دول الساحل تنهي عقودا من التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية
باماكو - أعلن تحالف دول الساحل الذي يضم كلا من مالي وبوركينا فاسو والنيجر الواقعة في غرب إفريقيا الاثنين انسحابه من المحكمة الجنائية الدولية، فيما ينضاف هذا القرار إلى العديد من القرارات التي اتخذتها المجالس العسكرية الحاكمة في البلدان الثلاثة بهدف فك ارتباطها بكافة الهيئات والمنظمات التي تعتبرها خاضعة للنفوذ الغربي.
ووصفت الدول الثلاث المحكمة الدولية بأنها "أداة للقمع الاستعماري الجديد"، مشددة على تمسكها بحماية حقوق الإنسان بما يتماشى مع قيمها، وهو التبرير نفسه الذي علّلت به انسحابها من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "إيكواس" العام الماضي.
ويرى قادة هذه البلدان أن "الجنائية الدولية" تركز بشكل غير متناسب على ملاحقة القادة الأفارقة، متجاهلة الجرائم المرتكبة في مناطق أخرى. لذا، يأتي هذا الانسحاب كجزء من توجه أوسع لطي صفحة النفوذ الغربي، خاصةً الفرنسي، والبحث عن شراكات بديلة، مثل روسيا.
وتهدف مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى تأكيد سيادتها الكاملة على قضائها وأعلنت منذ نحو أسبوعين عن خطط لإنشاء "محكمة الساحل لحقوق الإنسان"، وهي محكمة إقليمية بديلة للبت في الجرائم الدولية والإرهاب والجريمة المنظمة. فيما تعكس هذه الخطوة رغبة هذا التحالف في التعامل مع القضايا بشكل مستقل ووفقًا لـ"قيمه المجتمعية".
ويُعدّ الانسحاب خطوة استباقية لحماية القادة العسكريين الحاكمين من أي تحقيقات أو ملاحقات قضائية محتملة من قبل "الجنائية الدولية" بسبب اتهامات بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان. ورغم أن فك الارتباط لا يلغي ولاية المحكمة على القضايا التي بدأت قبل تاريخ الانسحاب، إلا أنه يمثل محاولة لإضعاف آلياتها وتأكيد الحصانة المحلية.
والجنائية الدولية هي هيئة قضائية مستقلة تتعامل مع أخطر الجرائم بموجب القانون الدولي، مثل الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم العدوان. وعلى عكس محكمة العدل الدولية، فإنها تُحاكم الأفراد.
ولطالما اتسمت العلاقة بين الدول الأفريقية وهذه المحكمة بالتوتر، إذ يرى الاتحاد الأفريقي والعديد من القادة أنها تركز بشكل غير متناسب على محاكمة المسؤولين الأفارقة، بينما تتجاهل الجرائم المرتكبة في مناطق أخرى من العالم، فيما ذهب بعض الزعماء إلى حد وصفها بأنها "محكمة بيضاء" و"أداة استعمارية جديدة".
وتواجه الجنائية الدولية اتهامات بتطبيق معايير مزدوجة، حيث لا تُحاكم قادة الدول الغربية أو حلفائهم، على الرغم من وجود اتهامات بارتكاب جرائم حرب. على سبيل المثال، يرى المنتقدون أن المحكمة لم تتخذ إجراءات كافية ضد جرائم يُزعم أن القوات الأميركية ارتكبتها في العراق، أو تلك التي يُتهم بها قادة إسرائيل في الأراضي الفلسطينية.
وتعتبر بعض الدول أن ولاية المحكمة على قادتها تتنافى مع مبدأ السيادة الوطنية. وقد دفع هذا الموقف عددا من البلدان إلى التهديد بالانسحاب، أو الانسحاب فعلياً، مثل بوروندي وجنوب أفريقيا وغامبيا في عام 2016، على الرغم من أن هذين البلدين الأخيرين ألغيا قرار الانسحاب في وقت لاحق.
في المقابل، تؤكد المحكمة أنها مؤسسة مستقلة وتعمل وفقاً للقانون، وأنها تُحاكم الأفراد بناءً على الجرائم المرتكبة، بغض النظر عن جنسيتهم أو مناصبهم. كما تشير إلى أن العديد من القضايا الأفريقية أحالتها الدول نفسها أو مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.