خالد عزب.. الذاكرة الفوتوغرافية للقاهرة بين الصورة والتاريخ والمجتمع

عزب يقدّم الصور بوصفها نصًّا قائمًا بذاته، يروي تاريخ القاهرة من منظور الضوء والظل، ما يجعل كتابه أقرب إلى أرشيف بصري مفتوح يعيد تشكيل ذاكرة المدينة.

يشكّل كتاب المؤرخ د.خالد عزب "القاهرة: الذاكرة الفوتوغرافية" عملًا متفرّدًا يزاوج بين التوثيق البصري والتحليل التاريخي والاجتماعي، وبين استعادة الماضي وتأمل المستقبل. ليس النص مجرد دراسة عن صور فوتوغرافية قديمة للقاهرة، بل هو حوار مفتوح بين المدينة وصورها، بين الذاكرة الجمعية وما التقطته عدسات الكاميرا عبر أكثر من قرن ونصف القرن. بهذا المعنى، يغدو الكتاب رحلة في عمق الزمن، حيث تتحول الصور إلى شواهد حيّة على ما عاشته القاهرة من تحولات كبرى عمرانية واجتماعية وثقافية.

الكتاب الصادر عن دار ومكتبة ديوان في جوهره ليس دراسة أكاديمية جافة، بل أشبه بـ "كتالوغ فوتوغرافي موسوعي" يوثق ملامح القاهرة عبر أكثر من قرن ونصف القرن من التصوير الفوتوغرافي. يضم بين دفتيه ما يقرب من 300 صورة نادرة وموثقة، تتوزع بين مشاهد للأحياء والميادين والشوارع والفنادق والقصور والحدائق، إضافة إلى صور للحياة اليومية وللتحولات العمرانية والاجتماعية التي مرت بها المدينة.

يقدّم عزب الصور بوصفها وثائق حيّة، ليست مكملاً للنص وإنما نصًّا قائمًا بذاته، يروي تاريخ القاهرة من منظور الضوء والظل. كل صورة مرفقة بتعليق تحليلي يضعها في سياقها التاريخي والمعماري والاجتماعي، ما يجعل الكتاب أقرب إلى أرشيف بصري مفتوح يعيد تشكيل ذاكرة المدينة. وبهذا المعنى، يغدو بمثابة كتالوغ لذاكرة القاهرة، يتيح للقارئ أن يتنقل بين صور الحدائق والقصور والفنادق والأحياء كما لو كان يتجول في معرض، حيث تتحول الصفحات إلى فضاءات للعرض البصري، والصور إلى نوافذ تكشف وجوهًا متعددة لمدينة لا تزال في حالة تحوّل دائم.

يبدأ عزب من لحظة مفصلية في التاريخ الحديث، عام 1839، حين أعلن فرنسوا أرغو أمام الجمعية الوطنية الفرنسية عن اكتشاف التصوير الشمسي. وفي العام نفسه، وبالتحديد يوم الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني، التُقطت أول صورة فوتوغرافية في المنطقة العربية بمدينة الإسكندرية، بحضور محمد علي باشا. يوضح "منذ التقاط الصورة الأولى في الإسكندرية، دخلت المنطقة العربية مرحلة جديدة من التوثيق البصري، وأخذ مئات المصورين بالتدفق على مصر وسورية، والتقطت آلاف الصور للمعابد والهياكل القديمة للمدن والقرى، وصورت عدسات المصورين مختلف المناظر ومظاهر الحياة الاجتماعية".

منذ تلك اللحظة أصبحت القاهرة مادة خصبة للتصوير، فهي مدينة متجددة دائمًا، تتغير ملامحها بسرعة، وتعيد إنتاج ذاتها مع كل جيل. ومن هنا تأتي الفكرة المركزية في الكتاب "اللقطة هي الذاكرة، والكاميرا هي الحكواتي". أي أن الصورة ليست مجرد انعكاس للواقع، بل أداة لسرده، حكاية تُروى بالضوء والظل، تحفظ اللحظة وتعيد تقديمها كجزء من تاريخ المدينة.

