د.إيهاب خليفة: اختراق السلاح الذكي قادر على قلب الطاولة على مستخدمه
يقدّم كتاب "الحرب في عصر الذكاء الاصطناعي" للدكتور إيهاب خليفة رؤية تحليلية شاملة للتحوّل العميق الذي أصاب طبيعة القوة العسكرية في العصر الحديث، حيث لم تعد الجيوش تُقاس بحجم الدبابات والطائرات، بل بقدرتها على امتلاك الخوارزميات الأكثر تقدماً. فمنذ دخول الذكاء الاصطناعي إلى ميدان القتال تغيّر ميزان القوة، وأصبحت الحرب تُدار من غرف تحليل البيانات قبل أن تُخاض على الأرض، وصار القرار العسكري نتاجاً لمعادلات رقمية تتفوق في سرعتها على أي عقل بشري.
ينطلق الكتاب الصادر ضمن سلسلة كتب المستقبل مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، من الجذور الفكرية والتقنية للذكاء الاصطناعي، ابتداءً من اختبار تورينغ وسؤال الإنسان الأول للآلة: هل تستطيعين التفكير؟ ويتتبع مسار تطور النماذج الذكية من "ديب بلو" الذي هزم بطل العالم في الشطرنج، إلى "ألفا زيرو" الذي علّم نفسه بنفسه، وصولاً إلى النماذج التوليدية مثل ChatGPT التي تقترب بخطى واضحة من محاكاة الوعي البشري. هذا التطور جعل الآلة شريكاً ومنافساً في عمليات اتخاذ القرار، بما في ذلك القرارات العسكرية.
ويُظهر الكتاب كيف تغيّر شكل القيادة في العصر الرقمي، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة، بل أصبح ضابط عمليات، ومستشاراً استراتيجياً، بل ومقاتلاً غير مرئي في بعض الأحيان. فالخوارزميات تخطط للهجمات، وتحاكي ردود الأفعال، وتحسب احتمالات النصر والهزيمة فورياً، فيما يتراجع الدور البشري من القيادة المباشرة إلى التنسيق والإشراف. وهكذا يتجه المقاتل في جيش المستقبل ليصبح "منسّق ذكاء اصطناعي" يتعامل مع الآلة كشريك بدلاً من كونها مجرد أداة.
ويبرز الكتاب الطائرات المسيّرة باعتبارها الصورة الأكثر وضوحاً للحرب الذكية، حيث تحوّلت من أدوات استطلاع بسيطة إلى أسراب قتالية ذاتية التنسيق. وبفضل الذكاء الاصطناعي أصبحت المسيرات "صواريخ الفقراء"، قادرة على تغيير ميزان القوة بتكلفة منخفضة مقارنة بالوسائل التقليدية. وهنا تبرز معادلة جديدة: من يفكر أسرع يتفوق أكثر، بغض النظر عن كلفة السلاح.
ويمتد التحليل إلى مستقبل الجندي نفسه، حيث يتوقع المؤلف ظهور "السايبورغ" أو الجندي الهجين، القادر على الرؤية في الظلام والاتصال الذهني والقتال لساعات دون إرهاق بفضل الاندماج بين الإنسان والآلة. غير أن هذا التطور يطرح أسئلة حساسة حول حدود التدخل التكنولوجي في الجسد البشري، واحتمال تحوّل المقاتل إلى كيان تتحكم فيه الآلة أكثر مما يتحكم هو فيها.
ولا يتوقف الكتاب عند ساحة المعركة، بل ينتقل إلى مجالات التفاوض وصناعة السلام، متسائلاً: هل يمكن للخوارزميات أن تتنبأ بسلوك الدول وتشارك في إدارة النزاعات وربما في عقد الاتفاقات؟ وهل يمكن للسلام أن يُبرمج كما تُبرمج الحرب؟ يشير المؤلف إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح سلاحاً جديداً للدبلوماسية، لكنه يحمل خطراً كامناً يتعلق بمن يكتب الخوارزميات ويحدد معايير القرارات المصيرية.
الكتاب يُظهر كيف تغيّر شكل القيادة في العصر الرقمي، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة، بل أصبح ضابط عمليات، ومستشاراً استراتيجياً، بل ومقاتلاً غير مرئي في بعض الأحيان
ويدعم الكتاب تحليله بأمثلة من الواقع المعاصر، حيث شكلت حربا أوكرانيا وغزة مختبراً حقيقياً لاستخدام الذكاء الاصطناعي في القتال. ففي أوكرانيا استخدمت كييف الأنظمة الذكية لتوجيه أسراب المسيرات ضمن ما يعرف بـ"شبكة العنكبوت"، بينما استخدمت إسرائيل أنظمة آلية مثل "لافندر" و"غوسبل" لتحديد الأهداف وتصنيف البشر. وقد كشفت هذه التجارب عن قدرة الذكاء الاصطناعي على تحقيق تفوق سريع، لكنها أبرزت أيضاً خطراً أخلاقياً كبيراً، إذ لا تميّز الآلة بين هدف عسكري وطفل نائم.
