خيط سري من الشعر ينظم مختارات رفعت سلام من أعمال يانيس ريتسوس

الناقد المصري يجعل من ترجمته لبعض اعمال ابرز أعمدة الشعر اليوناني الحديث رحلة وجودية وروحية حيث لم يكتف بنقل النصوص بل عاش داخلها وكأنها جزء من سيرته، فامتزج الشاعر والمترجم في 'تاريخ سري' جمع بينهما.

يكتب رفعت سلام في مقدمة مختاراته من شعر يانيس ريتسوس، المعنونة بـ "ربما.."، وكأنه يسرد سيرة ذاتية مشتركة، لا تخصه وحده ولا تخص ريتسوس وحده، بل تخص الاثنين معًا في التباسهما الشعري والوجودي. يقول: "لا يريد أن يفلتني، ولا أفلته. كأن هناك خيطًا سريًا يربطنا معًا، منذ لقائنا الأول، في نهاية الثمانينيات الماضية، رغم أنف الجغرافيا والزمن". هذه العبارة الافتتاحية تكشف عن طبيعة العلاقة بين المترجم والشاعر: ليست مجرد علاقة ناقل بلغة إلى أخرى، بل علاقة روح بروح، معايشة داخلية، أو كما سماها لاحقًا "تاريخ سري روحاني، مشحون بالأصوات الهامسة والصاخبة، والوجوه المكدودة المتألمة".

سلام الذي أنجز هذه المختارات في جزئين نشرهما عن دار خطوط وظلال بموافقة مسبقة من "يانيس ريتسوس" نفسه، وفقًا للخطاب المرسل إليه من دار "كيدروس"، بأثينا، مالكة حقوق نشر أعمال الشاعر اليوناني الكبير الراحل، ربط بريتسوس علاقة وجدانية ممتدة، تتجاوز غياب اللقاء الفعلي، يلفت إلى "لعلنا التقينا عام 1990، أو لم نلتق. لكنه أعرب لي - كتابة - عن سعادته بمشروع ترجمتي لقصائده إلى العربية، ومنحني من خلال دار كيدروس حقوق النشر بالعربية حينما يكتمل المشروع. لكني لم أكن أبحث عن 'الحقوق'! كنت أبحث عنه هو".

ويوضح أن الدافع الأساسي لمشروع الترجمة لم يكن قانونيًا أو نشرًا، بل رغبة في ملاحقة شاعر، والقبض على حضوره الشعري الماورائي، حتى لو كان الموت قد حال بينهما. فسلام لم يلتق ريتسوس حيًا، ويضيف "كيف كان لي ألا يخدعني الزمن والموت، فيختطفه منّي قبل أن أحط رجلي في اليونان، أول مرة، بعد عام وحيد من وفاته؟ لكنه كان قد سكنني. فلم يستطع الموت أن يأخذه مني."

هذا السكن الداخلي الذي يتحدث عنه رفعت سلام يضعنا أمام صورة أخرى للترجمة: ليست عملية ميكانيكية تنقل الكلمات من لغة إلى لغة، بل هي نوع من "التعايش" الروحي والوجودي، حيث يعيش المترجم داخل الشاعر ويعيد إنتاج عوالمه. وهنا يتساءل سلام بقلق وجودي وشعري "هل يمكن لشاعر يمتلك هذه الرحابة والأعماق الفريدة ألا يكتب قصيدة حب؟" هذا السؤال، كما يوضح، ظل يطارده لسنوات وهو يعمل على ترجمة ريتسوس، حتى عثر مصادفة على "إيروتيكا"، العمل الذي أجابه وأذهله في آن، وجعله يشعر ـ كما قال ـ أنه "سرق على نحو ما"، إذ إن ما كان يحلم بكتابته وجد ريتسوس قد سبقه إليه.

إن تاريخ سلام مع ريتسوس ليس تاريخًا علنيًا بالضرورة، بل "تاريخ سري حميم، طويل وعميق، ملتبس ومبهم، لا يمكن أن يكشف عنه، أو يختصره أكثر من 600 صفحة منشورة". هذا التاريخ السري يتجلى في صورة من الصور الشعرية التي يسردها "الأصوات الهامسة والصاخبة، والوجوه المكدودة المتألمة، والكلمات الغريبة والمبتورة، والخطى العرجاء، والأوشحة المتطايرة، والشموس الساطعة والخافتة، ورمال البحر المبلولة، والأساطير الحية الغابرة..."، وكأن المترجم نفسه صار شريكًا في كتابة هذه العوالم التي تحمل بصمة ريتسوس.

