د.شيرين فاروق: الإعلام الافتراضي أحد الأدوات الرئيسية في الصراع العالمي

أهمية كتاب 'خوارزميات الذكاء الاصطناعي الإعلام الرقمي ومستقبل السيادة الرقمية' تكمن في أنه لا يكتفي بتشخيص المخاطر، بل يسعى إلى تنبيه المجتمعات والدول إلى ضرورة امتلاك أدوات المواجهة.

تسعى أستاذ الإعلام الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي د.شيرين فاروق ربيع في كتابها "خوارزميات الذكاء الاصطناعي الإعلام الرقمي ومستقبل السيادة الرقمية" إلى وضع القارئ في مواجهة عالم جديد تتشكل ملامحه أمام أعيننا بسرعة مذهلة، حيث لم تعد القوة التقليدية وحدها كافية لتفسير موازين الصراع، ولم تعد الجيوش في ساحات القتال هي اللاعب الوحيد، بل برزت التكنولوجيا الرقمية والإعلام الافتراضي وتقنيات الذكاء الاصطناعي كقوى فاعلة لا تقل أثرًا وخطورة.

تؤكد د.شيرين أن "الإعلام الافتراضي أصبح أحد الأدوات الرئيسية في الصراع العالمي المعاصر، ففي عصر ما بعد الحقيقة، أصبحت المعلومات المضللة والتلاعب بالحقائق جزءًا من الاستراتيجيات السياسية والعسكرية، إذ يلعب الإعلام الافتراضي دورًا رئيسيًا في تشكيل الرأي العام وخلق اتجاهات تُسهم في تصعيد التوترات أو تهدئتها". إننا أمام عالم لم تعد فيه الحقيقة وحدها هي التي تحكم سلوك الجماهير، بل أضحى التضليل والتلاعب إحدى أهم الأدوات في صناعة السياسات الكبرى.

وتنتقل إلى ربط هذا التحول بتطورات الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد مجرد تكنولوجيا تطبيقية، بل صار "أحد أهم أضلاع الصراع العالمي والمتمثل في تقنيات الذكاء الاصطناعي وخوارزميات التعلم الآلي، حيث تقدم هذه التكنولوجيات الحديثة أدوات متقدمة لتحليل البيانات، والتنبؤ بالاتجاهات، وإدارة العمليات الحربية بشكل أكثر فعالية". وهنا يتجلى كيف أن أدوات مثل التعلم العميق لم تعد مجرد برمجيات لتحسين الخدمات، بل صارت عنصرًا يعيد تشكيل استراتيجيات القوة.

وتقف د.شيرين عند ظاهرة "عصر ما بعد الحقيقة"، موضحةً أنه "لم تعُد وسائل الإعلام مراقباً محايداً في تغطية الأزمات والصراعات، بل أصبحت تُسهم في تشكيل السياسة الخارجية لعملية صُنع القرار، وبناء الأجندة السياسية على الساحة الدولية". هذه الجملة تعكس جوهر الفكرة التي تنسج خيوطها على امتداد الكتاب: الإعلام لم يعد وسيلة اتصال فحسب، بل تحوّل إلى أداة حرب، وإلى ساحة صراع بذاتها.

وبينما كان يُنظر في السابق إلى الحروب باعتبارها مواجهة بين جيوش منظمة على أرض معركة واضحة، فإن التحولات التي وصفتها د.شيرين أبرزت أن "الحروب لم تعد تخضع لقانون النزاعات الدولية المسلحة، كما تستخدم تكتيكات الحرب غير التقليدية في مواجهة جيوش نظامية، ويعتمدون فيها على شبكات قتالية مرنة ولها قدرة على امتصاص الضربات ولا يشغلهم العامل الزمني". هذا النمط من الحروب، حيث تختلط حدود السياسة بالعنف، والإعلام بالتكنولوجيا، يفتح المجال أمام فاعلين جدد من غير الدول، يملكون من القدرة ما يكفي لزعزعة الاستقرار وتقويض الدول.

كتاب 'خوارزميات الذكاء الاصطناعي الإعلام الرقمي ومستقبل السيادة الرقمية'
وضع القارئ في مواجهة عالم جديد تتشكل ملامحه أمام أعيننا بسرعة مذهلة

وفي استعراضها لمفهوم الحرب الإعلامية الافتراضية، ترى د.شيرين أن أخطر ما نواجهه اليوم هو أن وسائل الإعلام الرقمية أصبحت قادرة على إنتاج واقع بديل، واقع لا تحكمه الحقائق بل الانطباعات. وتقول إن "الشائعات والأخبار الكاذبة تفاقمت في السنوات الماضية حتى صارت أزمة كبرى تعاني منها كافة دول العالم بلا استثناء، وتحولت إلى أحد أكبر الظواهر والأخطار التي تهدد الأمن القومي للدول بكافة جوانبه وأبعاده". هذا التحول لا ينفصل عن صعود شبكات التواصل الاجتماعي، التي باتت ساحة مفتوحة لكل أشكال التضليل وصناعة الرأي.

