت تنخر جسده.
حالة الغليان والسخط الداخلي في إيران تجسدت بوضوح في التظاهرة الحاشدة التي نظمها الإيرانيون في بروكسل يوم 6 سبتمبر 2025 بمناسبة الذكرى الستين لتأسيس منظمة مجاهدي خلق. فقد طالب المتظاهرون بالحرية، ورفضوا شتى أشكال الدكتاتورية، داعين إلى إسقاط النظام وتغييره، ومؤيدين خطة مريم رجوي ذات البنود العشر لبناء إيران ديمقراطية. كما دعوا المجتمع الدولي إلى دعم البديل الديمقراطي، وإدراج ما يسمى بـ"الحرس الثوري" على قوائم الإرهاب. ولم يكن هذا الحدث مجرد احتجاج، بل رسالة واضحة تشير إلى تحوّل تاريخي عكس وحدة الإيرانيين في الداخل والخارج، وإصرارهم على إزاحة نظام الملالي من الوجود، ورفض أي فرضيات سياسية يأتي بها الغرب.
في الختام، لن تنجح المناورات والمؤامرات الخارجية التي ينتهجها النظام الإيراني في إخفاء حقيقته، ولن يتمكن من تفادي ثورة الغضب القادمة التي ستطيح به، لترسم مستقبل إيران وتحقق آمال مواطنيها.