لكن سلام، وهو يقرأ ويترجم، لم يكتف بهذا التواطؤ الروحي، بل حاول أن يحدد موقع ريتسوس في المشهد الشعري. فهو يرى أن الشاعر لا يبدأ من الذات ولا ينتهي إليها، إذ يقول: "ليس اليومي الذاتي، بل 'يومي' العالم: الإنسان البسيط في تفاصيله العادية، والكائنات في حركتها وإيقاعها شبه السري، والأشياء في حضورها المنسي. فالعالم - لا الذات - هو مركز القصيدة وهدفها." هذا التصور هو ما يجعل ريتسوس مختلفًا، برأي سلام، عن كثير من شعراء قصيدة النثر العرب الذين "استفادوا منه"، لكنه في نظره تجاوزهم لأنه لم يجعل من ذاته مركز العالم.

تتضح منهجية ريتسوس، كما يقدمها سلام، في بناء القصيدة "بنية القصيدة مهما كان قصرها تخاصم العشوائية والاعتباطية؛ بل إن قصر القصيدة يفرض الحد الأقصى من الرهافة والإحكام والعضوية، لتصبح كل جملة - بل كل كلمة - مشروطة بأن تكون ضرورية كليًا للسياق." وهذا الحرص على الاقتصاد الشعري، عند ريتسوس، هو ما يمنح قصيدته قدرتها على المفاجأة والتنوير في لحظة الختام، حيث تتحول القصيدة إلى فخ ينصب للقارئ.

يصف سلام ريتسوس وقصيدته بأنه "شاعر لا يكتب نفسه، أو ذاته الشخصية؛ ولا يتخفى وراء "الأنا" الشعرية ليقدم "الذاتي" الحميم باعتباره جوهر العالم؛ ولا تصلح قصيدته أن تكون "سيرة" شعرية ذاتية له. فهو لا يختصر العالم في ذاته، لا يجعل من ذاته مركز الكون، ومعيار الوجود؛ بل إنه ليس مشغولاً أبدا بذاته الشخصية، فيحولها إلى مركز للقصيدة وعالمه الشعري. إنه مشغول دائما وأبدا بالآخر، باكتشاف العالم، وذلك الجوهري الكامن وراء تغير التفاصيل الخارجية، والشعري الكامن فيما وراء نثرية الحياة اليومية، والأبدي المتخفي في أشكال وإشارات ومظاهر جزئية عابرة".

ولعل هذا ما دفع سلام ليقول إن حتى شخصيات الأساطير اليونانية، في نصوص ريتسوس، كـ"أوريست" و"أجاممنون" و"هيلين"، تعود لتقول ما لم تقله من قبل، لأنها تنفتح على أسئلة الحاضر لا الماضي فقط.

أما عن البعد السياسي، فرغم التزام ريتسوس الحزبي، يرى سلام أن قصيدته "لا تنتمي إلى السياسي بمعناه الدارج لدينا، التحريضي، الخطابي، التمجيدي، المباشر، بأي معنى. فالسياسي غائر في أعماق القصيدة، إلى حد ألا تكاد تدركه العين. إنه ليس سياسيًا شعاراتيًا، بل سياسي في الجوهر، في كشفه عن معاناة الإنسان وتوقه للحلم، بعد أن يكون قد ارتطم بقاع اليأس وتماس مع الموت، فخرج أصلب وأصفى."

وإذا كان هذا هو البعد الجوهري لرؤية سلام لريتسوس، فإن تجسيده العملي جاء عبر مشروع ضخم من الترجمات، بدأ منذ منتصف الثمانينيات، وامتد حتى إصداراته الأخيرة. لقد ترجم سلام أكثر من واحد وعشرين عملًا شعريًا لريتسوس، إلى جانب مئات القصائد القصيرة التي انتقاها بعناية. في مقدمة أعماله المترجمة يبرز ديوان "إيروتيكا" (Erotica) الذي اكتشف فيه الجانب العاطفي والحميمي لقصيدة ريتسوس، وهو الاكتشاف الذي قلب لديه فهمًا راسخًا بأن الشاعر غائب عن كتابة الحب. كما ترجم ديوان "الجدار في المرآة" (The Wall in the Mirror) الذي يكشف عن طبقات الذات الجمعية والذاكرة، وديوان "شهادة" (Testimony) بأجزائه المختلفة الذي يختزل تجربة ريتسوس مع المنفى والسجن والتاريخ الشخصي والجماعي، إضافة إلى ديوان "البيت الميت" (The Dead House) الذي يشتبك فيه مع فكرة الغياب والموت.

