حوار 'ياغي'.. السبق الصحفي والصحافة العلمية

الصحفي العلمي الكفء ما زال عملة نادرة في عالمنا العربي، وبخاصة مع تعدد التخصصات والمجالات العلمية الجديدة.

فوز العالم العربي عمر ياغي، أستاذ الكيمياء بجامعة كاليفورنيا بيركلي، بجائزة نوبل للكيمياء لعام 2025، بالشراكة مع اثنين آخرين، لتطويرهم أطراً معدنية عضوية metal–organic frameworks (MOFs)، يفتح الباب واسعاً لمناقشة دور الصحافة العلمية والإعلام العلمي في تعريف القارئ العربي بعلمائنا العرب في الخارج وإنجازاتهم العلمية، وبخاصة النماذج العربية التي لا نعرفها أو لا نعرف عنها إلا القليل، والتي تزخر بها المؤسسات العلمية العالمية، والذين ساهموا بإنجازات علمية جعلتهم ينالون أرفع المناصب ويحصلون على أعلى درجات التكريم في هذه الدول.

في أكتوبر/تشرين الأول عام 2011 أجريت حوار علمي مع العالم عمر ياغي، ونشر في صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية العربية الدولية الرائدة التي تصدر من لندن، ونشر في أكتوبر/تشرين الأول عام 2011، وقد تناول هذا الحوار تعريفا بالعالم العربي عمر ياغي وإنجازاته العلمية الرائدة في مجال الأطر المعدنية العضوية.

وقتها، هذا الحوار العلمي يعد سبقا علمياً في مجال الصحافة العلمية والإعلام العلمي، حيث كان القارئ العربي لا يعرف عن العالم العربي "ياغي"، وإنجازاته العلمية الرائدة، إلا القليل.

فوز العالم العربي "ياغي" بجائزة "نوبل"، يجب ألا يمر بدون مناقشة أدوار ومهام الصحافة العلمية والإعلام العلمي، وبخاصة مع الحراك الحالي والمتزايد الذي يشهده الآن قطاع العلم والتكنولوجيا والبحث العلمي في عالمنا العربي، متمثلا في ظهور مشروعات وخطط علمية وبحثية جديدة، وعقد للمؤتمرات العلمية الدولية في مجالات حديثة، حيث لم يعد كافياً فقط أن تنشر الصحافة العربية أخباراً أو مادة علمية من هنا أو هناك، أو تغطية علمية ـ قد تكون سريعة وقاصرة ـ للمؤتمرات من خلال نشر البيانات والتصريحات الصحفية التي تصدرها الهيئات والمؤسسات العلمية المنظمة لها والتي تتناولها وتكررها الصحف، أو إصدار صفحات علمية قد يتم تحريرها على عجالة، وتكون مجرد شغل للمساحات المتاحة، بل لا بد من تأسيس صحافة علمية لها رسالة واضحة المعالم والأهداف ورؤية جديدة عميقة تتبناها المؤسسات الصحفية وتساهم فيها، جنباً إلى جنب، المؤسسات العلمية والمراكز البحثية لتحقيق نهضة علمية واعدة.

الصحافة العلمية تحتاج إلى رؤية جديدة ترفع من نوعيتها وتأثيرها وتميزها، تتبناها ليس فقط المؤسسات الصحفية وإنما أيضاً الجامعات والمؤسسات ومراكز البحوث والجمعيات العلمية

من واقع خبرتي وتجاربي الصحفية في الصحافة العلمية وبخاصة في صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية، حيث كتبت فيها التقرير العلمي والخبر العلمي والرأي العلمي، كما أجريت العديد من الحوارات العلمية الجادة، مع علماء عرب وأجانب، أمثال، الدكتور أنتوني عطا الله، مدير معهد طب التجديد في جامعة ويك فوريست في مدينة وينستون - سالم بولاية كارولينا الشمالية الأميركية، والذي يعد أحد أبرز رواد العالم في مجالي طب التجديد وهندسة الأنسجة، وجيسون بونتن، والذي تولى رئاسة تحرير ونشر مجلة "إم آي تي تكنولوجي ريفيو" الأميركية في الفترة (2005-2017)، والدكتور فاروق الباز، مدير مركز الاستشعار عن بعد بجامعة بوسطن، والدكتور منير نايفة، أستاذ الفيزياء النظرية والنانوتكنولوجي بجامعة الينوي الأميركية، والدكتور فتحي غربال أستاذ الروبوتات والأنظمة الذكية بجامعة رايس الأميركية، والدكتور عمر ياغي، أستاذ الكيمياء والكيمياء الحيوية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلس، والدكتور شارل العشي، المدير السابق لمختبر وكالة ناسا للدفع النفاث، وأستاذ الهندسة الكهربائية وعلوم الكواكب بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، والدكتور جيم الخليلي، رئيس جمعية العلوم البريطانية وأستاذ الفيزياء النظرية والمشاركة المجتمعية في العلوم بجامعة سري البريطانية، والمذيع التلفزيوني، وغيرهم، وقد أثنى عليها العديد من القراء والمتابعين، من خلال ذلك أستطيع القول بأن الصحفي العلمي الكفء ما زال عملة نادرة في عالمنا العربي، وبخاصة مع تعدد التخصصات والمجالات العلمية الجديدة، حيث لم يعد كافياً فقط أن يكون هناك صحفي علمي يتناول ويغطي جميع التخصصات العلمية، بل أصبح هناك ضرورة ـ كما يوجد في الدول المتقدمة ـ أن يكون لدينا صحفيون علميون متخصصون في مجالات علمية محددة. ففي الصحافة العلمية في الدول المتقدمة نجد صحفيا متخصصا في شؤون النانوتكنولوجي (التقنيات المتناهية الصغر)، أو في الذكاء الإصطناعي والروبوتات أو في شؤون البيئة أو في تقنية المعلومات أو في الصحة أو في الغذاء، إلى غيره من شؤون وتخصصات علمية وتكنولوجية مستحدثة، كما نجد تغطية علمية جادة وتنظيم ندوات ومناظرات وحوارات حول أبعاد وآثار وتحديات التطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة مثل الذكاء الإصطناعي والروبوتات، بينما المواطن العربي قد لا يعرف عن ذلك الكثير نظراً لقصور وتقصير الصحافة العلمية العربيةً.

