د.نرجس علييفا: الثقافة الإسلامية في أذربيجان حاضرة في كل محطة تاريخية

الكتاب لا يكتفي بسرد الوقائع التاريخية، بل يطرح تحليلاً علمياً لدور الإسلام في تشكيل الهوية الحضارية الأذربيجانية، مؤكداً أن هذا الدين لم يكن حضوراً عابراً.

تمثّل الثقافة الإسلامية في أذربيجان إحدى التجارب الحضارية الثرية في تاريخ العالم الإسلامي، إذ تشكّلت عبر تفاعل عميق بين الإسلام بوصفه منظومة عقدية وقيمية، وبين الخصوصية اللغوية والثقافية للمجتمع الأذربيجاني. فمنذ دخول الإسلام إلى هذه المنطقة في القرن السابع الميلادي، لم يكن حضوره مجرد انتقال ديني، بل أطلق مساراً تاريخياً أعاد صياغة البنية الاجتماعية والفكرية والعمرانية، وأسهم في إدماج أذربيجان ضمن الفضاء الحضاري الإسلامي الواسع الممتد من المشرق إلى المغرب. وقد تميّزت هذه التجربة بقدرتها على استيعاب الإسلام دون التفريط في عناصر الهوية المحلية، وبإسهامها الفاعل في إنتاج الثقافة الإسلامية، علماً وعمارةً وفكراً، بما جعل أذربيجان جسراً حضارياً بين القوقاز والعالم الإسلامي.

انطلاقا من هذه الرؤية يكتسب كتاب "الثقافة الإسلامية في أذربيجان: من القرن السابع إلى أوائل القرن الثالث عشر" للدكتورة نرجس علييفا، الصادر بالعربية عام 2022 عن دار الطبع: إرث بدبي، أهمية خاصة، بوصفه عملاً مرجعياً يقدّم قراءة شاملة ومعمقة لهذه التجربة الحضارية. فالكتاب لا يكتفي بسرد الوقائع التاريخية، بل يطرح تحليلاً علمياً لدور الإسلام في تشكيل الهوية الحضارية الأذربيجانية، مؤكداً أن هذا الدين لم يكن حضوراً عابراً، بل شكّل العمود الفقري للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي عرفتها البلاد عبر قرون طويلة.

تنطلق المؤلفة من أطروحة مركزية مفادها أن العامل الإسلامي كان حاضراً في كل محطة تاريخية مفصلية شهدتها أذربيجان خلال العصور الوسطى، وأن فهم هذه المرحلة لا ينفصل عن فهم الشخصية الوطنية الأذربيجانية المعاصرة. ومن هذا المنطلق، يسعى الكتاب إلى إعادة قراءة تاريخ المنطقة بعيداً عن الاختزال أو التهميش، وبمنهج أكاديمي يستند إلى المصادر الأصلية والتحليل النقدي.

تعتمد نرجس علييفا على جهد توثيقي دقيق يبدأ بالعودة إلى المصادر العربية القديمة، رغم ما يحيط بهذا المجال من صعوبات ناجمة عن تشتت الروايات وندرة المصادر المباشرة. وقد أولت عناية خاصة لكتب التراجم والسير، مستنطقةً مؤلفات الخطيب البغدادي، والسمعاني، وابن ماكولا، وياقوت الحموي، لاستخلاص أدق الإشارات المتعلقة بالعلماء الأذربيجانيين وأدوارهم في تاريخ الخلافة الإسلامية. وقد أتاح لها هذا المنهج إعادة بناء المشهد الثقافي والاجتماعي لأذربيجان، لا بوصفها إقليماً هامشياً، بل باعتبارها مركزاً فاعلاً من مراكز العلم والإشعاع الحضاري.

ويبدأ السرد التاريخي من لحظة الفتح الإسلامي في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، حيث تتبع المؤلفة المسار التدريجي لانتشار الإسلام في أذربيجان، مبرزةً خصوصية تجربة الأسلمة في هذه المنطقة. فعلى خلاف تجارب أخرى، استوعب المجتمع الأذربيجاني الإسلام دون أن يفقد لغته أو هويته القومية، ولم يذب في سياسات التعريب، بل أسهم من موقعه في إثراء الثقافة الإسلامية وتطويرها من الداخل. ويغطي الكتاب عهود الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين، وصولاً إلى مرحلة الدويلات المستقلة وفترة السلاجقة، مؤكداً أن أذربيجان شهدت في عهد السلاجقة وملوك الأتابك حالة من الاستقرار الفكري والتسامح الديني، سمحت باستمرار التعايش مع الديانات الأخرى، وفي مقدمتها المسيحية.

ويحتل دور العلماء الأذربيجانيين موقعاً محورياً في هذا العمل، إذ تكشف الدراسة عن إسهامهم الواسع في بناء الصرح العلمي للحضارة الإسلامية. فلم يقتصر نشاطهم على حدود بلادهم، بل شغلوا مناصب علمية وإدارية رفيعة في كبرى الحواضر الإسلامية، مثل بغداد ونيسابور وإسطنبول. وتخصص المؤلفة فصولاً كاملة لتصنيف هؤلاء العلماء والتعريف بإسهاماتهم، مؤكدةً أن المدارس النظامية أدت دوراً حاسماً في ربط أذربيجان بالشبكات العلمية العالمية. ومن خلال أسماء وثّقها ياقوت الحموي وابن ماكولا، يتجلى بوضوح أن النبوغ الأذربيجاني كان عنصراً فاعلاً في تشكيل ملامح العصر الذهبي للحضارة الإسلامية.

