حراك سياسي داخل البرلمان المصري

حتى يصبح الحراك داخل البرلمان نافعا لا بد أن تكون له أصداء عملية، ممثلة في شكل ومضمون التشريعات التي تصدر وتوافقها مع تطلعات فئة كبيرة من المصريين.

القاهرة - يشهد مجلس النواب المصري المنتخب حديثا، وهو الغرفة الأولى للبرلمان، حراكا سياسيا لم يلاحظه المواطنون في نظيره السابق. وبدأت الدماء تفور في شرايين عدد من الأعضاء ويستنفرون أسلحتهم السياسية لتوجيه انتقادات لرئيس الحكومة وطاقمه الوزاري، ومناقشة مجموعة مهمة من القضايا، معظمها يمس أوجاع جماهيرية كان التطرق إليها غائبا، أو لم يكن بهذه الدرجة من الصراحة والوضوح.

يناقش البرلمان حاليا حزمة من مشروعات القوانين الجماهيرية، أبرزها: تشديد العقوبة على سرقات الكهرباء وجعل الحبس وجوبيا أحد الخيارات كنوع من الردع، لأن السرقات استفحلت بشكل أضاع على ميزانية الدولة مليارات من الجنيهات.

وهناك مناقشة حامية حول وضع قانون لحظر مواقع التواصل الاجتماعي على الأطفال، وإجراء حوار مجتمعي بشأن الصيغة التي سيخرج بها للمواطنين. ناهيك عن إمكانية إعادة النظر في الضريبة المفروضة على الهاتف المحمول بعد أن أدى تطبيقها مؤخرا إلى غليان لدى شريحة من المجتمع تعمل خارج البلاد، وتمثل تحويلاتها المالية جزءا حيويا للاحيتاطي المصري من العملات الأجنبية. علاوة على قانون تسلل إلى مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان) وحظي بموافقة ويتعلق بفرض ضريبة جديدة على العقارات، وسيتم تقديمه قريبا إلى مجلس النواب، وأحدث غضبا في صفوف مواطنين وعدد من أعضاء البرلمان.

اللافت في الحراك الجديد هو مشاركة أعضاء في البرلمان من اتجاهات سياسية مختلفة. بعضهم يمثلون أحزابا داعمة للحكومة وسياستها. وبعضهم ينشطون في صفوف المعارضة ويسعون لتأكيد حضورهم من خلال البرلمان. وثمة من يمارس دورا تصعيديا ودخل البرلمان محسوبا على تيار المستقلين. لم يتورع كل هؤلاء عن تحميل الحكومة مسؤولية كبيرة على ما وصلت إليه الأوضاع الاقتصادية من تراجع، بما أرخى بظلاله على حياة قطاع من المواطنين يعيشون تحت خط الفقر.

وبدأ البعض من النواب يتطرقون إلى قضايا كان مسكوت عنها من قبل. في مقدمتها ديون هيئة الكهرباء لدى كثير من الوزارات والمؤسسات الرسمية، تفوق 320 مليار جنيه (حوالي 7 مليارات دولار). وإذا كانت الحكومة حريصة على جمع أموالها فعليها أن تؤدي ما عليها قبل أن تتجه إلى فرض ضرائب على المواطنين.

أحدثت الجرأة التي ظهرت في الخطاب العام داخل مجلس النواب وانعكست على كلمات بعض الأعضاء، حراكا سياسيا غير معهود في سابقه. وأوحت بأن البرلمان المنتخب حديثا وبدأ يمارس عمله في أوائل يناير/كانون الثاني سيعيد أمجاد برلمانات مصرية سببت إزعاجا للحكومات من قبل، وسيقوم بدوره كما ينبغي في الشق الرقابي والمحاسبي والتشريعي، ولن يكون مستأنسا أو مدجنا أو منحازا لتأييد تصورات الحكومة. كأنه يحاول إعادة الهيبة إلى مجلس النواب وإحياء سنة الاستجوابات وطلبات الإحاطة ومواجهة تصرفات الوزراء بلا خجل وعدم وضع حواجز أو اعتبارات لحكومة مهمتها تنفيذية في المقام الأول.

لا يعكس الحراك الظاهر في البرلمان المصري حراكا موازيا داخل الأحزاب. فلا يزال معظم الأحزاب حبيس النظرة الأحادية ولم يشهد مناقشة ملفات سياسية واقتصادية تحمل قدرا من الشفافية. كما أن حضور الأحزاب في الشارع أصبح غير ملموس، ومنحصرا في الشق الاجتماعي وتقديم مساعدات للمحتاجين وتخفيف الأعباء عن آلاف من الأسر، وغابت عن الأحزاب الرؤية العامة التي تعد دستورا لكل منها، ويسعى للعمل على تنفيذها داخل أروقة البرلمان.

