حين ترسم الصحافة خرائط التغيير
لا يكتفي الدكتور خالد محمد غازي، "الصحافة وخرائط التغيير: سردية الاتصال بين الثورة المعرفية والتقنية" باستعادة تاريخ الصحافة ولكنه يعيد طرح السؤال الجوهري: كيف تصنع وسائل الاتصال تحولات المجتمع، وكيف تصنع المجتمعات بدورها مسارات هذه الوسائل؟
هذا الكتاب لا يتعامل مع الصحافة بوصفها مهنة أو صناعة فقط، بل ينظر إليها باعتبارها إحدى أهم أدوات الوعي الجمعي وصناعة المعنى.
ينطلق الكاتب من فرضية واضحة ومتماسكة: لا تولد أي ثورة إعلامية من فراغ، فكل مرحلة في تاريخ الصحافة تحمل في داخلها بذور المرحلة التالية. المطبعة، الإذاعة، التلفزيون، الإنترنت، ثم الذكاء الاصطناعي؛ هذه المراحل المتتابعة لم تكن قفزات منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة، يتداخل فيها المعرفي بالتقني، والسياسي بالاجتماعي.
والميزة اللافتة هنا أن صاحب الكتاب لا يقع في فخ التبسيط الشائع الذي يرى التاريخ خطًا مستقيمًا من "البدائي" إلى "المتقدم". لذلك فهو يستعرض التاريخ الصحفي كسردية متعرجة، مليئة بالتناقضات، كل أداة جديدة فتحت بابًا للتحرر، وفتحت في الوقت نفسه بابًا للهيمنة. مثلا المطبعة نشرت العلم، لكنها نشرت الدعاية أيضًا، والتلفزيون قرّب العالم، لكنه صنع الزعيم الأوحد، وأخيرا الإنترنت حرر الصوت الفردي، لكنه أطلق العنان للفوضى المعلوماتية، بهذا المعنى، لا يقدم الكتاب تاريخًا وصفيًا، بل تاريخًا نقديًا، يربط بوعي بين التحول التقني والتحول المصاحب له والحادث في بنية الوعي.
المطبعة تغيّر العالم
يمنح الكتاب مساحة واسعة لتاريخ الطباعة، باعتباره نقطة الانفجار الأولى في علاقة الإنسان بالمعرفة، فيبدأ من الأختام في الحضارات القديمة، مرورًا بالألواح الخشبية في الصين، وصولًا إلى الحروف المتحركة عند جوتنبرج، وهنا يتأكد وعي المؤلف بأن الطباعة لم تغيّر فقط "كمّ" المعرفة، بل غيّرت طبيعتها، فالمعرفة، بعد الطباعة، لم تعد حكرًا على المؤسسة الدينية أو السياسية، والنص أصبح قابلًا للتداول، وللنقد، ولإعادة التأويل.
وقراءة تاريخ إنجيل جوتنبرج بسطوره الـ 42، كما يقدمه المؤلف، لا تأتي بوصفه إنجازًا تقنيًا فحسب، بل كحدث ثقافي أعاد تشكيل أوروبا، ومهّد لعصر النهضة، ثم الإصلاح الديني، ثم العلم الحديث. وكأن الكتاب يقول ضمنًا: كل خبر يُطبع هو فعل سياسي، حتى لو بدا بريئًا.
وحين يتناول الكتاب الحالة الثقافية في أوروبا قبل الطباعة، يقدم تحليلًا عميقًا لعلاقة المعرفة بالسلطة، وأيضا يستخدم التاريخ كمرآة للحاضر، فنحن نعيش وفرة معلوماتية غير مسبوقة، لكن هل الوفرة تعني العدالة؟ أم أننا نعيش شكلًا جديدًا من الاحتكار، تتحكم فيه الخوارزميات؟
الفضاء الرقمي
ينتقل الكتاب بسلاسة من الطباعة إلى نشأة الصحافة، ثم إلى الإذاعة والتلفزيون، وصولًا إلى الإنترنت. وفي كل مرحلة، يركز على التحول في علاقة المتلقي بالخبر. من قارئ سلبي، إلى مستمع، إلى مشاهد، ثم إلى مشارك ومنتج للمحتوى، لكن الذروة الحقيقية تأتي عند مناقشة الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي.
