خرافة المعرفة النقدية

برنامج 'عشرون' يثير جدلا بعد اختياره قصائد من الشعر العربي الحديث، حيث اعترض مثقفون على غياب بعض الأسماء وعلى ما اعتبروه انحيازا سياسيًا في إدراج أخرى، في سلوك يعكس ضعف التأهيل النقدي وانتشار نقاشات سطحية.

لفتْ انتباهي اعتراضُ بعض المثقفين على ما وصفوه بـ"الاحتفال الكبير" بقصائد اختارها برنامج يُدعى "عشرون"، يُبثُّ على إحدى الفضائيات العربية. وانصبَّ اعتراضهم على حلقة منه، اختار فيها نقاد متخصصون أفضل عشرين قصيدة من الشعر العربي الحديث. وكتب البعض يعترض على هذا الاختيار والانتقاء بعدد من الملحوظات التي سمَّاها "منهجيَّة". وأنا -هنا- لا أدافع عن البرنامج واختياره -الذي لم أكن أعرفه قبل قراءتي لكلام المُعترضين-، ولا أهاجم أصحاب الاعتراض؛ وإنما أقف بعضَ وقوفٍ متأملًا في المشهد الثقافي العربي، وملامحه الواضحة خاصةً في هذه الحقبة التي نعيشها.

كان أولُ مفردات الاعتراضات قضيةَ تحديد "الأفضل"، أو استخدام أفعل التفضيل لعدد من القصائد دون غيرها. وسبَّب صاحب هذا الاعتراض اعتراضه بأن تحديد "الأفضل" مسألة شبه مستحيلة، كما رأى الترتيب المُختار مُتعسفًا وغريبًا لعدة أسباب:

ذلك أنهم تجاهلوا الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي، رغم أن له مواقف تنويرية -من وجهة نظر المُعترض- كثيرة. كما أن قصيدته "مرثية لاعب سيرك" أفضل من قصيدة "أنشودة المطر" لبدر شاكر السياب، التي اختِيرت في المركز الأول.

ثم اعتراضه الثاني أنهم أدخلوا "أحمد شوقي" في وسط هؤلاء الشعراء؛ لأنه من أصحاب الشعر الكلاسيكي، أما المُختارون فمن أصحاب شعر التفعيلة.

ثم اعتراضه الثالث لاختيار ثلاث قصائد لشاعر واحد، هو "محمود درويش"؛ وسبَّبَ هذا بأنه انحياز سياسي.

ثم اعتراضه الرابع على اختيار قصيدة "لا تصالح" للشاعر "أمل دُنْقُل" في المرتبة الثانية وهي دون المستوى، وأنها اختيرت لأسباب سياسية.

وبدايةً، أوضح أن هناك فرقًا بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة. ويبدو أن بعض المُعترضين لم يقرأوا القصائد التي اعترضوا عليها. فلو كان قرأها الواحد منهم لعرف أن كثيرًا منها على الشعر العمودي لا على التفعيلة، مثل قصيدة المواكب لـ"جبران خليل جبران" (وهي طويلة جدًا)، وقصيدة "عبد الله البردوني" (أبو تمام وعروبة اليوم)، وقصيدة "محمد محدي الجواهري" (يا دجلة الخير)، وقصيدتَيْ "أبي القاسم الشابي" (إرادة الحياة، وصلوات في هيكل الحب). فأصحاب الاعتراض إما لا يعرفون الفرق بين العمودية والتفعيلة، وإما لم يقرأوا القصائد قبل الاعتراض عليها. ذلك لأنهم شذُّوا بـ"شوقي" وحده، جاعلينه من القديم، وسبَّبوا القدم بالعمودية (ويبدو أنهم لم يهتدوا إلى اسمها، فسمّوها بالكلاسيكية؛ لأنهم جعلوها في مقابل التفعيلة. فضلًا عن أنهم لم يهتدوا كذلك إلى أن وصف سامي البارودي وشوقي، ومَن تابعوهما بالكلاسيكية لم يكن للعمودية، بل لاستعادة التقاليد الشعرية القوية بعد عصر يُوصف بالضعف. وقد عبروا بها عن عصرهم وما يجيش في نفوسهم).

ولو كلَّف بعض المعترضين أنفسهم تحرِّي مقصود البرنامج؛ لوجدوا القصد في هذا التصنيف هو "الشعر الحديث" الذي نُظم في القرن العشرين -أي الحديث زمنًا في مقابل القديم زمنًا-، لا "الشعر الحديث" الذي قد يأتي -عند البعض- مساويًا للشعر الحر.

كما بدا جهل البعض بأن "أبا القاسم الشابي" -مثلًا- كان معاصرًا لـ"شوقي" (ت 1932م)، ومات بعده بسنتين فقط (1934م)، وأن "جبران خليل جبران" مات قبل "شوقي" بسنة (ت 1931م). فكلهم متفقون في الحقبة، متفقون في العمودية. فلم يبقَ من سبب في اعتراضهم على شوقي خاصةً، إلا القصيدة المختارة، وهي "وُلد الهُدى فالكائنات ضياءُ". فقد اعتبروها كلاسيكية قديمة لأنها معبرة عن العاطفة الدينية؛ وهذا اختيار منحاز بوضوح، على حسب قيم مَن قيَّم. والغريب أنهم انتقدوا الاختيار في وقوعه فيما سمَّوه "الانحياز السياسي".

