حرب الدولار وضحاياها الفقراء

كف اللبنانيون عن تتبع أخبار الدولار بعد أن هزمهم لتزين تلك الأخبار المسلة المصرية بسطورها الغامضة.
مثلما انفرد حزب الله بالحكم فقد قرر أن يضع مصرف لبنان تحت وصايته
حرب الدولار تُشن هذه المرة على مصر من لإضعافها أمام الفئات الطفيلية المتضررة

ما أخبار الدولار؟ سؤال يقلق الشعوب العربية فيما تغض الحكومات النظر عنه فهي لا تملك جوابا يخفف من ذلك القلق.

صارت أخبار الدولار هي حديث الناس في مصر بعد أن ضربت أحوالهم في لبنان. هناك مَن يتعامل به في سره وعلانيته. هو محور الاقتصاد اليومي كما لو أنه كان منذ الأزل العملة التي يطرز أخضرها الأصابع بثغائه. خروف الأمس الذي تحول إلى ذئب صارخ في البرية.

كف اللبنانيون عن تتبع أخبار الدولار بعد أن هزمهم لتزين تلك الأخبار المسلة المصرية بسطورها الغامضة. ما سر ذلك التعلق بالدولار؟ يحدث لنا ما لا يحدث للآخرين. ألأن نظامنا المالي متهالك وقديم وضعيف ورث ومتفكك وغير قادر على الدفاع عن نفسه؟

لم يكشف النظام المالي اللبناني عن عيوبه إلا عن طريق الاتهامات المتبادلة بين مصرف لبنان وحزب الله. يقال إنها مسألة سياسية لها علاقة بصراع داخلي بين الطوائف. تلك كذبة. حزب الله يتاجر بالدولار وهو يرسم للبنان مستقبلا حزينا. لبنان هو مصرفه. حتى في أسوأ أيام الحرب الأهلية لم يجرؤ أحد على قصف مصرف لبنان.

حزب الله قرر أن ينهي العمل بتلك المعادلة الحذرة.

ومثلما انفرد بلبنان فإنه قرر أن يضع مصرفه تحت وصايته.

تلك معجزة كان من الممكن أن يضيفها حزب الله إلى معجزاته السلبية. لكنه فشل في اتمام صفقته مع الشياطين. حينها وضع لدولار تحت ابطه وصار يلعب بمصائر اللبنانيين من خلاله.

ولكن ما الذي يحدث في مصر؟  

ذلك ما يمكن أن يجيب عنه الاقتصاديون الذين تغص بهم دولة كبيرة مثل مصر. ولكن لا أحد يسألهم. ارتفعت أسعار المواد الأساسية وقيل إن سعر صرف الدولار مقابل الجنيه هو السبب. ذلك لغز لا يمكن تفسيره من قبل الناس العاديين الذين لا يتعاملون بالعملة الأميركية. لعبة هي أكبر منهم.

لعبة تعب منها اللبنايون والآن حان دور المصريين.

فإذا كانت تلك اللعبة سياسية في لبنان فينبغي أن لا تكون كذلك في مصر. مصر بلد مستقر وليس فيه كيان متوحش مثل حزب الله.

المضاربات وسلة العملات وجنون الأسهم وغيرها من المفاهيم الاقتصادية النزيهة وغير النزيهة لا تعني شيئا بالنسبة للفقراء الذين صارت جيوبهم اليوم تفرغ أسرع من الأمس.

عند هذا الحد تنتهي حكاية الفقراء مع الدولار. اما حكاية الحماية التي يجب أن تقف بينهم وبين الأثر السيء لانهيار سعر الصرف فهي من واجب الحكومة المكلفة بتصريف شؤونهم.

اما أن يُتركوا من غير حماية فذلك يعني أن كل آمالهم قد أطيح بها وأن حياتهم صارت عرضة لخراب لا تفعله إلا الحروب. حرب الدولار تطحن المجتمعات وتزيد من نسبة فقرائها وتهددها بالتمزق والانهيار.

وإذا شاءت الدولة أن تعالج المشكلة عن طريق العنف فإنها تكشف غن عجزها وتزيد من حدة التوتر وقد تصل الحلول إلى نتائج عكسية. 

فما لم يتم احترام العملة المحلية، أيا كان سعر صرفها فإن كل المعالجات تبدو ناقصة ومتوترة بل وضارة. ولكن من المسؤول عن ذلك إذا كانت الحكومات قد تركت فئات بعينها تتلاعب لسوق العملات؟

ليست الحكومة في منأى من النقد الجارح إذا ما امسى الفقراء بنكبة مضافة. فالأمر يتعلق بالغذاء وليس بشيء كمالي. فإذا تحقق الأمن الغذائي فلا أعتقد أن الفقراء سيهتمون بأخبار الدولار. وقد يكون هناك مَن لا يعرف أين تقع دولته على الخارطة. النكبة الحقيقية تضرب بعاصفتها الكيان المجتمعي إذا ما تم ربط الغذاء بسعر الدولار. وهنا تبدأ لعبة لم يكون الفقراء مؤهلين لخوضها.

تلك هي الحرب بكل معانيها. حرب الأثرياء على الفقراء وحرب الفئات الطفيلية على المجتمع وحرب الحكومة على المستفيدين من خدماتها. كل طرف يفكر في انتصاره وهزيمته في الوقت نفسه.

في لبنان هزم حزب الله الدولة والمجتمع عن طريق الكارثة المالية التي كان الدولار أحد أسبابها الرئيسة حين امتدت يد الحزب إلى سوق صرف الليرة المنهكة أصلا وصار يلعب بها مثلما تشاء مصالحه في تمويل حربه في سوريا.

اما في مصر فيحب أن تكون الأمور مختلفة. فحرب الدولار هذه المرة تُشن على الدولة المصرية من أجل إضعافها مقابل الفئات الطفيلية المتضررة من من مشاريع النمو الاقتصادي.

ذلك لم يمنع الفقراء من السؤال المرير الذي يكشف عن كونهم أول الضحايا "ما هي أخبار الدولار؟" وسط ضجيج الحروب الأخرى.