دمشق تنسحب من مفاوضات باريس مع قسد احتجاجا على مؤتمر الحسكة

الحكومة تعتبر المؤتمر محاولة لتدويل الشأن السوري واستجلاب التدخلات الأجنبية وإعادة فرض العقوبات وهروبا من استحقاقات المستقبل.

دمشق – أعلنت الحكومة السورية، السبت، إلغاء مشاركتها في الاجتماعات المقرر عقدها لاحقا في باريس مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في خطوة تعكس تعقيد المشهد في البلاد وتبرز تأثير القوى الدولية والإقليمية على مسارات الحوار.

ويأتي هذا القرار احتجاجا على مؤتمر الحسكة الذي عقدته قوات سوريا الديمقراطية، في المحافظة الواقعة شمال شرق البلاد، واعتبرته الحكومة السورية "محاولة لتدويل الشأن السوري واستجلاب التدخلات الأجنبية"، وفق ما نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا" السبت، عن مصدر مسؤول في الحكومة.

وهذا الإلغاء يضع جهود التفاوض المدعومة دوليا أمام اختبار جديد، ويبرز الانقسامات العميقة حول مستقبل الدولة السورية وشكلها السياسي.

وتكمن جذور هذا التوتر في مؤتمر "وحدة الموقف لمكونات شمال شرقي سوريا" الذي نظمته قوات سوريا الديمقراطية في الحسكة.

 وشهد المؤتمر حضورا لافتا لشخصيات تمثل أقليات سورية مختلفة، من بينهم إلهام أحمد، أحد ممثلي السياسات في قوات سوريا، ورجل الدين الكردي مرشد معشوق الخزنوي، وشخصيات دينية وسياسية من أقليات سورية متعددة، على غرار مشاركة حكمت الهجري، أحد شيوخ عقل طائفة الدروز في محافظة السويداء، وغزال غزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا.

وقد ناقش المؤتمر فكرة "إنشاء دولة لا مركزية" ووضع دستور يضمن التعددية العرقية والدينية والثقافية، مما يعكس هاجس الأقليات حيال القادة الجدد الذين ينحدرون من هيئة تحرير الشام، خاصة بعد أحداث العنف التي شهدتها منطقة الساحل ذات الغالبية العلوية، ومن ثمة السويداء التي يقطنها الدروز.

وقال المصدر المسؤول في الحكومة السورية، الذي لم تذكر "سانا" اسمه، إن "حق المواطنين في التجمع السلمي والحوار البنّاء مصون، شريطة أن يكون في إطار المشروع الوطني الجامع الذي يلتف حول وحدة سوريا أرضا وشعبا وسيادة".

وردا على دعوة مؤتمر الحسكة إلى "إنشاء دولة لا مركزية، ووضع دستور يضمن التعددية العرقية والدينية والثقافية"، أكد المصدر المسؤول أن "شكل الدولة لا يُحسم عبر تفاهمات فئوية، بل عبر دستور دائم يُقرّ عبر الاستفتاء الشعبي، بما يضمن مشاركة جميع المواطنين على قدم المساواة".

واعتبر المصدر أن المؤتمر "لا يمثل إطارا وطنيا جامعا، بل تحالف هش يضم أطرافا متضررة من انتصار الشعب السوري وسقوط عهد النظام البائد (أواخر 2024)، وبعض الجهات التي تحاول احتكار تمثيل مكونات سوريا بقوة الأمر الواقع".

وتابع "تلجأ هذه الأطراف والجهات (لم يسمها) لمثل هذه المؤتمرات هروبا من استحقاقات المستقبل، وتنكرا لثوابت الدولة السورية القائمة على جيش واحد، حكومة واحدة، وبلد واحد".

وأدان "بشدة استضافة شخصيات انفصالية ومتورطة في أعمال عدائية"، وحمل "قسد وقيادتها المسؤولية الكاملة عن تداعيات ذلك".

