دمشق وموسكو تُعيدان تعريف قواعد الشراكة
موسكو - في خطوة تعكس تحولات عميقة في المشهد الإقليمي، جاءت زيارة وزيري الخارجية والدفاع في سوريا إلى موسكو ولقاؤهما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتسلط الضوء على مسار جديد آخذ في التشكل في العلاقة بين السلطة السورية الجديدة وروسيا، التي كانت حتى وقت قريب الحليف الأبرز والداعم العسكري والسياسي الأهم للرئيس السوري السابق بشار الأسد.
وتناول اللقاء، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء السورية الرسمية، تعزيز التعاون العسكري والسياسي والاقتصادي، مع تركيز خاص على الصناعات الدفاعية وهو ما يفتح باب قراءة تحليلية أوسع تتجاوز إطار البروتوكول الدبلوماسي.
وتاريخياً، شكّلت العلاقة بين دمشق وموسكو ركيزة أساسية في توازنات الصراع السوري منذ عام 2015، حين تدخلت روسيا عسكريا بشكل مباشر لدعم نظام الأسد في مواجهة المعارضة، غير أن سقوط الأسد في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، على يد قوات معارضة قادها الرئيس الحالي أحمد الشرع، مثّل نقطة انعطاف حادة في هذه العلاقة، اضطرت موسكو إلى إعادة تقييم مقاربتها للملف السوري. ومنح روسيا حق اللجوء للأسد وعائلته، رغم رمزيته السياسية، لم يكن كافياً لحسم اتجاه العلاقة مع السلطة الجديدة.
وتبدو زيارة المسؤولين السوريين إلى موسكو جزءاً من محاولة متبادلة لإعادة تعريف قواعد الشراكة، فمن جهة، تسعى القيادة السورية الجديدة إلى تثبيت شرعيتها الخارجية والحفاظ على قنوات الاتصال مع القوى الدولية المؤثرة، وعلى رأسها روسيا، خاصة في ظل حاجتها الماسة إلى الدعم الاقتصادي والعسكري في مرحلة إعادة بناء الدولة والمؤسسات. ومن جهة أخرى، تحاول موسكو الحفاظ على نفوذها الاستراتيجي في سوريا، لا سيما مع وجود قاعدتيها العسكريتين الرئيسيتين، وضمان ألا يؤدي التغيير السياسي في دمشق إلى تراجع دورها لمصلحة قوى دولية أخرى.
إشارات الرئيس أحمد الشرع، خلال زيارته السابقة إلى موسكو في أكتوبر تشرين الأول، بشأن الالتزام بتنفيذ الاتفاقات الموقعة مع روسيا، تعكس توجهاً براغماتياً لدى السلطة الجديدة، يقوم على الفصل بين الخلاف السياسي مع النظام السابق والحاجة الواقعية إلى استمرار الشراكات الاستراتيجية. كما أن حديث بوتين عن “بدايات مثيرة للاهتمام” يوحي بأن موسكو تنظر إلى المرحلة الجديدة كفرصة لإعادة صياغة العلاقة، لا كخسارة كاملة لنفوذها.
وتشير المباحثات التي أجراها وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة، خاصة في ما يتعلق بتحديث العتاد العسكري ونقل الخبرات، إلى أن التعاون الدفاعي لا يزال بنداً مركزياً في العلاقة، لكنه بات محكوماً باعتبارات مختلفة، تتعلق بطبيعة السلطة الجديدة وأولوياتها الأمنية. كما أن التركيز على التعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار يعكس إدراك الطرفين أن النفوذ في سوريا لم يعد يُقاس فقط بالوجود العسكري، بل بالقدرة على المساهمة في إعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية.
وتبدو العلاقة بين دمشق وموسكو اليوم في طور إعادة التشكيل بعيدا عن صيغة التحالف المطلق التي سادت في عهد الأسد. هي علاقة قائمة على المصالح المتبادلة والبراغماتية السياسية، تحاول فيها روسيا التكيف مع واقع جديد، بينما تسعى سوريا الجديدة إلى تنويع علاقاتها دون الدخول في قطيعة مع حليف تاريخي. ويبقى مستقبل هذه العلاقة مرهوناً بمدى قدرة الطرفين على التوفيق بين إرث الماضي ومتطلبات المرحلة المقبلة، في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.