خلاف في مطار النجف يكشف صراع نفوذ بين القوى الشيعية

الخلاف تمثل في رفض مسؤول في المطار يتبع تيار الحكمة تجديد عقد للتزود بالوقود من شركة مرتبطة بحزب الدعوة.
صراع يتجاوز السياسة للسيطرة على مؤسسات وموارد الدولة العراقية

بغداد - يتصاعد التوتر في محافظة النجف وسط خلاف بين شخصيات بارزة من حزب الدعوة الإسلامية وتيار الحكمة الوطني، حول عقد تزويد مطار النجف الدولي بالوقود، ما دفع الجهات المعنية إلى التحذير من احتمال توقف تشغيل المطار. وتأتي الأزمة بينما تعد النجف من أهم المحاور الاقتصادية والدينية في العراق، ما يجعل أي اضطراب في عمل مطارها يحمل تداعيات واسعة.
وذكرت مصادر مطلعة للموقع "شفق نيوز" الكردي العراقي أن شركة مرتبطة بحزب الدعوة تتولى تزويد المطار بالوقود، بينما يدير مسؤول في هيئة المنتجات النفطية بالنجف، ينتمي إلى تيار الحكمة، ملف التزويد داخل الهيئة. وأوضحت المصادر أن عقد الشركة الموردة بات قريبًا من نهايته، وأن الطرف التبع لتيار الحكمة يرفض تجديده، مشدّدًا على استمرار الهيئة في القيام بعملية التزويد بشكل مباشر. ويبدو أن هذا الخلاف ليس مجرد نزاع إداري، بل يعكس صراعًا أوسع على السيطرة على موارد مالية واستثمارية مرتبطة بمرافق الدولة الحيوية.
ونتيجة للخلاف أعلنت شركات سفر عراقية عبر صفحاتها على منصات التواصل الاجتماعي تعليق الرحلات من مطار النجف الدولي اعتبارًا من يوم الجمعة، مستشهدةً بنقص الوقود. ورغم أن القرار يظل قابلاً للتغيير في حال حلّ الخلاف، إلا أن إيقاف حركة الطيران يضع المدينة أمام ضغوط كبيرة، خصوصًا مع تدفق الزوار والحجاج إلى النجف بشكل مستمر.
وتأتي هذه الأزمة بعد أقل من شهرين من توقيف السلطات الأمنية لفايد الشمري، مدير مطار النجف الدولي السابق وقيادي في حزب الدعوة، فور وصوله إلى البلاد. وقال مصدر أمني حينها إن الشمري متهم بارتكاب مخالفات جسيمة في عقد بقيمة 72 مليون دولار داخل المطار، وأنه قد يُدرج ضمن قانون العفو العام بشرط تسوية الأضرار المالية التي لحقت بالمال العام. وكانت هيئة النزاهة الاتحادية قد أعلنت في مايو/أيار 2024 صدور حكم غيابي بالسجن ثلاث سنوات بحق الشمري، بعد إدانته بالتعاقد مع معمل داخل المطار دون الموافقات اللازمة وبغياب الرقابة الصحية، بهدف تحقيق مكاسب على حساب الدولة.
ويُنظر إلى الصراع بين القوى الشيعية في العراق اليوم على أنه نزاع على أكثر من مجرد مواقع في السلطة، إذ يتجاوز ذلك إلى التنافس على التحكم بالمؤسسات المالية ومفاصل الدولة الأساسية. فالمعركة بين حزب الدعوة الإسلامية وتيار الحكمة الوطني تتخذ أبعادًا مؤسساتية واضحة، حيث يسعى كل طرف لتوسيع تأثيره داخل الأجهزة الحكومية لضمان امتلاك أدوات القرار، وهو ما يترجم إلى سيطرة غير مباشرة على ميزانيات الدولة والمشاريع الكبرى.
وفي هذا السياق، يحرص كل من الطرفين على تعزيز وجوده داخل الوزارات والهيئات الاقتصادية، لأن ذلك يوفر له القدرة على توجيه الموارد بما يخدم قواعده السياسية. كما أن السيطرة على البرلمان تتيح استخدام التشريع كأداة ضغط؛ إذ يمكن تمرير قوانين تُعزز النفوذ الحزبي أو تعطيل خصوم داخليين من خلال آليات تشريعية تفرض واقعًا مؤسسيًا جديدًا. إلى جانب ذلك، فإن التحكم بالموارد المالية يمنح الأطراف القدرة على تمويل الحملات الانتخابية، وبناء شبكات تحالفات، وفرض ضغوط على المنافسين عبر الأدوات الاقتصادية والوظيفية.

صراع على المصالح بين القوى الشيعية الممثلة في الاطار التنسيقي
صراع على المصالح بين القوى الشيعية الممثلة في الاطار التنسيقي

ويعتقد أن الصراع هنا ليس نزاعًا عابرًا، بل هو صراع حول نمط الحكم نفسه. فكل جهة تسعى لإعادة تشكيل بنية السلطة بما يخدم مصالحها، ما يجعل المنافسة أكثر تعقيدًا من مجرد اختلافات سياسية. وفي ظل هذا التنافس، تتأثر القدرة على اتخاذ قرارات اقتصادية وتنموية متسقة، لأن إدارة الدولة تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات واحتكار النفوذ.
أما الإطار التنسيقي، فيمثل إطارًا واسعًا يجمع فصائل وأحزابًا شيعية متعددة، لكنه في الوقت نفسه ساحة للصراع الداخلي. فالتوازن داخل هذا الإطار لا يزال هشًا، إذ تتنافس مكونات مختلفة على التأثير والقيادة. ويبرز في هذا الصراع نفوذ حزب الدعوة التقليدي، الذي يعتمد على شبكة تنظيمية عميقة في مؤسسات الدولة، مقابل تيارات موالية لإيران، تمتلك امتدادات سياسية وعسكرية في بعض الحالات. وفي المقابل، يسعى تحالف قوى الدولة الوطنية الذي يضم تيار الحكمة الوطني إلى تقديم نفسه كبديل معتدل، ويحاول استقطاب قاعدة انتخابية جديدة عبر خطاب إصلاحي وتوافق سياسي أوسع.
وتظهر محاولات التهدئة أحيانًا في لقاءات تجمع عمار الحكيم مع قادة آخرين داخل الإطار الشيعي، في محاولة لإعادة ترتيب الصفوف قبل الاستحقاقات الانتخابية، لكن هذه المبادرات غالبًا ما تبقى محدودة في تأثيرها، لأن دوافع التنافس على النفوذ لا تزال قوية.
أما على مستوى المؤسسات، فإن الانقسامات تؤدي إلى تآكل فعالية الأجهزة الحكومية، إذ تتزايد المحاصصة والفساد، وتضعف الكفاءة الإدارية. ومع تزايد الصراع على النفوذ المالي، تتراجع قدرة الدولة على تنفيذ السياسات العامة وتقديم الخدمات الأساسية، ما ينعكس مباشرة على حياة المواطنين ويزيد من هشاشة الدولة.
وفي النهاية، يظل الصراع بين حزب الدعوة الإسلامية وتيار الحكمة الوطني نموذجًا لصراع أعمق على الهيمنة في العراق، حيث يتنافس الطرفان على السيطرة على مؤسسات الدولة ومفاصلها المالية، في سياق يعكس تحديات بنية السلطة وتوازن القوى داخل البيت الشيعي.