حكايات الجسد والغياب في 'دموع الألوفيرا'
تبدو مجموعة "دموع الألوفيرا" للكاتبة مرفت ياسين كرحلة سردية في هشاشة الوجود الإنساني، حيث تتحول المرأة إلى مرآة للعالم بكل تناقضاته وكسوره، العنوان ذاته، المركّب من الدموع والألوفيرا (نبتة الصبار المعروفة بقدرتها على تحمل العطش ومداواة الجروح)، يختصر جوهر المجموعة، الألم الذي يداوي نفسه، والجرح الذي يُنبت حياة جديدة من بين الرماد.
نلمس منذ الإهداء: "إليها الوردة التي قُطفت سريعًا وذبلت، إليكم أيها الأشرار، لم أمتلك مساحة من التسامح لأصفح عنكم"، أن الكاتبة تكتب من موقع الرفض والمقاومة، وأن القصة القصيرة عندها ليست ترفًا فنياً بل فعل بقاءٍ وتطهيرٍ من وجعٍ قديم.
دورة حياة مكتملة
تفتتح الكاتبة مجموعتها بقصة "ألوفيرا" التي تمنح العمل عنوانه، وتبدو بمثابة نص تأسيسي للمجموعة. ففيها ترسم رحلة امرأة منذ الطفولة حتى الموت، مقسَّمة إلى أوراق متتابعة: "ورقة من المنتصف"، "الورقة قبل الأخيرة"، "ورقة أخيرة"، وصولًا إلى "الذبول التام"، نقرأ: "حينما تنبت زهرة تبدأ تتفتح أوراقها رويدًا رويدًا لتكتمل في شكلها الأبهى والأحلى وتنتهي الدورة بسقوط تلك الوريقات مرة أخرى".
تبدو كدورة الحياة الأنثوية، من المرايا الصغيرة التي تعكس براءة الطفولة، إلى القيود الاجتماعية التي تحاصر المرأة في البيت، حتى النهاية التي يبتلعها المرض، وفي مشهدها الأخير تقول: "شاهد قبر، كلما زرعت بجواره زهورًا نمت سريعًا وسقطت وريقاتها... فقط الصبار من يظل بجوار الموتى شاهدًا على طول معاناتهم". هكذا تغدو الألوفيرا رمزًا للمرأة التي تموت واقفةً، تذبل لكنها لا تُهزم.
الرغبة المؤجلة
في عدد من القصص، خصوصًا "وسادة" و"مفارقة" و"خروج"، تطرح مرفت ياسين الجسد الأنثوي بوصفه ساحة صراع بين الرغبة والحرمان، بين الحلم الاجتماعي والطبيعة الإنسانية، في «وسادة»، تصوّر امرأة أربعينية تستعيد فجأة إحساسها بأنوثتها، بعد سنوات من الصمت الزوجي والرتابة: "استشعرت ذلك النسغ الدافئ يباغتها بين فخذيها.. كم مر من الوقت منذ آخر مرة؟ سنوات طويلة كادت أن تنسى فيها رغباتها كأنثى". الجسد هنا ليس موضوعًا للغواية بل ذاكرة للحياة، يتكلم حين تصمت الروح. تسأل البطلة نفسها: "هل هي عقدة الأربعين؟ أم ندم على قراري؟"، لتكشف أن الرغبة ليست خطيئة، بل دليل على أن القلب لا يزال حيًّا.
وفي "مفارقة"، يتحول الجسد إلى مرآة للفقد الطبقي والعاطفي؛ إذ تكتشف البطلة صور زوجها على مواقع التواصل بصحبة زوجته الأجنبية الشقراء، وتستعيد بمرارة صورته القديمة معها، "يقف فيها بجوار سيدة سمراء مثلي، لكن على ملامحه علامات اللامبالاة". هنا توظّف القاصة الصورة الفوتوغرافية كأداة سردية تكشف التفاوت العنصري والنفسي، حيث لا يراها إلا الآخر الغربي بوصفها "أقل جمالًا". الجسد السمر يصبح إذن جسدًا منفيًّا من الجمال ذاته.
الغياب بوصفه حياة أخرى
تهيمن ثيمة الغياب، بمعناها الوجودي على كل قصص المجموعة، غياب الأب، الحبيب، الابنة، وحتى الذات، في قصة «خصّ على النيل»، تجلس أمٌّ على ضفة النهر تنادي ابنتها الغارقة منذ أعوام، كأنها تخاطب الموت نفسه: "في كل عام يعود من يعود ويختفي من يحتفظ النيل بأجسادهم لتطفو بعد عدة أيام، أو تجرفها المياه عند حاجز يبعد مئات الكيلومترات من هذا المكان". اللغة هنا شفافة وموجعة في آن، تستحضر حسًّا أسطوريًا عن النيل ككائن حيّ، يحتفظ بالأسرار ويعيد إنتاج الحكايات.
وفي "حينما يأتي الموعد"، نتابع مريضًا على سرير المستشفى يواجه موته بابتسامة مريبة: "كان يوقن أن سويعاته في الحياة معدودة، وأن كل شيء يقوم به فقط لتأخير مهمة ملك الموت قليلاً". لكن تلك الابتسامة تتحول إلى مفتاح للذنب القديم، حين يستعيد في هذيانه جريمة اغتصاب وقتل شارك فيها صامتًا. هكذا يصبح الموت في قصص ياسين كشفًا لا نهاية، نوعًا من الحساب الأخير مع الذات.
