خلايا نائمة وهجمات خاطفة تُعيد داعش إلى واجهة المشهد السوري

نجاح التنظيم المتطرف في استهداف دورية في إدلب يشير إلى قدرته على اختراق الشبكات الأمنية المحلية، وتشكيل خلايا نائمة مُدرَّبة على الحركة والتخطيط والتنفيذ في عمق المناطق المُحكمة.

دمشق - عادت الهجمات المباغتة التي ينفذها تنظيم داعش بين الحين والآخر طرح اسمه مجددًا في واجهة المشهد السوري، في محاولة واضحة لإيصال رسالة مزدوجة مفادها أنه لا يزال قادرًا على الفعل، وأنه لم يُستأصل أمنيًا رغم الضربات التي تلقاها خلال السنوات الماضية، ففي وقت تتركز فيه الجهود الأمنية والعسكرية على تثبيت الاستقرار ومنع عودة التنظيمات المتطرفة، يراهن داعش على عمليات نوعية محدودة من حيث الحجم لكنها عالية التأثير من حيث الرمزية والتوقيت، مستهدفًا قوات الأمن ومواقع حساسة لإرباك المشهد وإعادة إنتاج صورته كفاعل قادر على الضرب.

وتأتي هذه الهجمات في سياق استراتيجية معروفة للتنظيم المتطرف تقوم على "إدارة التوحش الإعلامي"، حيث لا يحتاج إلى السيطرة على جغرافيا واسعة بقدر ما يسعى إلى فرض حضوره عبر عمليات خاطفة تعيد تسليط الضوء عليه محليًا ودوليًا.

وقد شكّل الهجوم الأخير الذي نفذه التنظيم في محافظة إدلب مؤشرًا لافتًا على محاولته اختراق الواقع الأمني في مناطق يُنظر إليها على أنها أكثر استقرارا نسبيًا، فقد أسفر عن مقتل أربعة من عناصر الأمن السوري، ما أعاد طرح تساؤلات حول قدرة داعش على التحرك ضمن خلايا نائمة واستغلال الثغرات الأمنية رغم الإجراءات المشددة، في تطور يستدعي أيضا أسئلة حول قدرة السلطة الجديدة بقيادة أحمد الشرع على ضبط الأمن ومكافحة تنظيمات تتبنى الفكر ذاته الذي كانت تتبناه هيئة تحرير الشام (النصرة سابقا) التي كان يقودها الشرع قبل أن يتحول بعد الإطاحة برئيس النظام السوري بشار الأسد، إلى حاكم بات هو ذاته يواجه ما كان يواجهه الأسد وعموم سوريا من هجمات إرهابية.

ويُقرأ هجوم داعش الأخير، وفق مقاربات أمنية، على أنه محاولة لاستثمار التحولات الجارية في الخارطة السورية والانشغالات المتعددة للقوى المحلية، من أجل تثبيت معادلة مفادها أن التنظيم لا يزال حاضرًا وقادرًا على توجيه ضربات موجعة عند الحاجة.

كما يعكس سعي داعش إلى رفع معنويات أنصاره وإعادة تجنيد عناصر جديدة عبر الترويج لنجاحات ميدانية، ولو كانت محدودة، في مقابل إرباك الجهود الرامية إلى طي صفحة التنظيم نهائيًا. وعليه، فإن عودة التنظيم المتطرف إلى واجهة المشهد السوري، ولو عبر هجمات متفرقة، تؤكد أن المواجهة معه لم تنتقل بعد من الميدان الأمني إلى مرحلة المعالجة الجذرية للفكر والبنية التي سمحت له بالظهور والاستمرار.

وتُمثِّل إدلب بؤرة توتر جيوسياسي ومحوراً للصراع بين أطراف إقليمية ودولية متعددة، مما يجعل استهدافها من قِبل "داعش" ذا مغزى استراتيجي عميق، حيث يُظهِر محاولة التنظيم لإرسال رسالة واضحة مفادها أنه قادر على ضرب أي هدف في أي مكان بسوريا، متجاوزاً خطوط النزاع والسيطرة، ومُثبتاً بذلك حضوره الدائم في المشهد السوري المعقد.

وتشير تقارير استخباراتية إلى أن التنظيم يعتمد حالياً على شبكات من الخلايا السرية (النائمة) التي تعمل بشكل مستقل نسبياً، مما يجعل اكتشافها وتفكيكها أكثر صعوبة. وتستهدف هذه الشبكات نقاط الضعف الأمنية والبنية التحتية المحلية وقوات الأمن لزعزعة الاستقرار.

ولا يقف هدف "داعش" عند حدود السيطرة على الأرض، بل يذهب إلى استنزاف الموارد البشرية والمادية للقوات المناوئة (سواء قوات النظام، أو قوات سوريا الديمقراطية)، بهدف تشتيت جهودها الأمنية والمالية.