لم يشهد الشارع المصري زخما سياسيا يشير إلى أن النشطاء من الأحزاب والأعضاء داخل البرلمان يستمدون تحركاتهم منه، فالركود يخيم على الشارع والمجال العام، ولا توجد فعاليات ومؤتمرات حقيقية ينضم إليها المواطنون طواعية. وبدا النشاط الذي يشهده البرلمان بديلا عن أي حراك خارجه.

ما يقلل من أهمية توجيه انتقادات للحكومة والعافية التي ظهرت في البرلمان، عدم وجود ثقة في أن الحصيلة سوف تنتج مواقف صارمة، وتصل إلى المدى الذي يجبر الحكومة على مراجعة سياسات حملت المواطنين بتكاليف اقتصادية باهظة. وكي يثق الناس في ما يجري داخل البرلمان من الضروري توافر ثلاثة عناصر مهمة.

الأول: أن تكون الاستجوابات الموجهة للحكومة ووزرائها، والمناقشات التي تتم بشأن وضع تشريعات جديدة، والقوانين التي ستصدر عن البرلمان، مستجيبة لتطلعات الجماهير، ولا تتحول إلى مهدئات لخواطرهم، والإيحاء بأن هناك تحولا حقيقيا داخل البرلمان. وحتى يصبح الحراك نافعا لا بد أن تكون له أصداء عملية، ممثلة في شكل ومضمون التشريعات التي تصدر، وتوافقها مع تطلعات فئة كبيرة من المصريين.

الثاني: أن يشارك عدد كبير من الأعضاء داخل البرلمان في تقديم ما يثبت صواب رؤيتهم، بحيث لا تكون التفافا على تصورات الحكومة أو دعما خفيا لها. ولا ينتظر هؤلاء تعليمات تأتيهم من أجل تبني هذه الرؤية أو التراجع عن تلك. فالمصلحة الوطنية تنبع من الحياد والموضوعية والمصداقية وليس بالصراخ والصياح والصخب والعبارات الرنانة. فكم من أصوات علت داخل البرلمان، وكم من مفردات جرى انتقاؤها بعناية ولم تحدث أثرا في التشريع أو تستقطب دعما شعبيا.

الثالث: فتح مساحة لأعضاء البرلمان لتناول كل القضايا التي تهم المواطنين بلا حسابات ضيقة، والتخلي عن وضع خطوط حمراء حيال بعضها. فالبرلمان السابق وضع عشرات من التشريعات خلال فترة زمنية قصيرة، غالبيتها جاءت مؤيدة لتوجهات الحكومة، ولم تكن متسقة مع كثير من أوجاع الناس. على العكس حملتهم فوق طاقتهم المادية والمعنوية. ولم تكن مواكبة للتطورات السياسية، التي تحتاج إلى نظرة أخرى من جانب الحكومة لتعزيزها داخل البرلمان وخارجه.

ويرى خبراء أن وجود نشاط سياسي عام في الشارع المصري سيكون محفزا لأعضاء البرلمان للتصدي لأي خطوات سلبية تنتهجها الحكومة دون قصد، فعندما يكون مجلس النواب منتخبا بحرية وعبر اقتراع مباشر من مواطنين يستطيعون محاسبته وعدم إعادة انتخابه في المرة المقبلة، لن يفر الأعضاء من تلبية مطالبهم وتحقيق مصالحهم، أو يصبح الأعضاء أداة طيعة في يد الحكومة وما تريده من تشريعات تخدم رؤيتها.

تعتقد الحكومة أن الحراك السياسي في البرلمان لن يزعجها كثيرا، ولديها من الوسائل ما تستطيع فرملة أي نشاط ترفضه، ولا يضيرها وجود انتقادات لعدد من الوزراء. حيث تعتبر هذا النشاط أشبه بتنفيس عن الشارع، ووسيلة لامتصاص غضب مكتوم في الفضاء العام. وربما بداية لقياس مدى ما يجلبه من منافع، وما يصده من أضرار. وكلما كانت النتيجة مرضية زادت جرعة الحراك، فهناك مؤسسات تتحكم في صعوده وهبوطه، ما يجعله منضبطا ومتوافقا مع مقياسها للحجم المسموح به والممنوع عنه.