وتورد د.شيرين تقريرًا بالغ الأهمية صدر عن جامعة نانيانغ للتكنولوجيا في سنغافورة، يوضح أن الأخبار الكاذبة أصبحت سلاحًا من أسلحة الجيل الرابع من الحروب، حيث تستخدم في "حملات تضليل كبرى مدروسة ومخططة ومنظمة بهدف تقويض أمن واستقرار الدول عن طريق تخريب المجتمعات وضرب تماسكها الاجتماعي، وتخريب العملية الديمقراطية". وهنا يصبح الإعلام الرقمي ليس فقط وسيلة نشر خبر، بل أداة لزعزعة استقرار دول بأكملها.

وترى أن خطورة الشائعات لا تكمن فقط في محتواها، بل في ديناميات انتشارها. فـ"الشائعة تستمد حجتها ومصداقيتها من كثرة التداول، فإذا ما شاهدت خبرا أو مقطعا مصورا سبق أن شاهده ملايين البشر، فهذا في حد ذاته حُجة تضفي شكلا من المصداقية على الشائعة". هنا يتضح كيف أن الخوارزميات، عبر مبدأ التداول والانتشار الواسع، تعيد صياغة معيار الحقيقة ذاته.

لكن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر دوره على التلاعب بالوعي عبر الأخبار الزائفة، بل يمتد إلى أشكال أكثر خطورة، مثل التزييف العميق. تحذر د.شيرين من أن "الهجمات غير المتكافئة أكثر توتراً وأكثر إبداعاً وأكثر ضرراً نظراً لاستخدام وسائل تكنولوجية حديثة مثل: قرصنة المواقع الإلكترونية لمؤسسات الدولة المعادية، فيتم نشر الفيروسات التي تدمر أجهزة الدولة واختراق شبكة المعلومات والتجسس والإرهاب الإلكتروني، واستخدام طائرات بدون طيار وسيارات مفخخة". وهذا التوصيف يُبرز أن الذكاء الاصطناعي صار جزءًا لا يتجزأ من البنية التحتية للصراع. فالتزييف العميق لا يهدد فقط الإعلام والسياسة، بل يضرب الثقة في المؤسسات، لأنه قادر على "اصطناع صور وأصوات وأحداث" مقنعة إلى حد يصعب معه التمييز بين الحقيقة والاختلاق. وهنا يصبح التحقق من الواقع مهمة معقدة لا تقل صعوبة عن أي مواجهة عسكرية.

مواقع اجتماعية
شبكات التواصل الاجتماعي باتت ساحة مفتوحة لكل أشكال التضليل وصناعة الرأي

وتقف د.شيرين عند البعد الأمني لهذه الظواهر، مشيرة إلى أن "الإرهاب المتعاون مع الجريمة المنظمة العابرة للحدود، إحدى أهم قضايا تهديد الأمن والسلم الدوليين، خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي تُعد أكبر مصدريه في الوقت نفسه، وتحديداً بعد انقسام القاعدة، وصولاً إلى داعش". إنها لا ترى في الإرهاب مجرد تحدٍ أمني تقليدي، بل جزءًا من شبكة معقدة تتداخل فيها التكنولوجيا مع التمويل والعولمة لتنتج تهديدات عابرة للحدود.

وتضيف أن هذه التحولات تُدخل البشرية إلى ما يسمى "المجتمع الخامس"، وهو مرحلة تتجاوز المجتمع الزراعي والصناعي والمعلوماتي والمعرفي، لتصل إلى مجتمع يتداخل فيه الواقعي بالافتراضي، وتذوب فيه الحدود بين الإنسان والآلة. ففي هذا المجتمع "تتلاشى المسافات بين ما هو إنساني وما هو تقني، ويصبح الذكاء الاصطناعي وسيطًا رئيسيًا في العلاقات الإنسانية، وفي عمليات اتخاذ القرار على كافة المستويات". وهكذا، فإن المجتمع الخامس لا يمثل فقط تحولًا تكنولوجيًا، بل أيضًا قفزة في بنية الاجتماع الإنساني ذاته.