النساء يحكين من الداخل
من أبرز ملامح سرد مرفت ياسين أن شخصياتها النسائية تحكي ذاتها من الداخل، وتجعل من القارئ شاهدا، في قصة «سكن»، تعمل غيداء سكرتيرة لكاتب مشهور وتتحول العلاقة بينهما من العمل إلى التعايش، حتى يورثها بيته بعد موته: "كانت نيتها أن يكون هذا المنزل منزلها منذ أول لحظة وطأته قدماها"، القصة تفتح بابًا لسؤال اجتماعي وأخلاقي معقّد، هل استحوذت المرأة على ما ليس لها، أم استردت حقا منكورا؟
وفي "روبوت"، تهرب البطلة من رتابة البيت والأمومة إلى الكتابة، فتكتب عن فتيات "يرتدين زي أميرات يرقصن، عن قبلات ممنوحة، وأحضان وضحكات". الكتابة هنا نوع من استعادة لإنسانية فقدتها تحت وطأة الواجبات.
دوّامة الوحدة
تجيد مرفت ياسين التقاط الدراما الصامتة في تفاصيل الحياة اليومية، في قصة "سائق الخط الثالث"، تستقل امرأة أربعينية سيارة ميكروباص وتطلب من السائق أن يدعها تنام عشرين لفة متتالية: "كل ما شغل تفكيرها في هذه اللحظة هو حاجتها للنوم... للنوم فقط". ينتظر القارئ أن تستيقظ، لكنها لا تفعل. النهاية مباغتة، والمدينة تستمر في دورانها، وتتحول القصة إلى تجسيد للاستنزاف الحضري والاغتراب المعاصر، حيث الإنسان مجرد راكب مجهول في دورة لانهائية.
أما في "خروج"، فتعرّي الكاتبة ازدواجية الرجل المتدين الذي يمارس الوعظ بالنهار والهيمنة بالليل: "ظل يرددها وهو يعلم كم أعشق سماع تلك الكلمة منه... حتى دخل عليّ بإحداهن يومًا وهو يقول: رحّبي بأختك... أقصد زوجتي الجديدة". فتختار الخروج من البيت لا بوصفه هزيمة، بل تحررًا من عبودية الحب المشروط، المكان (المسجد، السيارة، الفراش) يصبح كله مسرحًا لتناقضات رجلٍ يرفع راية الفضيلة ليخفي خطاياه.
ذاكرة مثقوبة
في قصص مثل «ذاكرة مثقوبة» و«فقدان متكرر»، تُحكم ياسين لغتها بالرمز والتداعي، فتصبح الذاكرة ساحة مشتعلة بين الماضي والحاضر، في الأولى، يسكن السرد زنزانة باردة: "يطل من خلف ثقب صغير بباب الزنزانة، في ليلة شتوية شديدة البرودة، صوت البرق يكاد يصم الأذن". تتكرر عناصر المطر والرعد والنيل كرموز للتطهير والغرق في آنٍ واحد، فيتحول المكان إلى مرايا للندم والاعتراف.
أما في "فقدان متكرر"، فتستعيد ابنةٌ نظرات أبيها الحزينة لصورةٍ معلقة على الحائط، لتكتشف بعد موته أن الصورة كانت لشقيقه القتيل: "نزعت الصورة وألقيت بها تحت قدميه وجلست على مقعد أبي أبكي". إنه مشهد يلخّص رؤية الكاتبة للماضي، حيث الحب والذنب وجهان لمرآة واحدة.
المكان كذاكرة للأنثى
تتنوع الأمكنة في المجموعة بين الريف والمستشفى والمقبرة وغرفة النوم، لكنها جميعًا تحمل ذاكرةً أنثويةً صامتة، في «خصّ على النيل» يتحول ضفاف النهر إلى ركن للبكاء، وفي «امرأة وحيدة» يتحدث فنجان قهوة عن صاحبته العجوز التي شاركته ثلاثين عامًا من الطقوس اليومية: "ما فائدة الحياة إذا لم نفعل ما نحب؟ اليوم صرت وحيداً من جديد، كما رأتني أول مرة، مركونًا على جانب فاترينة قديمة".
هنا يبلغ السرد ذروة تجريبيته، إذ تمنح الكاتبة صوتًا للأشياء لتسرد حياة البشر، وكأنها تعيد توزيع الأدوار بين الصامت والمتكلم، بين الإنسان والجماد.
اللغة والأسلوب
لغة مرفت ياسين مشبعة بالإيقاع الداخلي والمشهدية الحسية، فتبدو الجملة القصيرة كنبضة شعرية:
"كفها اليمنى تسند أسفل بطنها، واليسرى تتحامل عليها، تتسند على الحائط، تتنفس، تفتح الشباك".
هكذا يخلق الأسلوب توازيًا بين الإيقاع الجسدي والنفَس الكتابي، لتصبح اللغة نفسها جسدًا يتألم، كذلك تستعين الكاتبة بالروائح والأصوات والملمس لبناء العالم الداخلي، مما يمنح قصصها حسا سينمائيا دون أن تفقد نبرتها الوجدانية.
الصبار الذي يزهر بالدمع
تكتب "دموع الألوفيرا" النساء العاديات في لحظاتهن الأكثر هشاشة وصدقًا، كل قصة تشبه قطرة من عصارة الصبار، مرّة المذاق لكنها تداوي الجرح، وفي قصصها تجمع مرفت ياسين بين الحكاية والتأمل، بين الجسد كذاكرة والغياب كحياة ثانية، لتصوغ نصوصًا تتجاوز الفضاء النسوي إلى تجربة إنسانية شاملة لتقول إن الدموع ليست نهاية الألم، بل بداية الشفاء.