وبعد، فهذا تفسير ما تعجب منه بعض المعترضين:

أما مسألة اختيار الأفضل؛ فيبدو لي أن المثقفين المعترضين اعتقدوا أنه فعل حديث من غير سبق. ومسألة الاختيار والترتيب بين أهل الأدب -شعرًا ونثرًا- سُنَّة مُتبعة منذ القديم بين النقاد، بل هي نشاط نقدي مُقرَّر، كُتبت فيه سطور لا تُحصى، منذ تفضيلات العصر الجاهلي حتى الترتيب الذي اعتُرِضَ عليه.

أما مسألة عدم اختيار الشاعر "أحمد عبد المعطي حجازي"، وهو شاعر جيد وقوي دون شك؛ فهذا لازمُ فعل الاختيار نفسه. فلُبُّ نشاط "الاختيار" تحديدُ البعض من مجموع أكبر، فاستبعاد البعض مؤكد وحتمي. ويستدعي هذا النشاط دائمًا اختلافًا حول تلك الاختيارات. وقد اختُلِفَ في الاختيار على طول تاريخ النقد، من أوله إلى لحظتنا هذه. فمثلًا، أغفل "أبو الفرج الأصفهاني"، في كتابه الأشهر "الأغاني" (الذي اختار فيه أفضل مائة صوت)، أبا نواس وابن الرومي وأبا العتاهية وغيرهم؛ وقد كانوا من أجود الشعراء. ولا يقدح مثل هذا الترجيح في مقام الآخرين الخارجين عن الاختيار.

أما مسألة اختيار ثلاث قصائد لـ"محمود درويش"؛ فقد فهمت أن الأمر متعلق بآلية الاختيار بالنقاط للقصائد نفسها، لا على مبدأ تنويع الشعراء. وحدُّ مثل هذه الحدود في عملية الانتقاء أيضًا قديم جدًّا؛ فمثلًا اختار "ابن سلام الجُمَحِي"، في كتابه "طبقات فُحُول الشعراء" الشاعرَ "أوس بن حجر" في الطبقة الثانية، وهو نفسه يراه في الطبقة الأولى، لولا أنه أقر أربعة شعراء فقط في كل طبقة.

أما مسألة الاعتراض على قصيدة "لا تصالح" للشاعر "أمل دُنقل"؛ فأعتقد أن من جهل السابق كله ليس أهلًا لحُكم ولا لرأي معتبر. وعند المحكّ النقدي فقصيدة "لا تصالح" من أهم وأفضل القصائد في العقود الأخيرة.

وتصحيحًا لتنظير التصنيف العام لهذا الانتقاء؛ فالواضح أن النقاد الذين اختاروا القصائد أعملوا معايير الرومانسية والوجدانية، وشدة الانفعال وصدق التجربة؛ وكلها معطيات رومانسية. متى نظر الناظر في المختار من القصائد وجد أنها الجامع والمعيار فيها، لا الانحياز السياسي. فمثلًا: نجد مدى الانفعال الصادق في قصيدة "دنقل"، وكيف أثرت في إحكام بناء قصيدته، ونقاشه لكافة أوجه القضية النضالية؛ وكذا قصيدة "شوقي" وكيف أثرت عاطفته الدينية الجارفة في قصيدته، وكذا في كُلٍّ.

أعود فأكرر؛ ليس الهدف هنا إلا استشفاف ملامح مسيطرة على المشهد الثقافي العربي العام. ومن أهم هذه الملامح طرحُ نقاشات عن أمور جادة من غير تأهيل سابق، ولا معرفة بها، والاعتمادُ كلَّ الاعتماد على الثقافة السمعية من هنا وهناك. فنجد البعض يطرح نقاشات نقدية وكأنهم نقاد، والبعض يطرح نقاشات فلسفية وكأنهم مُنظِّرون، والبعض يطرح نقاشات دينية وكأنهم عالمون بخباياها. والأخطر هو مواجهة المجتمع -بل استباق الهجوم بكل أريحية ووثوق- بهذا النتاج المُتعجَّل غير المُستحق للنقاش الشخصي، لا النقاش المطروح مجتمعيًّا. وتتبدَّى نتائج هذا الملمح الخطير في إحداث بلبلة في الأوساط الثقافية، تضر ولا تنفع، خاصةً عندما يقرؤها غير المُؤهل، فيظن ظنًّا خاطئًا أنها صائبة، ويحمل بدوره همّ التنادي بها وبغيرها. ويظن أنه بتداوُلِها وقراءتها يزيد ثقافة عن ذي قبل، وهو لا يزيد إلا عمى.