حين يصبح السجن مختبرًا للحرية في 'قناع بلون السماء'

رواية الأسير باسم خندقجي تعيد صياغة مفهوم الهوية الفلسطينية من داخل السجن عبر بنية رمزية تمزج بين القناع والأسطورة والتاريخ لتجعل من الكتابة فعل مقاومة وجودية وجمالية يتجاوز القيد والجغرافيا.

أولًا: الافتتاحية
تُعدّ رواية قناع بلون السماء (2023) للكاتب الفلسطيني الأسير باسم خندقجي، واحدةً من أبرز الإبداعات الروائية العربية في العقد الأخير، إذ استطاعت أن تُجدّد أساليب الكتابة السردية الفلسطينية، وأن تمنح أدب السجون بعدًا فلسفيًا وإنسانيًا يتجاوز الخطاب المباشر للمقاومة.
الرواية، التي فازت بجائزة البوكر العربية لعام 2024، تضع القارئ أمام تجربة مركّبة بين الهوية والاغتراب والبحث عن الذات في مواجهة الآخر، من خلال شخصية “نور الشهدي”، الذي يعيش صراعًا بين كونه فلسطينيًا يحمل ذاكرة الأرض، وبين هوية مموّهة يفرضها عليه الاحتلال، ممثّلةً في “القناع” الذي يرتديه.

ثانيًا: إشكالية الدراسة
تتمحور الإشكالية النقدية الرئيسة في السؤال الآتي:
كيف تُعيد رواية قناع بلون السماء تشكيل مفهوم الهوية الفلسطينية عبر بنية سردية قائمة على القناع، والتخييل التاريخي، والأسطورة؟

ومن هذه الإشكالية تتفرّع الأسئلة التالية:

ما رمزية “القناع” ودلالته في الخطاب السردي؟

كيف يوظّف خندقجي التاريخ والأسطورة في بناء هوية بديلة؟

ما العلاقة بين المكان والسجن والهوية في بنية النص؟

كيف يتقاطع الوعي الفردي (نور الشهدي) مع الوعي الجمعي الفلسطيني؟

ثالثًا: الفرضيات الأساسية

إنّ “القناع” في الرواية ليس غطاءً للوجه، بل بنية فكرية تكشف مأزق الهوية الفلسطينية بين الظهور والاختفاء.

إنّ السجن، في تجربة خندقجي، فضاء ولادة فكرية لا فضاء قمعي فقط، ومنه تتولّد أشكال جديدة من المقاومة الرمزية.

إنّ الرواية تُمارس تفكيكًا للخطاب الاستعماري عبر كتابة مضادّة للتاريخ الرسمي، تجعل الفلسطيني ذاتًا فاعلة لا موضوعًا.

إنّ البنية اللغوية الجمالية في الرواية وسيلة للتطهير الداخلي والبعث الإنساني.

رابعًا: التحليل النقدي

1. بنية الهوية والاغتراب
الشخصية المركزية “نور الشهدي” تتحرّك داخل فضاء متشظٍّ من الهويات. يرتدي “قناعًا بلون السماء” — لون الجمال والصفاء — لكنه في الحقيقة رمز للتضليل والتخفي.
القناع يصبح تعبيرًا عن الانقسام الداخلي بين الأصل والنسخة، بين الذات والآخر، بين الوجود الحقيقي والتمثيلي.
إنه تعبير عن اغتراب مزدوج: اغتراب سياسي داخل وطنٍ محتل، واغتراب وجودي داخل هويةٍ مُستلبة.
“كل قناع يحاول أن يشبه السماء، يخفي وراءه حقيقة الأرض.”
— من نص الرواية.

2. التخييل التاريخي والأسطورة
يُدخل خندقجي التاريخ الفلسطيني في حوارٍ مع الماضي السحيق، من عصور المجدلية والرومان، ليُظهر أن الصراع على الأرض ليس حادثًا معاصرًا، بل استمرار سردي لصراعٍ بين المقدّس والمدنّس، بين الذاكرة والنسيان.
يستعمل الكاتب الأسطورة كوسيطٍ نقدي، لا بوصفها ماضيًا غابرًا، بل بوصفها مرآة تعكس الحاضر، كما في استحضار “مريم المجدلية” و“الأقنعة الأثرية”.
وهنا تتجلّى مهارته في تحويل الأسطورة إلى أداة مقاومة رمزية، تعيد كتابة التاريخ من زاوية الفلسطيني المغيَّب عن السرد الرسمي.