ويؤكد خليفة أنه لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تكنولوجية مساعدة؛ بل أصبح قوة إعادة تشكيل كبرى للمؤسسات العسكرية على المستويين التنظيمي والعقائدي. وبقدر ما يوفّر من إمكانات؛ يطرح في الوقت نفسه تحديات تتعلق بالسرعة، والأمن، والشرعية، والأثر النفسي على المقاتلين والمجتمعات؛ ومن ثم فإن استجابة الجيوش لهذا التحول لا يمكن أن تكون جزئية أو تجميلية، وإنما هي إعادة هيكلة شاملة لمنطق الحرب نفسه. فلم تعد العلاقة بين الجندي والآلة قائمة على التفوق البشري الخالص؛ بل أصبحت أقرب إلى علاقة تكاملية. فالإنسان لم يعد منفذاً لكل مهمة؛ بل أصبح مراجعاً أخلاقياً وصانع قرار في اللحظة الحاسمة؛ ومن ثم يجب أن تسعى المؤسسات العسكرية إلى تبنّى هذا المنطق بحيث يتحول المقاتل إلى منسق ذكاء اصطناعي قادر على فهم توصيات الخوارزميات، وتقييمها، ثم دمجها في قرار عسكري أوسع.
ويرى أن التحولات التقنية تفرض إعادة نظر في العقيدة العسكرية بصورة عامة، فمفاهيم مثل الردع، والسيطرة الجوية، والمعركة البرية المشتركة باتت صياغتها تعاد في ضوء الطائرات المسيرة، والأنظمة الذاتية، والخوارزميات التي تدير النيران، والجيش الذي لا يحدّث عقيدته يظل أسيراً لتكتيكات الماضي في حين يواجه خصماً يتحرك وفق منطق جديد.
ويشدد خليفة على وجوب الإدراك أيضاً أن "الذكاء الاصطناعي لا يعمل في الفراغ، وإنما يتغذى على البيانات؛ لذا تحتاج الجيوش إلى الاستثمار في شبكات جمع، وتخزين، وتحليل بيانات متكاملة، تتسم بالسرعة والأمان والقدرة على الربط بين الوحدات المختلفة. فالقوة في الحروب المقبلة لن تقاس بعدد الدبابات، أو الطائرات فحسب، بل بقدرة المؤسسة العسكرية على تحويل تدفق البيانات إلى قرارات عملياتية لحظية؛ لذا شهدنا شراكات تقوم بها إسرائيل على سبيل المثال مع مايكروسوفت وجوجل وغيرها لاستغلال مراكز البيانات الضخمة الخاصة بها".
ويقول "إذا كان السلاح الذكي قادراً على تغيير موازين القوى؛ فإن اختراقه قادر على قلب الطاولة على مستخدمه. من هنا، فإن أي تبن عسكري للذكاء الاصطناعي يجب أن يقترن بتحصين إلكتروني وسيبراني على أعلى مستوى، عبر التشفير، واختبارات الاختراق، ونظم الطوارئ التي تتيح تعطيل الخوارزميات عند أي سلوك غير متوقع".
ويؤكد خليفة أنه كلما ازدادت قدرة الأنظمة على اتخاذ قرارات مستقلة، برزت أسئلة الشرعية والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، فالمؤسسات العسكرية التي تتبنى الذكاء الاصطناعي عليها أن تؤسس أطر حوكمة أخلاقية واضحة، تضع حدوداً فاصلة بين ما يمكن للآلة أن تفعله، وما يجب أن يظل في يد الإنسان، خصوصاً في القرارات القاتلة. ومن هنا يجب تأكيد تطوير ذكاء اصطناعي أخلاقي في الحروب، سواء على مستوى التخطيط وصياغة الاستراتيجية، أو التنفيذ والهجوم العسكري عبر الأسلحة المستقلة والدرونز والروبوتات العسكرية والسايبورغ العسكري، فتراعي حقوق المدنيين في المعارك العسكرية، وتضمن الالتزام بالقوانين الدولية ومراعاة الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية للحروب، وعدم تطرف بعض هذه الأنظمة وهؤلاء السايبورغ حتى لا يتحولوا إلى إرهابيين بقدرات خارقة تعجز كثير من الحكومات عن مواجهتها.
ويختم أنه مع استمرار عملية تطوير الذكاء الاصطناعي الخارق، تزداد أهمية التأكد من أن البشر يحتفظون بالسيطرة على هذه النظم. فبينما تمتلك هذه النظم القدرة على تحسين حياتنا بشكل كبير، فإن تجاوزها للقدرات المبرمجة عليها أو الخروج عن الوظائف المخولة للقيام بها، يمكن أن يؤدي إلى عواقب غيـر محمودة؛ لذلك يجب وضع آليات صارمة لضمان بقاء السيطرة البشرية على السايبورغ. تتضمن هذه الآليات وضع حدود واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وتطوير بروتوكولات أمان تمنع النظم من تجاوز هذه الحدود. كما أنه من الضروري أيضاً أن تكون هناك طرق فعالة لتعطيل أي نظام يخرج عن نطاق السيطرة بسرعة وأمان، ويجب أن تكون هناك قوانين رادعة تعاقب السايبورغ إذا تجاوز قدراته المخصصة أو استغلها بطريقة غير مسؤولة أو غير عادلة. فحماية البشر وضمان أمنهم يجب أن يكون دائماً في مقدمة الأولويات عند أي تطوير أو استخدام للذكاء الاصطناعي الخارق. إضافة إلى ما سبق من الضروري مراعاة عناصر الشفافية والإفصاح عند بيع وترويج النظم العسكرية المستقلة، والشفافية لا تقتصر فقط على آلية استخدام النظام؛ بل تشمل آلية جمع البيانات ومعالجتها وتخزينها وتقديم معلومات واضحة للعملاء حول كيفية استخدام بياناتهم، بما في ذلك أهداف الاستخدام وأي أطراف ثالثة قد تتلقى هذه البيانات.