حملة على داعش تختبر جدية الشرع في مكافحة الإرهاب
عفرين (سوريا) - في تحرك يُعدّ الأول من نوعه منذ انضمام سوريا رسمياً إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أعلنت وزارة الداخلية السورية إطلاق حملة أمنية واسعة في منطقة عفرين بمحافظة حلب، استهدفت خلايا وأوكارا مرتبطة بالتنظيم. الخطوة، فيما تعكس الخطوة التي جاءت بالتنسيق بين قيادة الأمن الداخلي وجهاز الاستخبارات العامة، محاولة من الإدارة السورية الجديدة لإظهار سيطرتها على الأرض واستعدادها للانخراط في منظومة الأمن الإقليمي والدولي بعد مرحلة سياسية هي الأكثر تحوّلاً في تاريخ البلاد الحديث.
ووفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، ركّزت الحملة على "خلايا متورطة في تنفيذ أعمال عدائية تهدد أمن المواطنين واستقرار المحافظة". ورغم أن عفرين لطالما كانت منطقة شديدة التعقيد من حيث توزع النفوذ المسلح، فإن اختيارها كنقطة انطلاق لتحرك أمني بهذا الحجم يحمل دلالات واضحة: النظام الجديد يريد إرسال رسالة مفادها أنه قادر على دخول مناطق لطالما عُرفت بالهشاشة الأمنية، وأنه لا ينوي ترك أي فراغ قد يعيد داعش أو التنظيمات المتطرفة إلى الواجهة.
الشريك رقم 90 للتحالف الدولي
وقد اعتبر إعلان السفارة الأميركية في العاصمة السورية عن انضمام سوريا رسمياً للتحالف الدولي ضد داعش، لحظة رمزية فارقة، ليس فقط لدمشق، بل للتحالف نفسه، فبعد أكثر من عقد من القطيعة والاتهامات المتبادلة بين واشنطن والنظام السابق، جاءت هذه الخطوة لتعكس تغيراً جذرياً في أولويات الإدارة السورية الجديدة التي تشكّلت بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
ومنذ تأسيس التحالف الدولي عام 2014، ظلّت دمشق خارج هذه المنظومة رغم أن العمليات العسكرية للتحالف كانت تجري في سمائها وعلى أرضها. اليوم، تبدو سوريا وهي تنضم كـ"شريك كامل" وهو وصف ذو دلالات سياسية وكأنها تعيد صياغة علاقاتها الأمنية مع المجتمع الدولي، مدفوعة بحاجتها إلى تحييد التهديدات المتطرفة، وإعادة بناء المؤسسات، وإثبات أنها طرف يمكن التعامل معه في المرحلة المقبلة.
وبعد دخول الثوار السوريين إلى العاصمة دمشق في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، ثم إعلان الإطاحة بنظام الأسد، باتت الحكومة الجديدة أمام تحديات مركبة: فراغ أمني في عدد من المناطق، انتشار للسلاح، خلايا نائمة، وبنية أمنية منهارة تحتاج لإعادة التأسيس من جديد. في هذا السياق، تبدو حملة عفرين ليست مجرد عملية ضد خلايا داعش، بل جزءاً من مشروع أوسع لإعادة ترميم الأمن الوطني.
وتعتبر عفرين تحديدا نموذجاً مصغّرا للمعضلات السورية المعاصرة: خليط من القوات المحلية، مجموعات مسلحة مدعومة إقليمياً، بنية اجتماعية متعددة، وموقع استراتيجي حساس قرب الحدود التركية. ولذلك، فإن أي تحرك أمني ناجح فيها يُعد بمثابة اختبار لمدى قدرة الحكومة على فرض نموذج حكم يمكن تعميمه في مناطق أخرى.
ومن الواضح أن للحملة أبعادا سياسية لا تقل أهمية عن أهدافها الأمنية، فالنظام الجديد يسعى إلى: تعزيز شرعية الدولة عبر إظهار قدرتها على محاربة الإرهاب دون الاعتماد على قوى خارجية على الأرض وطمأنة المواطنين بأن مرحلة الفوضى التي أعقبت سقوط النظام السابق لن تمتد طويلاً وكذلك إثبات الالتزام الدولي تجاه الشركاء الجدد في التحالف وخصوصاً الولايات المتحدة.
كما يسعى النظام الجديد القادم منن خلفية إسلامية والموسوم قبل توليه السلطة بـ"التطرف"، إلى إبعاد نفسه عن إرث النظام السابق الذي لطالما اتُهم باستخدام تنظيمات متطرفة كورقة ضغط سياسية، أو غض الطرف عن تمددها لتحقيق مكاسب تكتيكية.
كما أن هذا التحرك قد يُقرأ في إطار محاولة دمشق الجديدة لإعادة بناء علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية عبر إظهار جدية في مكافحة الإرهاب، وهو الملف الأكثر حساسية في المنطقة.
وعلى الرغم من الانخفاض الكبير في قدرة داعش على شن هجمات كبيرة، فإن خلايا صغيرة لا تزال تنشط في مناطق تتسم بالهشاشة الأمنية، خصوصاً في شمال سوريا وشرقها. وقد حاول التنظيم خلال العامين الماضيين إعادة التموضع مستفيداً من الفوضى الناجمة عن تقلص نفوذ النظام السابق وصراعات القوى المحلية. من هنا تأتي أهمية استهداف تلك الخلايا في عفرين التي تُعتبر نقطة عبور بين مناطق النفوذ المتجاورة.
وتمثل الحملة الأمنية في عفرين خطوة أولى في اتجاه طويل ومعقد، لكنها تحمل مؤشرات على أن سوريا تدخل مرحلة جديدة من إعادة بناء الدولة، تقوم على شراكات دولية مختلفة، ورؤية أمنية تحاول تجاوز إرث العقد الماضي. نجاح هذه الحملة لا يُقاس فقط بعدد الخلايا التي تم تفكيكها، بل بمدى قدرة الدولة الجديدة على فرض نموذج مستدام للأمن والاستقرار، وإقناع السوريين أولاً بأنها قادرة على حماية البلاد من عودة الإرهاب، وعلى إعادة تماسك مؤسساتها من جديد.