وتسلط د.شيرين الضوء على خطورة "الانكشاف الافتراضي"، حيث صار الفرد والمجتمع والدولة مكشوفين أمام قوة الشركات التكنولوجية الكبرى التي تحتكر البيانات وتعيد إنتاجها. وهنا تستعير صورة "الأخ الأكبر" التي تحدث عنها جورج أورويل، لتشير إلى أن الرقابة لم تعد من قبل الأنظمة السياسية وحدها، بل باتت تمارسها شركات التكنولوجيا العملاقة، عبر الخوارزميات التي تراقب سلوك المستخدمين وتعيد توجيههم دون وعي منهم.

هذا يقودها إلى مناقشة مسألة السيادة الرقمية، حيث ترى أنها باتت مهددة في ظل هيمنة القوى التكنولوجية العالمية. فالمجتمعات لم تعد قادرة على حماية نفسها إذا لم تُطوّر منظومات حماية سيبرانية، وقواعد قانونية وأخلاقية لضبط استخدام الذكاء الاصطناعي. وإلا فإن مصير الدول سيكون الخضوع لقوة غير مرئية تتحكم بها شركات لا تخضع لمساءلة سياسية تقليدية. وتصف هذه الظاهرة بقولها إن "السيادة الرقمية تمثل الامتداد الطبيعي للسيادة الوطنية، حيث يتعين على الدول أن تملك القدرة على حماية بياناتها، وتأمين فضائها السيبراني، وإلا فإنها تُترك نهبًا للشركات العابرة للقوميات والقوى الكبرى التي تحتكر التكنولوجيا".

ذكاء اصطناعي
الذكاء الاصطناعي لا يقتصر دوره على التلاعب بالوعي عبر الأخبار الزائفة، بل يمتد إلى أشكال أكثر خطورة، مثل التزييف العميق

تقول د.شيرين "تبعات الضخ الإعلامي غير المتوازن ـ التقليدي والافتراضي ـ على اتجاهات الجمهور تضعنا في مأزق حقيقي إن لم نحسن استخدام الإعلام ووسائله الحديثة"، وتضيف أن "المجتمع الدولي مدعو إلى اتخاذ إجراءات صارمة لإغلاق المواقع التكفيرية والإرهابية المنتشرة حالياً على شبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، وذلك للإعلان عن موقف السياسة المصرية من أحداث الإرهاب التي تشهدها حالياً دول العالم جميعها". هنا يتضح كيف أن الكتاب لا يتوقف عند التشخيص، بل يقدم أيضًا دعوة إلى وضع استراتيجيات مقاومة للتحديات.

ومن جانب آخر يحفل بمقاطع تؤكد أن هذه التحديات ليست شأنًا تقنيًا فقط، بل هي قضايا سياسية وأمنية وأخلاقية، لأنها تمس جوهر السيادة الوطنية. وتشدد د.شيرين على أن "الخطوة التالية لذلك هي فن صناعة المعلومة، وتوفير مجموعة من المعلومات حقيقية أو غير حقيقية والترويج لها في سبيل تحقيق المخططات المستهدفة"، فومن ثم فهي تشير إلى أن المعركة لم تعد معركة جيوش فقط، بل معركة سيطرة على وعي المجتمعات.

يطرح الكتاب من خلال هذا المنظور، رؤية نقدية عميقة لمستقبل الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي في سياق الصراعات الدولية، حيث لم يعد بالإمكان الفصل بين الحرب العسكرية والحرب الإعلامية والحرب التكنولوجية. كلها باتت وجوهًا لعملة واحدة هي الحرب في عصر الرقمنة.

إن أهمية الكتاب تكمن في أنه لا يكتفي بتشخيص المخاطر، بل يسعى إلى كشف آليات عملها، وإلى تنبيه المجتمعات والدول إلى ضرورة امتلاك أدوات المواجهة. فالتحدي لا يكمن فقط في وجود الذكاء الاصطناعي أو الإعلام الرقمي، بل في كيفية استخدامهما وتوجيههما، وفي قدرة الدول على حماية مواطنيها من الانكشاف الرقمي الذي يحوّلهم إلى أهداف سهلة للتضليل والاختراق، حيث لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل أضحت "حربًا على العقول" بالمعنى الحرفي، حربًا تستخدم فيها الخوارزميات بقدر ما تستخدم فيها المدافع، ويُحاصر فيها الأفراد بالمعلومات الزائفة بقدر ما يواجهون فيها التهديدات الأمنية المباشرة. وهو ما يلخصه قول د.شيرين "الحرب اللامتماثلة هي حرب بين دولة وأطراف أخرى تتباين قدراتها العسكرية بشكل بارز، أو تختلف استراتيجيتها وتعبئتها بشكل واضح… ويصف تعبير الحرب اللامتماثلة صراعاً تتباين فيه موارد الطرفين والمتصارعين في جوهرهما وفي استخدامهما ويسعى كل طرف لاستثمار نقاط الوهن لدى الطرف المقابل".