هنا، يطرح الكتاب أسئلة مقلقة: من يكتب الخبر اليوم؟ الصحفي أم الخوارزمية؟ ومن يحدد أولويات النشر؟ الضمير المهني أم منطق التفاعل؟، ويشير إلى أن أخطر ما في الذكاء الاصطناعي ليس قدرته على إنتاج النص، بل قدرته على إعادة تشكيل الواقع، وصناعة "حقيقة" قابلة للتخصيص وفق مصالح السلطة أو السوق.
كذلك يتميز الكتاب بتفكيكه لفكرة أن الأخبار الزائفة ظاهرة حديثة. المؤلف يعيدها إلى القرن السادس عشر، إلى المنشورات الساخرة، والصحف الحزبية في القرن التاسع عشر. فقط الجديد اليوم ليس الكذب، بل سرعته، وقدرته على الانتشار، وتحصنه داخل فقاعات رقمية، بهذا الطرح، يسأل الكتاب: كيف نبني آليات تحقق ومساءلة تناسب عصر الخوارزميات؟
تحولات الإعلام
يكتسب الفصل الأخير من الكتاب أهمية خاصة، لأنه لا يكتفي بتوصيف التحولات الإعلامية، بل يقترح قراءة مقارنة لما يسميه "الثورات الصحفية" المتعاقبة. هنا، يتعامل الكاتب مع التطور بوصفه تحول في البنية الذهنية للمجتمع وفي شكل السلطة وآليات إنتاج الحقيقة، فيقارن بين الثورة الصحفية الأولى المرتبطة بالطباعة، حيث انتقلت المعرفة من النخبة إلى الجمهور، والثورة الثانية مع الإذاعة والتلفزيون، التي أعادت مركزية الصوت والصورة وخلقت جمهورًا واسعًا لكنه أقل مشاركة، وصولًا إلى الثورة الرقمية التي قلبت المعادلة رأسًا على عقب، فجعلت المتلقي منتجًا، وألغت – نظريًا – الوسيط التقليدي.
ما يميّز هذه المقارنة أن المؤلف لا يتعامل مع كل ثورة باعتبارها "أفضل" مما سبقها، بل يكشف عن مفارقاتها الداخلية. فبينما حررت الطباعة العقل من احتكار الكنيسة، أسهمت في ترسيخ سلطات قومية جديدة. وبينما منح التلفزيون الإحساس بالمشترك الجمعي، صنع خطابًا أحادي الاتجاه، يختزل الواقع في صورة واحدة. أما الإعلام الرقمي، فبرغم ديمقراطيته الظاهرية، فقد أدخلنا في زمن التشتت، وفقاعات الرأي، وتآكل المرجعيات المهنية.
وفي هذه النقطة تحديدًا، يقدّم الكتاب واحدة من أهم خلاصاته: أن كل ثورة صحفية تحمل في داخلها نقيضها. فالتوسع في حرية النشر يقابله تضييق خفي عبر الخوارزميات، وتعدد الأصوات يقابله تشظي الحقيقة. ومن هنا، لا يرى المؤلف التحول الرقمي ذروة نهائية، بل مرحلة مفتوحة على احتمالات أخلاقية ومعرفية خطرة، إذا لم تُصاحبها إعادة تعريف لدور الصحافة بوصفها ممارسة نقدية، لا مجرد منصة توزيع محتوى.
وينتقل هذا الفصل من التاريخ إلى التفكير الاستشرافي، ويضع القارئ أمام سؤال مركزي: هل نحن أمام ثورة صحفية جديدة، أم أمام أزمة معنى تعيد طرح الحاجة إلى الصحافة بوصفها ضميرًا اجتماعيًا؟
وهنا تكمن أهمية الكتاب، حيث لا يقتصر على شرح ما حدث، بل يساعدنا على فهم ما يحدث، وربما ما قد يحدث. كما يذكرنا بأن الصحافة ليست أداة محايدة، بل مسؤولية أخلاقية وتاريخية. فالتكنولوجيا بلا وعي تاريخي ليست تقدمًا، بل إعادة إنتاج للأخطاء، وبسرعة أعلى.
والكتاب صادر عن "وكالة الصحافة العربية – ناشرون" بالقاهرة، ويقع في نحو 360 صفحة من القطع الكبير.