ومن بين الترجمات اللافتة أيضًا تلك التي تتناول المسرحيات الشعرية مثل "أوريست" و"أجاممنون" و"هيلين"، حيث أعاد ريتسوس عبرها صياغة الأسطورة في ضوء التجربة الحديثة، فجعل شخصياتها القديمة تطرح أسئلة الحاضر وتعيش هواجسه. سلام أشار إلى أن هذه النصوص متعددة الطبقات بحيث لا يمكن أن تُقرأ في مستوى واحد، بل تنفتح باستمرار على آفاق لا نهائية.

هكذا تشكلت مختارات رفعت سلام من ريتسوس في ثلاثية مترامية: نصوص قصيرة تحتفي باليومي والعابر وتحوّله إلى كوني، ونصوص درامية مطولة تعيد تشكيل الأسطورة في ضوء المعاناة الإنسانية، ونصوص حميمة مثل "إيروتيكا" تكشف الجانب الأكثر خفاءً في عالم ريتسوس. وبذلك، فإن ما قدّمه سلام للقارئ العربي من أعمال ريتسوس يتجاوز بكثير ما قدّمه مترجمو الإنجليزية والفرنسية مجتمعين، إذ لم يقتصر على مختارات متفرقة، بل قدّم مشروعًا متكاملًا يتيح رؤية شاملة للشاعر.

يصل سلام في ختام رحلته مع ريتسوس إلى لحظة اعتراف ووداع، إذ يقول " بهذا العمل، أختتم رحلتي الطويلة مع أعمال يانيس ريتسوس، التي بدأت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي؛ تلك الرحلة التي أسفرت في حصيلتها الأخيرة عن تقديم النصوص الكاملة لما هو أكثر بكثير من واحد وعشرين عملاً شعريا لريتسوس، من أهم أعمال مسيرته الشعرية منذ البدايات، حتى ديوانه الأخير الصادر بعد رحيله: "إبيتافيوس" (1936)، "أغنية أختي" 1937)، "مسيرة المحيط" (1940)، "سُونَاتا ضَوء القمر" (1956)، "أقواس ( 1946-1947)، "أقواس" (1950-1961)، "البيت الميت" (1962)، "لشَجَرَةُ( السجن والنساء" (1963)، "اثنتا عشرةَ قَصيدة إلى كفافيس" (1963 ـ 1966) "فيلوكتيت" (1965)، "روميوسيني" (1966)، "أُوريست"، "أجاممنون" (1966-1970)، "هيلين" (1972)، "ثماني عشرةَ أُنشُودَة قَصِيرَة للوطن المرير" (1973)، "دمار ميلوس" (1974)، "البعيد" (1977)، "الجسد والدم" (1978)، "إيروتيكا" (1981)، انتهاءً بديوانه الأخير "آخر الليل" الذي صدر بعد وفاته بعام.

هكذا كانت هذه الرحلة أكثر من مشروع ترجمة؛ كانت حياة ثانية عاشها المترجم داخل الشاعر، وتاريخًا سريًا ممتدًا، حتى صار من الصعب الفصل بين الاثنين. ومن هنا، تبدو مقدمة "ربما.." شهادة مزدوجة: شهادة عن ريتسوس، وشهادة عن رفعت سلام نفسه، عن الشعر بوصفه إقامة في الأبد، كما ختم بقوله "فمن أين يبدأ الشعر؟ أين ينتهي؟ لا بداية. لا نهاية. هو سيد 'اليومي".

من قصيدة

معروفةٌ صغيرةٌ مِن مَقام كَبِيرٍ أَحمر

الكَلِمَاتُ أيضًا

شرايين

فيها

يَنسَابُ الدم

عِندَمَا تَتَّحِدُ الكَلِمَاتِ

تَتَضَرَّجُ بِالأَحمر

بشرة الورقة

مِثْلَمَا تَتَضَرَّج

بشرة الرجل

والنساء

في لحظة الحب.

على البساط الأحمر

عَارِيةٌ تَمَامًا

مُغمَضَةَ العينين

تنتظره

لِتَخلَعَ حِذَاءَه

وَجَوارِبَه

وَتَدفِسَ ثَدييها

بِقُوَّةٍ ، بِقُوَّة

في قَدَمَيه العَرِيضتين.

