'دنيا' يفتح جراح العنف الزوجي
تونس - في مساء سينمائي اتسم بكثير من الترقب والاهتمام، احتضنت إحدى قاعات العرض، الجمعة، العرض ما قبل الأول للفيلم التونسي "دنيا"، أحدث أعمال المخرج محمد خليل البحري، وهو عمل درامي مستوحى من قصة حقيقية عن شخصية منحرفة نرجسية، ما يضفي على الفيلم بعداً نفسياً عميقاً يشكّل جوهر مقاربته السردية والبصرية.
واستُهلّت السهرة بعرض خاص لفيلم "ليلي" للمخرج زبير الجلاصي، المتوَّج بجائزة أفضل فيلم مولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن الدورة الرابعة من "قمة المليار متابع". وقد حضر الجلاصي العرض وتقاسم لحظة التتويج مع جمهور السينما، معبّراً عن اعتزازه بهذا الإنجاز، ومؤكداً أن الجائزة جاءت ثمرة دعم واسع من التونسيين خلال مرحلة التصويت، في مشهد احتفالي جمع بين السينما والتقنيات الحديثة.
فيلم "دنيا" هو عمل روائي طويل يجمع في بطولته الفنانة التونسية نجلاء بن عبدالله والممثل المصري محمد مهران، إلى جانب مجموعة من الأسماء التونسية، من بينهم الفنانة القديرة سلوى محمد، وفنان الأوبرا حسان الدوس الذي شارك أيضاً بأداء الأغنية الرسمية للفيلم.
وتدور أحداثه حول زوجين ينحدران من بيئتين ثقافيتين واجتماعيتين مختلفتين، لكنهما يتقاطعان في وضع اجتماعي واحد باعتبارهما مطلّقين سابقاً؛ دنيا أمّ لطفلتين، وسعيد أب لطفل. وبين الرغبة في بداية جديدة وحلم الاستقرار، تتكشّف ملامح علاقة مثقلة بالتوتر والعنف.
يطرح الفيلم قضية العنف الزوجي المسلّط على المرأة، ليس بوصفه فعلاً معزولاً، بل كمنظومة مركّبة تتداخل فيها أشكال العنف الجسدي والاقتصادي والنفسي. فالحياة الزوجية التي تبدأ بمحاولة البحث عن الهدوء داخل فضاء معزول، سرعان ما تتحول إلى ساحة مواجهة تنكشف فيها آليات السيطرة، ويُسلب فيها حق المرأة في الاستقلالية المالية، رغم عملها، لتغدو ضحية دوّامة متواصلة من الإخضاع والامتهان، وما يرافق ذلك من آثار نفسية عميقة.
سعى المخرج محمد خليل البحري، الذي شارك في كتابة السيناريو إلى جانب شيماء سلطانة، إلى تفكيك بنى الهيمنة داخل العلاقة الزوجية، والعودة إلى جذور العنف الأسري وآثاره المتراكمة عبر الزمن، فالزوج يُقدَّم كشخصية مضطربة، ميّالة إلى التسلّط والتأثيم المستمر للمرأة، في إعادة إنتاج لعنف عاشه في طفولته تحت وطأة أب قاسٍ فرض عليه نموذجاً مشوهاً لـ"الرجولة". في المقابل، تجسّد الزوجة نموذج المرأة التي تشبّعت بثقافة الخضوع والصبر، وترى في التضحية والمعاناة شرطاً لاستمرار الزواج، وتعتبر الطلاق وصمة اجتماعية، وهو ما يتجلّى بوضوح في حوارها مع والدتها التي تحثّها على البقاء رغم ما تتعرّض له من عنف.
يعكس "دنيا" عنفاً جندرياً مركّباً تتقاطع فيه عوامل متعددة؛ فالضحية امرأة مطلّقة، من وسط اجتماعي متواضع، تجاوزت سنّ الشباب، وهي معطيات يستثمرها الزوج لتقزيمها والتشكيك في أهليتها وقيمتها، عبر مساءلة معايير نمطية تُقدَّم عادة باعتبارها مرغوبة اجتماعياً. ويتجلّى هذا البعد الجندري أيضاً في الخلفية النفسية للزوج، الذي تعرّض بدوره للعنف خلال مسار "بناء الرجولة" وفق تصورات اجتماعية تمجّد الصلابة والخشونة والقسوة باعتبارها سمات أساسية للرجل.
ورغم وضوح موضوع الفيلم وأهميته، يأتي العمل ضمن سياق إعادة طرح لقضية العنف الزوجي التي تناولتها السينما والدراما العربية في مناسبات عديدة من قبل، دون أن ينجح تماماً في تقديم زاوية معالجة مغايرة أو رؤية فنية متجددة. كما بدت بعض الأداءات، في لحظات محددة، أقل قدرة على تعميق البعد الإنساني والنفسي لمأساة مركّبة لا تزال تهدّد مجتمعات مختلفة الثقافات.
الفيلم من إنتاج مجدي الحسيني وسعيد السعيدي، الذي يخوض من خلاله أولى تجاربه في مجال الإنتاج السينمائي، ويشارك في بطولته أيضاً مروان الأندلسي، رولا خياط، والأطفال ياسمين الخزري، أسير ووائلة الكعبي.
بين الرومانسية والبسيكودراما، يطرح "دنيا" سؤالاً مركزياً حول الحدود الفاصلة بين الحب والتملّك، وبين الرغبة في الشراكة ونزعة السيطرة، في محاولة لفتح نقاش مجتمعي أوسع حول العنف داخل الفضاء الزوجي. ومن المنتظر أن ينطلق عرض الفيلم في قاعات السينما ابتداءً من 21 يناير/كانون الثاني الجاري.