حراك عربي مكثف لإنقاذ هدنة هشة بين واشنطن وطهران
عمان - دخلت عواصم عربية الثلاثاء، على خط الأزمة المتجددة بين الولايات المتحدة وإيران، عبر سلسلة اتصالات سياسية ودبلوماسية مكثفة هدفت إلى دعم الوساطات القائمة ومنع انهيار مسار التهدئة الذي بدا خلال الأيام الماضية قريبا من تحقيق اختراق مهم.
وجاءت هذه التحركات في ظل تصاعد المخاوف من عودة المواجهة العسكرية إلى نقطة الصفر، بعدما شهدت المنطقة تطورات ميدانية وأمنية أعادت أجواء التوتر إلى الواجهة، رغم استمرار المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران لصياغة مذكرة تفاهم تمهد لاتفاق أوسع ينهي الحرب الدائرة منذ أشهر.
وشهد يوم الثلاثاء وحده سبع اتصالات بين قادة ومسؤولين عرب وإيرانيين، إضافة إلى اتصالات عربية - عربية، عكست حجم القلق الإقليمي من انهيار وقف إطلاق النار المؤقت، وحرص الدول العربية على احتواء الأزمة قبل انزلاقها إلى مواجهة أوسع تهدد أمن الخليج واستقرار الاقتصاد العالمي، خصوصا مع ارتباط الأزمة بأمن الملاحة في مضيق هرمز وأسواق الطاقة الدولية.
وجاء هذا الحراك بعدما أفادت وكالة 'فارس' الإيرانية بمقتل عدد من الأشخاص إثر غارة أميركية إسرائيلية استهدفت سفنا إيرانية قرب جزيرة لارك (أو خارق) في مضيق هرمز، في وقت شهد فيه المضيق خلال اليومين الماضيين اشتباكات متقطعة بين القوات الإيرانية والأميركية.
كما اتهمت وزارة الخارجية الإيرانية واشنطن بخرق وقف إطلاق النار المؤقت، مؤكدة أن طهران "لن تترك أي اعتداء دون رد"، وهو ما أعاد المخاوف من احتمال انهيار التفاهمات الهشة التي تم التوصل إليها بوساطات إقليمية ودولية.
وفي خضم هذا التصعيد، برزت الاتصالات العربية كجزء من محاولة جماعية لمنع توسع الأزمة، ففي اتصال جمع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني بملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، جرى التأكيد على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، مع التشديد على أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يضمن أمن الدول العربية ويحفظ استقرار المنطقة.
كما برز الدور المصري بشكل واضح من خلال الاتصال الذي تلقاه الرئيس عبدالفتاح السيسي من نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، حيث ناقش الجانبان تطورات المفاوضات الجارية والجهود المبذولة للتوصل إلى مذكرة تفاهم تمهد لاتفاق شامل.
وأكد السيسي خلال الاتصال دعم القاهرة الكامل للمسار التفاوضي، مشددا على رفض أي اعتداء على سيادة دول الخليج أو تهديد سلامة أراضيها، في رسالة تعكس تمسك مصر بمعادلة التهدئة وحماية الأمن العربي في آن واحد.
وأبدى الرئيس الإيراني تقديره للدور المصري والجهود الإقليمية المبذولة لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، مؤكدا حرص بلاده على تعزيز علاقاتها مع الدول العربية، وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي، في محاولة واضحة لطمأنة العواصم الخليجية التي أبدت مخاوف متزايدة من تداعيات الحرب.
وواصلت سلطنة عمان بدورها أداء دورها التقليدي كوسيط هادئ في أزمات المنطقة، حيث أجرى الرئيس الإيراني اتصالا مع السلطان هيثم بن طارق تناول سبل تعزيز الاستقرار الإقليمي والعلاقات الثنائية، مع إشادة إيرانية بالدور الدبلوماسي العماني في تقريب وجهات النظر وتهيئة الأرضية للحلول السياسية.
أما قطر، فقد كثفت تحركاتها الدبلوماسية عبر سلسلة اتصالات أجراها رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني مع مسؤولين من الإمارات والسعودية والأردن ومصر، ركزت جميعها على دعم الوساطة الباكستانية الجارية بين واشنطن وطهران.
وشدد المسؤول القطري خلال هذه الاتصالات على ضرورة تنسيق الجهود الإقليمية لخفض التصعيد، وفتح المجال أمام معالجة جذور الأزمة عبر الوسائل السلمية والحوار السياسي.
ويعكس الانخراط العربي المتزايد في ملف الوساطة إدراكا متناميا بأن أي انهيار للمفاوضات ستكون له تداعيات مباشرة على المنطقة، سواء من خلال تهديد أمن الطاقة والملاحة أو عبر احتمالات توسع العمليات العسكرية واستهداف القواعد والمصالح الأميركية في الدول العربية، كما حدث خلال الأشهر الماضية عندما شنت إيران هجمات قالت إنها استهدفت مواقع أميركية في المنطقة، وأسفرت عن خسائر بشرية وأضرار مادية في بعض الدول.
وتأتي هذه التطورات بينما تتواصل المؤشرات المتضاربة بشأن مستقبل المفاوضات، فبينما تحدثت تقارير أميركية عن اقتراب التوصل إلى اتفاق يشمل إعادة فتح مضيق هرمز والسماح لإيران ببيع النفط واستئناف المفاوضات النووية، عاد التصعيد الميداني ليلقي بظلال من الشك على فرص التوصل إلى تسوية قريبة.
ومع استمرار الوساطة الباكستانية وتحرك عدة عواصم عربية لدعمها، تبدو المنطقة أمام سباق دبلوماسي مع الزمن، هدفه منع انهيار التهدئة وتحويل وقف إطلاق النار المؤقت إلى اتفاق دائم يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار الإقليمي، في وقت يدرك فيه الجميع أن أي انفجار جديد قد تكون كلفته السياسية والاقتصادية والأمنية باهظة على الشرق الأوسط والعالم بأسره.