جبلان

جَسَدَان

شَجَرَةٌ وَاحِدَة

وَالنَّهرُ الطَّوِيل

بقدر البحر في الأسفل

بقدر الميناء الآخر

بالحانات

بِالمُجَدِّفِين

ومحلات الحدادة

الموسيقى - أيضًا – هناك.

ضَبَاب

تِلالُ مُستَوِيَة

معتمة

كيف يُمْكِنُ أَن يَكُونَ هُنَاكَ

وسطَ الرَّمَادِيُّ الفَاتِحِ العام

جَسَدُ مُنتَصِب

في احمرار

عاريا ؟.

القصيدة

آه القصيدة - يَقُول

جمَاعٌ جِنسِيٌّ دَائِم

لا عَلَامَاتِ تَرقِيم

لا طمث

شذا الأرض

سِمَادٌ وَزُهُورُ لَيْمُون

وَمَنِي المعول وَالجَارُوف

عَلَى الرخام

يعملان في ازدواج

لا تَقُل شَيئًا آخر فالحب واحد.

تَرتَدِي وَتَعرَى

نَارُ ثِيَابُهَا

عُريهَا نَار

المَسَامِيرُ ذَابَت

نَهْرًا مِن حَدِيد

يَنسَابُ تَحتَ الأشجار

تَنفَتِحُ ثَلَاثُ نَوَافِدْ

 تُحَدِّقُ الطُّيُورُ بِدَاخِلِهَا

وَفِي مَنَاقِيرِهَا أَعواد كبريت

زُجَاجُ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ نَافِدَةٍ أَحمر

وَسِتُّ ذَهَبِي.

تحت السرير

حِذَاؤُهَا

يَأْخُذُ شَكَلَ قَدَمَيهَا

دفءَ قَدَمَيْهَا

الَّذِي يَضُوعُ بِهِ

وَطَائِرَانِ أَبْيَضَان

بِعُيُونٍ فَاحِمَةِ السَّوَادِ

وَخَاتِمِ مِن النِّيكل

حَولَ رَقَبَتَيهِمَا.

يَقولُ - لَا يَنفَد

بلا نفاد

الجسد الإنساني

سَمَاءُ كَثِيفَة

سَمَاءُ حمراء

تَغُوص

وَلَا مِن غُصْنٍ وَحيدٍ لِتَتَشَبَّتَ

بِالْأَرْضِ كَي تَقِفَ عَلَى

سَمَاءٍ كَثِيفَة

فَلِكَي يَنفَتِحَ جَنَاحَاكَ

لا بُدَّ أن تبزغ.

لم تخط

قَمِيصَه

شبكته بالدبابيس

لِتَجْرَحَهُ عِندَمَا يَرْتَدِيه

كَم سَيَكُونُ جَمِيلًا

أن يَرْتَدِيهِ مَفْتُوحًا

وفي حنجرته القوية

الأبيضُ الصَّافي

مَعَ بُقع حمراء.

لَيَالٍ شَهْوَانِيَّةٌ تَمَامًا

القمر في الغرفة

القَمَرُ عَلَى السَّرِير

عَلَى الجَسَدِ العَارِي

أسْفَلَ السُّلَّم في الطابق الأرضي

يُقعقع الحديد

الحَدَّادُ يُسَمِّر

حدواتٍ ذَهَبِيَّة

في الحصان

الأبيض المُجَنَّحِ

وَلَن تُبَالِي

بِمَا إِذَا كَانَ سَيَطِيرٍ مِن جَدِيد

بِمِثْلِ أُحَذِيَتِهِ الثَّقِيلَةِ هَذِهِ.

تَحتَ ثِيَابِهَا

عارية

فَوقَ ثِيَابِهَا

عَارِيَةً تَمَامًا

أَمَامَ النَّافِذَة

تُمْسِكُ بِكُوبٍ طُوِيل

هَل سَتُقَدِّمُه لَكَ ؟

أَلَن تُقَدِّمُه ؟

الشرب منه هي نفسها.

لا تنظر إليك

وَهَكَذَا تَكُونُ أَكْثَرَ عُريًا

بَينَ ثدييها.

أصابع اليدين

أصابع القدم

أعضَاءُ ذُكورة

وسط الأصابع الخمسة

أربَعَةُ فُرُوجٍ

عِشْرُونَ وَسِتَّةُ عَشر -

وَقَبْلَ أَن تَمْلِكَ وَقتًا

لجمعهم معا

يَنبَجِسُ سَائِلُكَ المَنْوِي

عَلَى شِفَاه التمثال.