3. المكان كهوية سردية
المكان في الرواية ليس إطارًا بل كيانٌ حيّ.
يتحوّل من جغرافيا إلى معادلٍ نفسي يعكس الاضطراب الداخلي للشخصيات.
من رام الله إلى القدس، من السجن إلى الأنقاض، يتحوّل المكان إلى نصٍّ موازٍ للهوية.
المكان هنا مقموع — كصاحبه — لكنه لا يستسلم، بل يحتفظ بذاكرته في الأشياء الصغيرة: الحجارة، الرماد، الآثار.
“حين ضاعت الأماكن، حملتُها في جيبي كتعويذة من تراب.”

4. اللغة والأسلوب
لغة خندقجي مزيج من الوجدانية الصوفية، والتحليل الفلسفي، والبحث التاريخي.
تميل الجمل إلى التكثيف الشعري، وتُستخدم الاستعارة كوسيلة تفكير لا مجرد تجميل.
يستعمل تعدّد الأصوات (نور – أور – الراوي) ليخلق شبكة من الوعي المتقاطع، مما يمنح النص بُعدًا تجريبيًا حداثيًا.
“كلما لبستُ قناعًا، اكتشفتُ وجهي أكثر.”

5. البنية الرمزية
القناع = الزيف المفروض / النجاة المؤقتة / اختفاء الذات.
السماء = الصفاء المفقود / الحقيقة البعيدة / حلم الحرية.
الحفر الأثري = محاولة الوصول إلى الجذر الأصلي للهوية.
الماء والتراب = رمزان للتطهير والانبعاث.
بهذا المعنى، يتحوّل النص إلى مختبرٍ رمزي يعيد بناء الذات الفلسطينية من تحت الركام.

خامسًا: النتائج

الرواية تُعيد الاعتبار للهوية الفلسطينية كهويةٍ متعددة الطبقات، لا تُختزل في البعد السياسي، بل تتسع للأسطوري والروحي والإنساني.

تمثّل قناع بلون السماء نموذجًا ناضجًا لأدب السجون الحديث، الذي يتجاوز الشهادة المباشرة إلى كتابة فلسفة الحرية من داخل القيد.

اللغة في الرواية ليست وسيلة نقل، بل أداة مقاومة تعيد خلق الواقع بمفردات جديدة.

النص يرسّخ مفهوم “السرد المضاد”، الذي يُكتب من الهامش ليواجه مركز القوة الاستعماري.

باسم خندقجي يثبت أن الإبداع قادر على هزيمة الجدران، وأن الكتابة فعلُ حريةٍ يتجاوز الجغرافيا.

سادسًا: الخاتمة
تمثّل رواية قناع بلون السماء تجربةً فريدة في الأدب العربي المعاصر، لأنها تُعيد تعريف العلاقة بين الهوية والتاريخ والسرد والمقاومة.
لقد حوّل باسم خندقجي السجن إلى مختبرٍ جمالي، والقيود إلى أدوات كتابة، والحرمان إلى طاقة رمزية مدهشة.
النص لا يقدّم الفلسطيني كضحية، بل ككائنٍ يبتكر معنى الوجود رغم فقدان الحرية.
ومن هنا تأتي قيمة الرواية: إنها ليست عن فلسطين فحسب، بل عن الإنسان الذي يخلق سماءه الخاصة وسط العتمة.

سابعًا: مقترحات بحثية وأكاديمية

دراسة سيميائية لرمزية القناع في الرواية.

تحليل بنيوي لتعدّد الأصوات السردية ودلالاتها النفسية.

مقارنة بين قناع بلون السماء ورجال في الشمس لغسان كنفاني، من منظور الهوية والمنفى.

قراءة تفكيكية للعلاقة بين الذات والآخر في خطاب خندقجي.

دراسة تأويلية للبعد الصوفي في لغة الرواية.