واعتبر المؤتمر "محاولة لتدويل الشأن السوري، واستجلاب التدخلات الأجنبية، وإعادة فرض العقوبات، وهو ما تتحمل قسد تبعاته القانونية والسياسية والتاريخية".

ومطلع يوليو الماضي، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمرا تنفيذيا بإنهاء العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا.

وأكد المصدر المسؤول في الحكومة السورية أيضا أن "هذا المؤتمر شكل ضربة لجهود التفاوض الجارية (مع قسد)، وبناء على ذلك فإن الحكومة لن تشارك في أي اجتماعات مقررة لاحقا في باريس، ولن تجلس على طاولة التفاوض مع أي طرف يسعى لإحياء عهد النظام البائد تحت أي مسمى أو غطاء".

ودعا "الوسطاء الدوليين لنقل جميع المفاوضات إلى دمشق، باعتبارها العنوان الشرعي والوطني للحوار بين السوريين".

وفي 25 يوليو الماضي، قالت وزارة الخارجية السورية إنه تم الاتفاق على "جولة من المشاورات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية في باريس بأقرب وقت ممكن (دون تحديد جدول زمني)، لاستكمال تنفيذ اتفاق العاشر من مارس الماضي بشكل كامل، إلا أن التطورات الأخيرة تضع هذا المسار أمام اختبار جديد.

ويشمل الاتفاق الذي وقعه الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، وقفا لإطلاق النار ودمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية الكردية ضمن هيكل الدولة السورية، لكن لم يتم التوصل إلى اتفاق حول كيفية انضمام قوات سوريا الديمقراطية حيث تصر الأخيرة أن يكون الاندماج ككتلة عسكرية واحدة داخل وزارة الدفاع، فيما تتمسك دمشق ومن خلفها أنقرة بأن يكون الاندماج فرادى.

ويأتي إلغاء مشاركة الحكومة السورية في اجتماع باريس ليعمق هذه الخلافات، ولكن الأبعاد الإقليمية تلعب دورا حاسما في هذا التطور.

فقد كشف موقع "المونيتور" أن تركيا ضغطت على الحكومة السورية لإلغاء اجتماع باريس مع الزعماء الأكراد، ما أدى إلى تعطيل جهود ترعاها الولايات المتحدة وفرنسا للتوصل إلى تسوية سياسية في شمال شرقي سوريا.

ونقل الموقع عن ثلاثة مسؤولين إقليميين، أن زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق الخميس الماضي كانت تهدف جزئيا إلى إقناع الحكومة السورية بالانسحاب من الاجتماع، هذا التدخل التركي يبرز الصراع على النفوذ في المنطقة ويضع مستقبل المفاوضات أمام تحديات كبيرة.

ويعكس البيان الختامي لمؤتمر الحسكة رؤية واضحة لمكونات شمال شرق سوريا، حيث دعا إلى حل مستدام عبر دستور ديمقراطي يؤسس لدولة لا مركزية، ويضمن العدالة الانتقالية. في المقابل، تتمسك الحكومة السورية بمبدأ "دولة مركزية موحدة"، معتبرة أن أي دعوة لللامركزية هي محاولة لتدويل الأزمة.

وتُظهر هذه التطورات أن الأزمة السورية تتجاوز الخلافات الداخلية لتصبح ساحة لصراع مصالح دولية وإقليمية. فإلغاء اجتماع باريس قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد، ويعرقل أي محاولة للحل السياسي السلمي، كما أنه يسلط الضوء على تزايد نفوذ تركيا في دمشق، وتأثيرها على قرارات الحكومة السورية.

 في هذا السياق، تبقى الدعوة لنقل المفاوضات إلى دمشق بمثابة اختبار لمدى استعداد الأطراف للتفاوض بعيدا عن الضغوط الخارجية، بينما يظل الحل الشامل للأزمة السورية مرهونا بقدرة جميع الأطراف على إيجاد أرضية مشتركة تتجاوز الخلافات الجوهرية.