يثير عزب إشكالية عميقة: هل الصور تعزّز ذاكرتنا أم تنتقص منها؟ ويرى أن التكنولوجيا الحديثة ومنها التصوير "خصمت من القدرة الذهنية للإنسان على التذكر، مقارنة بما كان عليه الحال في الحضارة الإسلامية، حيث كان المعماري يبني مسجدًا كاملًا اعتمادًا على ذاكرته ويصفه بدقة في وثيقة الوقف دون خرائط أو صور. لكن الصور – رغم ذلك – لا غنى عنها، فهي تحفظ تفاصيل الحياة اليومية التي تغيب عن النصوص، وتعيد إلينا المشاهد الصغيرة التي قد تبدو هامشية في وقتها لكنها تصبح ذات قيمة كبرى لاحقًا.

كتاب 'القاهرة: الذاكرة الفوتوغرافية'
كتالوغ فوتوغرافي موسوعي

يصرّ عزب على أن الصورة ليست مكملًا للنصوص التاريخية فقط، بل مصدر أساسي قائم بذاته. ويؤكد "يمكن للمؤرخين كتابة التاريخ عبر الصور لأنها توضح عناصر الحياة اليومية العارضة والعشوائية، دون فقدان أدق التفاصيل التي تبدو غير مهمة في وقت ما لكنها تتحول لمصدر مهم في المستقبل لإثبات شيء ما".

ويضرب مثالًا بعمارة الإيموبيليا، التي شُيدت مكان مدابغ القاهرة القديمة. سلسلة الصور التي وثّقت المكان قبل التحوّل وبعده تكشف كيف تبدلت وظيفة المكان من صناعة تقليدية إلى عمارة شاهقة تمثل ذوق الطبقة الوسطى العليا. كذلك، فإن آلاف الصور لمظاهرات ثورة 1919، لو جُمعت وحُللت، لأعطتنا تصورًا أوضح عن طبيعة هذه الثورة، عن مدى تنظيمها أو عفويتها، وعن الرموز والشعارات التي حملها المتظاهرون. هنا تصبح الصورة "تاريخًا لا يكذب"، ذاكرة موضوعية تحفظ تفاصيل يصعب إنكارها.

يرصد عزب أسماء المصورين الذين أسهموا في صناعة الذاكرة البصرية للقاهرة: الفرنسي جوزيف فلبرت (1804–1892) الذي التقط ما يزيد على 900 صورة للشرق بين 1842 و1845، لم يكشف عنها إلا بعد عقود؛ الأخوان الأرمن عبدالله اللذان افتتحا استديو في القاهرة عام 1887؛ أنطونيو بياتو الذي أقام في الأقصر وصوّر آلاف المشاهد الأثرية؛ إميل وهيبوليت بيشار اللذان افتتحا استديو في الأزبكية عام 1870 وقدما سلسلة رائعة من الصور للحياة اليومية؛ لكيجيان الأرمني؛ وباسكال سيبا الذي رسّخ فن البورتريه الاجتماعي. هؤلاء، كما يقول عزب، "لم يكونوا مجرد زائرين، بل صنّاع ذاكرة بصرية لمصر".

ويرى أن القاهرة مدينة التحولات الكبرى، فهي مدينة ألف ليلة وليلة التي أسرت خيال الأوروبيين، وفي الوقت نفسه عاصمة العلوم الإسلامية بعد سقوط بغداد، ثم عاصمة الحداثة منذ القرن التاسع عشر. ويضيف "القاهرة إذاً مدينة التحولات الكبرى والمشاريع التي سرعان ما تغير وجه المدينة.. لنشهد في لوحة القاهرة المصورة مدينة أخرى جديدة عصرية شابة تناهز في عمرانها كبريات المدن".

من شبكة الترام (1894–1917) التي بلغ طولها 65 كيلومترًا، إلى ظهور السيارة عام 1903، إلى الكباري الحديدية التي ربطت الجزيرة بالجيزة، تبدو القاهرة كمدينة تتغير باستمرار، وكل صورة التقطت لها في زمن ما صارت اليوم وثيقة على هذا التبدل المتواصل.

حول رؤيته للأحياء من الأزبكية إلى مصر الجديدة، يفصل عزب انطلاقًا من الأزبكية حيث يرى أنها "مثال على إرادة التحديث في عهد الخديوي إسماعيل. فقد رُدمت بركة الأزبكية عام 1864 لتتحول إلى حديقة كبرى شيدها على نمط حديقة مونسو وريفولي بباريس، وزودت بـ25000 مصباح غاز، وأقيم بها مسرح للعروض الكوميدية، وبحيرة رائعة، وجبلاية صناعية، وممرات مظللة، وجسور على بحيرات صغيرة وقنوات ومراكب للنزهة تسير بالبدال". في قلبها أقيم كشك معدني للموسيقى "كانت تجلس أسفله الفرق الموسيقية، وقد صُمم على هيئة نصف دائرة مشيدة من الحديد محلاة بأشكال نباتية وورود". أما النافورة الرخامية التي أُنشئت عام 1872، فهي "مستطيلة الشكل بواجهات أربع، يتقدمها حوض رخامي تتدفق منه المياه عبر درجات الرخام لتصب في بركة اصطناعية كانت تعج بالأسماك، غنية بالزخارف حتى صارت في فترة زمنية خلفية لالتقاط الصور الفوتوغرافية".

