حين تتقاطع الفانتازيا بالواقع الفاسد في 'ثعلب ثعلب'

رواية أحمد فضل شبلول ترصد من خلال راوية ممثلة تعاني ضائقة مالية وشخصيات مثل "عباس النورس" و"الثعلب الوزير" عن عالم انتهازي متحوّل تتقاطع فيه الأخلاق بالرموز والغرائبية، في نقد ساخر للانتهازية الاجتماعية والسياسية.
أحمد عثمان
القاهرة

تُعدُّ رواية "ثعلب.. ثعلب" للروائي أحمد فضل شبلول هي الجزء الأوسط بين ثلاث روايات تكوِّن الثلاثية الروائية المسماة "الماء العاشق"، وهي "الماء العاشق – ثعلب.. ثعلب – الرحيمة". ولما كنتُ، وقبل أن أختار رواية "ثعلب.. ثعلب" للقراءة، لم أكن أعلم أن هذه الرواية هي جزء من ثلاثية، وتمثل وسطها "الجزء الثاني"، لذلك غُصت في بحرها وأنا أجهل أحداث الجزء الأول، وتعاملت معها كرواية مستقلة، لذا لزم التنويه.
أول ما قابلني من شخصيات الرواية – والتي جاءت على لسان الرّاوية الممثلة، التي أحبطها وزوجها "عمر" فشل فيلمهما الثاني الذي أتى على جميع مدخراتهما – هي شخصية "عباس النورس"، والملاحظ ما تبدَّى من مقدرة كاتبنا الكبير في أنه لم يقدم لنا أوصافًا ومعلومات جاهزة حول هذه الشخصية، ولكنه ترك لنا أن نكوِّن انطباعاتنا عنها – سلوكًا وأخلاقًا – من خلال ما ينثره عبر السرد عن طبيعة نشاطه المهني، وما ينتهج من تصرفات حياتية في تعامله مع الآخرين. فهو يمتلك كافتيريا ملاصقة لشقة عمر التي ورثها عن أبيه، ولأن هذا النورس كان دائم الطمع في الحصول على هذه الشقة لتوسعة المكان، فقد نجح – من خلال الضغط والإلحاح ووضع نفسه رهن إشارتهما لتقديم الخدمات – في الحصول عليها مستغلًّا الضائقة المالية التي يمر بها عمر وزوجته، فيضمها لتزداد مساحة كافتيريته التي تحوم حولها الشبهات، كونها ملتقى فتيات الليل وتجار الحشيش والمخدرات. لك أن تستشف من وراء هذا بعضًا من تكوينه الشخصي والأخلاقي. وفي إطار الادعاء بتقديم خدمات مجانية – وأظنها ليست مجانية، وهو ما سوف يتبين لنا ربما مع تقدم السرد – يعرض قرضًا حسنًا على عمر يعينه على ضائقته، كما يرفض أن يتقاضى منه عمولة – كأي سمسار – بعد أن أوجد لهما مشتريًا خلال يومين للشقة الفاخرة التي كانا يمتلكانها في الفورسيزون، وبالسعر الذي حدَّداه، باعتبار أن هذه الخدمات يؤسس بها لرغبات وأطماع يدَّخرها للمستقبل الذي يخطط له. فالكاتب لم يقل لنا إن "عباس النورس" هذا شخصية انتهازية نفعية، تستغل ما يعنّ لها ويقع في حجرها من ضائقات الآخرين لصالحه، ولم يقل لنا إنه، أخلاقيًا، يحمل لقب "قوّاد" بامتياز، فهو لا يمانع أن تتخذ فتيات الليل وتجار الحشيش والمخدرات، ومن يتبعهم بالتالي من المدمنين وراغبي المتعة الحرام والبلطجية، لا يمانع أن يتخذ كل هؤلاء من كافتيريته وكرًا لممارسة كل هذه الأعمال المنافية للآداب العامة والقانون والخُلق القويم. ترك لنا الكاتب أن نقول نحن ذلك من خلال ما بثَّه لنا في ثنايا الحكي، الذي ربما يكشف لنا عن صفات وسلوكيات أخرى لهذه الشخصية مع تقدم السرد.
وبدون مقدمات، ينقلنا الكاتب من أجواء الواقعية ليخطفنا إلى فضاءات الفانتازيا – كل ذلك ونحن ما زلنا في بدايات السرد، الذي ربما يكون تأسيسًا لما هو قادم – فنرى أن ثعلبًا ذا فراءٍ جميل – وفق وصف الرّاوية – يمر كل صباح أمام العمارة التي تسكن طابقها الثاني، ويرفع رأسه حتى الدور الثاني ليتشمم رائحة ما في الهواء. "هل لفت نظركم أن هذا الثعلب القميء، الصغير الحجم – في الطبيعة – يصل طوله إلى ارتفاع طابقين..!"
تقول الرّاوية: "يمر كل صباح أمام العمارة، رافعًا رأسه حتى مستوى الدور الثاني، ليتشمم رائحة ما في الهواء".
وفي لقطة أخرى، على لسان الرّاوية أيضًا، حول حملات التشهير بعمر وزوجه، ما قيل من أن سبب ثرائهما الحالي – بعد ضياع مدخراتهما نتيجة فشل فيلمهما الثاني – كان ناتجًا عن جنيهما الملايين من وراء بيعهما زجاجات العطر التي وجداها في حمام كليوباترا في مرسى مطروح، وأيضًا بالقرب من بئر زمزم بمكة المكرمة، وأماكن أخرى..! ما يهمني هنا ليس سبب الثراء، ولا حملات التشهير، ولكن هذه الغرائبية المرتبطة بزجاجات العطر التي يبيعونها، والجمع بين مكانين متباعدين لا علاقة لأحدهما بالآخر، هما حمام كليوباترا بمرسى مطروح وبئر زمزم بمكة المكرمة.