الكتاب يسعى إلى إعادة قراءة تاريخ المنطقة بعيداً عن الاختزال أو التهميش، وبمنهج أكاديمي يستند إلى المصادر الأصلية والتحليل النقدي

ولا يغفل الكتاب البعد العمراني، إذ يوثّق تطور العمارة الإسلامية في أذربيجان بوصفها انعكاساً مباشراً للتحولات الدينية والثقافية. فمنذ تشييد أول مسجد في أردبيل في عهد الخليفة علي بن أبي طالب، بدأت ملامح طراز معماري مميز في التشكل، امتزجت فيه العناصر المحلية بالتقاليد الفنية الإسلامية. ويشير الكتاب إلى أن ازدهار مدن مثل برذعة، وجنجة، وشماخي، كمراكز تجارية وثقافية، كان ثمرة للروابط الوثيقة مع مراكز الخلافة، ما جعل من أذربيجان جسراً حضارياً يربط بين الشرق والغرب، وبين القوقاز والعالم الإسلامي.

ويُبنى الكتاب على خمسة أبواب رئيسية ترسم مجتمعة صورة شاملة لمسار التشكل الحضاري والفكري والعمراني لأذربيجان في ظل الإسلام. يتناول الباب الأول المسار التاريخي لانتشار الإسلام في أذربيجان منذ بدايات الفتوحات في القرن السابع الميلادي، حيث ترصد المؤلفة بعناية مراحل انتقال السكان من المسيحية والمجوسية إلى الدين الجديد، موضحةً أن هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في العقيدة، بل كان إعادة صياغة للهوية الوطنية التي حافظت على لغتها وخصوصيتها الثقافية مع استيعابها للقيم الإسلامية، كما يركز هذا الباب على التفاعل الحيوي بين القبائل العربية المستقرة في المنطقة والسكان الأصليين.

وينتقل الباب الثاني للحديث عن البناء الاجتماعي والثقافي، مسلطاً الضوء على دور المدن الأذربيجانية الكبرى كحواضر علمية، حيث تستعرض المؤلفة كيف تحولت مدن مثل برذعة وأردبيل وشماخي إلى مراكز لاستقطاب العلماء والمفكرين، كما يتطرق هذا الباب إلى أثر الحكام المحليين في دعم الحركة العلمية وإنشاء المدارس والمكتبات التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من النسيج الثقافي للبلاد.

أما الباب الثالث، فيعد من أثرى فصول الكتاب، إذ يخصص لدراسة "البيئة العلمية والعلماء الأذربيجانيين"، وفيه قامت الدكتورة نرجس علييفا بتوثيق سير مئات العلماء الذين برزوا في علوم الحديث، والفقـه، واللغـة، والأدب، ولم يقتصر دورهم على النطاق المحلي، بل تتبع الكتاب رحلاتهم العلمية إلى مراكز الخلافة في بغداد ومكة ونيسابور، مما يثبت الاندماج الكامل للنخبة المثقفة الأذربيجانية في الحراك الفكري العالمي آنذاك.

ويأتي الباب الرابع ليفصل في "العلاقات والروابط العلمية"، مستعرضاً شبكة التواصل المعرفي التي ربطت علماء أذربيجان بنظرائهم في المشرق والمغرب الإسلامي، ويوضح الكتاب كيف ساهمت هذه الروابط في نقل المذاهب الفقهية والأفكار الفلسفية، مما جعل من أذربيجان حلقة وصل جغرافية وفكرية هامة بين القوقاز وبقية أجزاء العالم الإسلامي.

ويختتم الكتاب بالباب الخامس المعنون بـ"تكوين وتطور العمارة الإسلامية في أذربيجان"، وهو فصل مخصص للجانب المادي للحضارة، حيث يتم فيه تحليل الطرز المعمارية للمساجد، والمدارس، والأضرحة التي شُيدت خلال تلك الحقبة، وتوضح المؤلفة في هذا الصدد كيف امتزجت الزخارف الوطنية والتقاليد المعمارية المحلية بالعناصر الفنية الإسلامية، لتنتج طابعاً عمرانياً فريداً يعبر عن روح الشخصية الأذربيجانية وهويتها الإسلامية الراسخة.

وأخيرا تؤكد نرجس علييفا أن الثقافة الإسلامية في أذربيجان ليست مجرد ماضٍ تاريخي، بل مكوّن أساسي من مكونات الدولة والمجتمع المعاصرين. وتشدد على أن إعادة قراءة هذه المرحلة بموضوعية علمية، بعيداً عن التهويل أو التبسيط، تمثل شرطاً ضرورياً لصون الذاكرة الثقافية ونقلها إلى الأجيال القادمة. وبهذا المعنى، يشكل الكتاب إضافة نوعية للمكتبة العربية، لما يقدمه من معرفة موثوقة بتاريخ بلد أسهم رجاله وفكره وعمرانه في إثراء الحضارة الإنسانية تحت راية الإسلام.