ويلفت عزب إلى أن حي الإسماعيلية حي حديث الطراز نشأ في عهد الخديوي إسماعيل، حيث أزيلت ثكنات الجيش الإنكليزي ليُقام مكانها منتزه عام، حتى صار الحي بأكمله بمثابة حديقة كبيرة، حيث كان كل مبنى محاطًا بالأشجار والأزهار. كان الحي موطنًا للأعيان وكبار رجال الدولة، ومن أبرز معالمه المتحف المصري وعمارة يعقوبيان التي شيدت عام 1934 بتصميم المعماري باليان على الطراز التعبيري… وكانت محور أحداث رواية علاء الأسواني الشهيرة.

ويقول عزب إن شبرا كانت إحدى أولى العلامات على تحوّل القاهرة إلى مدينة متعددة الطبقات الاجتماعية. هنا اتسعت المدينة شمالًا، وصعدت الطبقة الوسطى لترسم ملامحها العمرانية والاجتماعية. تبدلت صورة العمران، فصارت الشوارع أوسع، والمنازل أرحب، والمدارس حاضرة في نسيج المكان. إن شبرا عنوان لطبقة وسطى تبحث عن فضاء أرحب للحياة، بعيدًا عن أحياء الأرستقراطية الباذخة وعن الأزقة الضيقة للأحياء الشعبية، فصاغت بذلك هوية جديدة للمدينة ورسخت التعدد الاجتماعي للقاهرة.

أما الزمالك، فيصف بأنها بدأت كجزيرة زراعية في قلب النيل، ثم تحولت مع الزمن إلى حي راقٍ يطل على الماء بقصوره وفيلاته وحدائقه. هنا استقرت النخب الثقافية والدبلوماسية، وأقامت مساكن فاخرة تكشف عن ذهنية طبقة أرادت الجمع بين عزلة الجزيرة وانفتاحها على العالم. في الزمالك تلاقت السياسة والثقافة والفنون، فغدت مرآة لتلاقي الثقافات، ومكانًا اختارت فيه النخب أن تبني لنفسها فضاءً مختلفًا داخل القاهرة.

وعن غاردن سيتي، فقد كانت في نظره نزهة بصرية على النيل، حيّ جرى تخطيطه ليبدو وكأنه حديقة كبرى تتناثر فيها العمائر. هنا ارتفعت ناطحة سحاب نعوم شبيب ذات الواحد والثلاثين طابقًا، وعمارة إكسون موبيل التي صممها أبوبكر خيرت. لم يكن الحي مجرد مساكن، بل فضاءً تلتقي فيه السياسة والثقافة؛ أقامت فيه شخصيات بارزة من النخبة المصرية، فصار نموذجًا لعمران يمزج بين مصرية الروح وأوروبية الطراز.

ويؤكد عزب أن الفجالة بدورها عكست الوجه الثقافي للقاهرة الحديثة. كانت قلب صناعة النشر، ومنها خرجت الكتب والمجلات التي غذّت العقل المصري والعربي. ارتبطت بالطباعة والأدب والفكر، لكنها لم تحتفظ بهذه الوظيفة إلى الأبد؛ تحولت لاحقًا إلى سوق لبيع الأدوات المدرسية. في هذا التحول نقرأ طبيعة القاهرة: مدينة لا تعرف الثبات، تعيد إنتاج نفسها مع تبدل الزمن، فتتحول من مركز للثقافة إلى فضاء للتجارة والاستهلاك.

القاهرة متحف لجميع العصور في عصر واحد، فهي مدينة تراكمت فيها الحضارات منذ تأسيس الفسطاط والعسكر والقطائع وحتى القاهرة الفاطمية

ويرى أن مصر الجديدة لم تكن حيًّا تقليديًا، بل مشروعًا متكاملًا أسسه البارون إمبان على الطراز الأوروبي الحديث. شوارعها العريضة وميادينها المستديرة وعمائرها ذات الشرفات الواسعة، كلها عكست إرادة تأسيس مدينة داخل المدينة. مصر الجديدة كانت إعلانًا لدخول القاهرة إلى عصر الحداثة العمرانية، مختلفة جذريًا عن تخطيط القاهرة التاريخية، شاهدة على انتقال العاصمة إلى طور حضري معاصر.