نظرة سريعة على واقع الصحافة العلمية في عالمنا العربي، نجد أنها مظلومة، لم تجد من ينصفها ويرعاها حتى الآن. فالعلم يظهر دائماً على استحياء في وسائل الإعلام العربية، كما أنه ما يزال محدوداً وقاصراً عن اللحاق بركب التَّقدم العلمي والتكنولوجي المتسارع في العالم. وما زال المفهوم التقليدي للثقافة محصورا لدينا في مجالات الأدب والتاريخ والتراث والفنون والسياسة والرياضة. كما أن الأخبار والتقارير العلمية أقل من الحاجة المطلوبة، وأغلبها يقتصر على موضوعات مترجمة وسبق نشرها منذ أشهر، كما أنه ليس لدينا عدد كاف من الصحفيين العلميين ممن لديهم المهارات والقدرات والأدوات التي تمكنهم من إعداد التقارير العلمية المهنية المميزة وفهم الأنشطة والمجالات العلمية للمراكز البحثية والهيئات العلمية، والاقتراب عن ثقة لمحاورة العلماء والباحثين في هذه المؤسسات وفي المؤتمرات العلمية التي قد تمر دون أن يعلم الجمهور عنها وعن العلماء الحاضرين فيها سوى أخبار سريعة تتناقلها جميع الصحف، ولهذا لم تنجح الصحافة العلمية العربية في أداء دورها المنشود في نشر الوعي العلمي بين عامة الجمهور، والدفع قدماً بسياسات العلوم والتكنولوجيا العربية.

لقد أصبحت ثمة ضرورة عاجلة لإعداد دورات تدريبية بصفة مستمرة لتنمية وتطوير مهارات الصحفيين العلميين، يشارك فيها كوادر صحفية علمية وعلماء متخصصون، وبخاصة قبل انعقاد المؤتمرات والأحداث العلمية الدولية المهمة، مع تزويدهم بالكتب العلمية الأساسية والمواقع العلمية على شبكة الإنترنت الضرورية للعمل في الصحافة والإعلام العلمي، وكذلك ضرورة تأسيس أقسام علمية بالصحف لها رؤية وبرامج واضحة، تضم صحفيين لديهم الخبرات والمهارات وفنيات الكتابة الضرورية لمعالجة القضايا والشؤون العلمية، على أن يساهم في تطويرها وإنجاحها علماء متخصصون ممن لديهم الحس الصحفي والإعلامي.

ويمكن للصحافة العلمية أن تضع نفسها في موقع متقدم من الصحافة المتخصصة وضمن الأعمال الصحفية المميزة مثل الصحافة الرياضية أو الثقافية أو الأدبية أو الفنية، وكذلك زيادة مقروئيتها، وذلك عندما تخرج من نطاقها الضيق المتمثل في التوعية والتثقيف العلمي، لتشمل أيضاً التحليل الجاد والدقيق للقضايا الوطنية المهمة التي لها صلة بالعلم والتكنولوجيا، وكذلك متابعة شاملة للأحداث والتطورات والقضايا والمؤتمرات العلمية، والمحاورة المتعمقة للعلماء والباحثين في المؤسسات العلمية والمؤتمرات الدولية، بأمانة ودقة ومهارة بالغة، ولن يتم هذا إلا من خلال صحفي متخصص متابع وقارئ جيد لأحداث وتطورات العلم والتكنولوجيا.

الصحافة العلمية تحتاج إلى رؤية جديدة ترفع من نوعيتها وتأثيرها وتميزها، تتبناها ليس فقط المؤسسات الصحفية وإنما أيضاً الجامعات والمؤسسات ومراكز البحوث والجمعيات العلمية، وكل من له صلة بالعلوم والبحث العلمي، وتركز هذه الرؤية ليس فقط على نشر الأخبار والأحداث والترجمات العلمية، وإنما أيضاً متابعة جادة ودقيقة وجذابة وسريعة للأحداث والقضايا العلمية والتكنولوجية المحلية والوطنية والعالمية، ومحاورة العلماء والمسؤولين، بدقة وأمانة وموضوعية، وربطها بقضايا التنمية الوطنية، وذلك من خلال سياسة واضحة المعالم والأهداف، يساهم في تفعيلها وإنجاحها ليس فقط إعلاميون علميون وإنما أيضاً علميون إعلاميون.