ننتقل إلى ملمح آخر من فصل "الشم المرئي"، والذي يؤسس لظاهرة تناولتها الرّاوية حول "رؤية الرائحة"، وتستدعي الثعلب في السياق، فتقول: "هل ارتبطت رؤيتي للرائحة بظهور الثعلب الوزير؟ هل هو الذي أوحى لي بذلك؟"، ثم تروي قصة "تتشابه مع حكايات كليلة ودمنة" لذلك النمر الذي أراد اختيار وزير له، فأجرى اختبارًا بين خنزير وثور وثعلب، متسائلًا: أيهما أحسن رائحة، نَفَس النمر أم نَفَس الخنزير؟ ليفوز الثعلب حين ادعى أنه لم يشم أيًّا من رائحتي النمر أو الخنزير، متحججًا بأنه مصاب بالبرد. وفي هذه الفقرة تقول الرّاوية: "ولا يزال الثعلب الوزير يرفع أنفه إلى أعلى ليخبر من يقابله أنه لا يستطيع أن يشم، ولكنه إذا ذهب عند البحر يرى "جسمًا" بسيطًا ذا رائحة نتنة، يُستخرج من مياه البحر على شكل "سائل أحمر سام" رمزه العلمي Br، ويطلق عليه البروم، فيتجاوزه إلى أماكن أخرى ليشم روائح زكية".
وهنا اعترضني تساؤل: كيف هو "جسمًا" بسيطًا ذا رائحة نتنة، وفي الوقت نفسه هو "سائل أحمر سام"؟ كيف هو جسم وسائل في الوقت نفسه؟ ربما هي ظاهرة بحرية أجهلها بحكم كوني ابن الأرض، ولست ابن البحر، كما كاتبنا الكبير الذي من المؤكد لديه تفسير لهذا.
فإذا تذكرنا الفقرة السابقة وما ورد قبلها، لتبيَّن لنا صفات ومؤهلات هذا الثعلب "أو المتثعلب" التي أهَّلته ليكون في هذا المنصب الرفيع "وزير". فهو يشمّ ويدّعي أنه لا يشم، متعللًا – كذبًا – إصابته بالبرد. قِس على ذلك أنه يرى كل ما يجري أمامه، فإذا سألته يقول: أصاب عيني العشى فلم أر..! وكذا أيضًا عن السمع، فهو يسمع ولا يسمع. أي أنه من الصنف الذي يحبه ويفضله ويبحث عنه ذوو الشأن والمكانة، ولِمَ لا؟ فهو الذي لا يشم ولا يسمع ولا يرى، وبالتالي لن يصدر عنه ما يُغضب أسياده، رافعًا شعار "لا أسمع، لا أرى، لا أتكلم"، كل ذلك عكس ما يضمر. إنه رجل كل العصور، وكل القصور، يتنقل بينها بسلام، يُجيد – في تكوينه الشخصي – المُداهنة والتملق والنفاق، إيثارًا للسلامة والنفعية، حتى لو كان ذلك على حساب كينونته أو كرامته. تصفه الرّاوية بأنه: "ذكي في تعامله مع الحيوانات والبشر، ولهذا أصبح وزيرًا، وما شُهرته بالتحيُّل والروغان سوى نوع من أنواع الذكاء الاجتماعي الذي نحتاج إليه في بعض الأحيان".
ولا ينسى الكاتب أن يزوِّد قارئه من خلال هذا الفصل "الشم الرائي"، والفصلين التاليين "عين الثعلب، أسد بالت على رأسه ثعالبه"، ببانوراما وافية عن كل ما يتصل بهذا الحيوان الذي هو عنوان روايته، فيذكر شكله – في تشريح ظاهري – وأوجه الاختلاف بينه وبين باقي الفصيلة الكلبية التي ينتمي إليها، ثم يعدِّد أنواع الثعالب وأوجه التمايز بينها، ويذكر مواطنها التي تعيش فيها وطبائعها. ولا ينسى – وهو الشاعر والروائي – ما قيل فيه شعرًا، فيثبت منها كثيرًا من المقتطفات على امتداد السرد، وما روي عنه من حكايات كهذه الحكايات التي يرويها "إيسوب". بل لا ينسى تناوله من خلال فن الرسم، وكيف أنه رُسم على زجاج الكاتدرائيات "كما في كاتدرائية إيلي بكمبردج، وكاتدرائية ويلز"، كما تناوله الروسي ميخائيل نيستيروف في لوحته "الثعلب الصغير"، وتناوله أكثر من رسّام في لوحات تحت مسمى واحد هو "الثعلب واللقلق". بل ولا يفوته التناول اللغوي لمادة "ثعلب"، وأخيرًا، يزودنا بما يمثله الثعلب من خلال تناوله في تفسير الأحلام.
وفي سؤال يستثير شهية القارئ للإيغال، تقول الرّاوية على لسان بطلتها هدى إسماعيل: "إن الفنان الروسي "صاحب لوحة الثعلب الصغير" يُشعرنا برابطة روحية ما بين الطبيعة وبقية المخلوقات، وهي الرابطة التي أشعر بها نحو ثعلبي الذي اختفى داخل بئر مسعود.. هل هو مسعود بعد أن تحوّل إلى ثعلب؟".
لا شك أن "ثعلب.. ثعلب" رواية مثيرة للقراءة والشغف، بها الكثير من الغرائبية والعجائبية.