الميادين في القاهرة، كما يصفها، ليست مجرد ساحات مفتوحة، بل فضاءات تحتفظ بذاكرة السياسة والاحتفالات. ميدان الأوبرا كان أحد الميادين الرئيسية في وسط القاهرة.. يتوسطه تمثال إبراهيم باشا ممتطيًا جواده، مسرحًا للاحتفالات ومظهرًا من مظاهر تحديث المدينة. ميدان العتبة الخضراء صار مركزًا لشبكة المواصلات بعد دخول الترام عام 1896، واحتضن مبنى هيئة البريد المشيد على الطراز الكلاسيكي المتأثر بعصر النهضة، فصار قلب الحركة التجارية والاجتماعية. ميدان عابدين شهد أحداث الثورة العرابية وثورة يوليو/تموز 1952، فاحتفظ بذاكرة السياسة. أما ميدان رمسيس فقد ظل عنوانًا للقاهرة رغم نقل التمثال منه، علامة على مركزية المدينة وعلى استمرار الحضور الفرعوني في وجدانها.

ويكشف أن الشوارع أيضًا نصوص مكتوبة بأسماء وأبنية. شارع عماد الدين كان شارع المسارح والسينمات، حيث ولدت الحياة الليلية الفنية للقاهرة الحديثة. شارع كلوت بك حمل اسم الطبيب الفرنسي الذي غيّر وجه الصحة العامة في مصر، فصار اسمه دالًا على نهضة بأكملها. شارع قصر النيل ظل رمزًا للأرستقراطية، بما ضمه من قصور ومبانٍ فخمة بقيت شاهدة على عصرها.

أما الفنادق والقصور، فهي نصوص النخبة والسلطة. دار الأوبرا الخديوية بدت له كالقصر المسحور، الذي لا تدب فيه الحياة إلا مع انتشار الظلام، فتزهو وتتألق بالأضواء، وهي تستقبل علية القوم والسعداء ممن ابتسم لهم الحظ لقضاء أمسية لا تُنسى بين مباهج الفن الراقي. و"فندق الكونتننتال أقيم ليستضيف ضيوف حفل افتتاح قناة السويس، بشرفاته المطلة على حدائق مليئة بأشجار المناطق الحارة، وكان شاهدًا على لحظة انفتاح القاهرة على العالم. وفندق شبرد من أعرق فنادق القاهرة، أسسه الإنكليزي صمويل شبرد ثم انتقل إلى قصر الأميرة زينب ابنة محمد علي قبل أن يحترق عام 1952"، وظل ملتقى الدبلوماسيين والسياسيين. أما سراي عابدين وسراي القبة فكانا قصور الحكم ومراكز القرار، حيث صيغت السياسات الكبرى. حدائق الأزبكية وروستي مثّلت فضاءات عامة للتلاقي والترفيه، فاحتفظت بذاكرة مزدوجة بين النخبة والعامة.

هذه كلها وجوه لمدينة لا تنفك تتجدد – وفقًا لعزب – وجوه تتراكب وتتجاور لتصنع شخصية القاهرة. هي مدينة تكتب تاريخها في عمرانها، وتبوح بأسرارها لمن يقرأ جدرانها وساحاتها وطرقاتها. لهذا سماها "الذاكرة الفوتوغرافية"، فهي الذاكرة التي لا تموت، بل تعود لتتجسد في الحجر، وفي تفاصيل المكان، وفي قصص الناس الذين مروا منها وما زالوا يتركون أثرهم في روحها.

ويختم عزب لافتًا إلى أن القاهرة متحف لجميع العصور في عصر واحد، فهي مدينة تراكمت فيها الحضارات منذ تأسيس الفسطاط والعسكر والقطائع وحتى القاهرة الفاطمية، ثم بلغت ذروة ازدهارها في العصر المملوكي، قبل أن تشهد تحولات جديدة مع العثمانيين ثم محمد علي، فهي مدينة شرقية أوروبية في آنٍ معًا، شرقية في جوهرها بأزقتها ومآذنها، وأوروبية في طرزها المعمارية الحديثة.