ديمون سنتولا: التعاطف جزء مهم من كيفية تحكم الشبكات الاجتماعية في الانتشار
الاحتمالية الواعدة للتفشي الفيروسي تحيط بنا جميعا، فنحن جميعا نعلم أن الأفكار الجديدة يمكنها أن تنتشر بالسهولة المذهلة نفسها التي يتفشى بها الفيروس. وعلى رغم من ذلك فنحن نعلم أيضا أن الابتكارات الاجتماعية التي يمكن أن تعود بالنفع على المجتمع غالبا ما تخفق في تحقيق الانتشار. وموضوع هذا الكتاب "كيف ينتشر السلوك؟ علم العدوى المعقدة" لأستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم بجامعة بنسلفانيا ديمون سنتولا يشكل نهجا جديدا لاستخدام مسارات الانتشار الشبكي لتسريع وتيرة التغير الاجتماعي، حيث يرتاد باستخدام الأساليب المستندة إلى الإنترنت لفهم كيف تغير الشبكات الاجتماعية السلوك، ويبين الطرق التي يمكن من خلالها تطبيق هذه الأفكار لتحقيق تغيير مؤسسي وتطور ثقافي ونشر مبتكرات تقنية ومد الجسور بين التخصصات المعرفة المختلفة.
بدأ مشروع هذا الكتاب وفقا لسنتولا والذي يمثل أطروحته لنيل درجة الدكتوراه، بسؤال بسيط: لماذا تنتشر بعض أنواع العدوى الاجتماعية بسهولة فيما يبدو، بينما يكافح البعض الآخر حتى يبدأ؟ فمثلا، لماذا انتشر فيروس نقص المناعة البشرية "الإيدز" بسرعة كبيرة في أوساط سكان العالم، بينما لم تنتشر السلوكيات التي يمكن أن تحقق الوقاية منه؟ والتحدي الماثل أمام حل هذا النوع من المسائل هو أن انتشار المرض صار الطريقة المعهودة للتفكير بشأن معظم أنواع الانتشار في أوساط المجتمعات، إذ يمكن لشخص واحد مصاب بفيروس الانفلونزا أن ينقل العدوى إلى كثيرين غيره. وهم بدورهم يمكنهم نشر الفيروس إلى عدد أكبر من الناس. وعادة ما يعتقد أن المعلومات تنتشر بطريقة مماثلة، إذ يمكن لشخص واحد أن يكرر أمام كثيرين غيره خبرا ما من دون تكلفة، وبإمكان هؤلاء بدورهم نشره في أوساط مجموعة سكانية. ولكن إذا كان الانتشار يسير على هذا النحو فلماذا إذن تستغرق حركات اجتماعية عديدة شهورا أو سنوات حتى تنتشر؟ ولماذا تعاني تقنيات جديدة إلى أن تحقق انطلاقة؟ ولماذا استراتيجيات الوقاية من الأمراض في الأغلب تفشل في الرسوخ؟ فهل يمكن استخدام الدروس المستفادة من انتشار الفيروسات بهدف تحسين انتشار السلوكيات، فتساعدنا على نشر كل شيء بما في ذلك حركات اجتماعية وتقنيات مبتكرة؟.
ويوضح "لكي أجيب عن هذه الأسئلة أمضيت سنوات في أثناء دراستي لنيل درجة الدكتوراه في استكشاف الديناميات النظرية الخاصة بسبل انتشار السلوكيات عبر الشبكات الاجتماعية. أفضت هذه الاستكشافات إلى بعض النتائج المذهلة. ففي حالات عديدة قد تؤدي أوضح طرق تحسين الانتشار ـ مثلا عن طريق زيادة الترابط الشبكي بين السكان ـ إلى إبطاء سرعته فعليا. بالنسبة إلى عدد كبير من الحالات، يمكن للظروف التي تسرع وتيرة الانتشار الفيروسي لوباء ما ـ على عكس المتوقع ـ أن تعرقل انتشار السلوكيات. هذه النتائج قلبت الحكمة المتوارثة بشأن الانتشار رأسا على عقب، ما يوحي بطريقة تفكير جديدة حيال الانتشار في الشبكات الاجتماعية. فزيادة القنوات لإحداث تفش سلوكي قد تحد في الواقع من تغيير السلوك.
ويرى سنتولا أن رؤية كيف تؤدي التغييرات غير المدركة في بنية العلاقات الاجتماعية إلى اختلافات كبيرة في النتائح الجماعية. وتقدم هذه الطريقة أكثر من مجرد فهم للسلوك الفردي، فهي تتيح تقدير القوى غير المرئية التي توجه تحركات السلوك الجماعي. وأكثر النتائج الواعدة هي أن التوقع المنطقي أن الناس سيقاومون تغيير السلوك لا يعني أنهم عنيدون لا سبيل لتقويمهم، ولا يعني أن الانتشار سوف يخفق، بل يكشف هذا التواقع عن المسارات التي يلزم أن تتبعها العدوات السلوكية إذا كان لها أن تتخلل السكان والاستراتيجيات التي يمكن انتهاجها لزيادة فعالية هذه العملية.
ويقول "تتزايد سهولة الحصول على بيانات جيدة عن السلوكيات الفردية باستمرار. ويوجد أيضا كثير من البيانات الجيدة عن النشاط الجماعي. أما العنصر المفقود فهو البيانات عن الديناميات التي تربط هذه بتلك. إن التقدم الثوري الذي أتاحته تجارب الإنترنت هو أننا صرنا نمتلك القدرة على إقامة صلة مباشرة بين السلوكيات الجماعية التي تنشأ في البرية ـ أي حركات السكان داخل عالم الحياة الاجتماعية الهائل وغير المتحكم فيه فضاء الإنترنت ـ والسلوكيات الجماعية المنهجية والقابلة للتكرار التي تمكن دراستها في البيئات التجريبية في فضاء الإنترنت. وكأننا أشباه نيوتن في الزمن المعاصر".
ويشير سنتولا إلى أن النتائج التي توصلنا في كتابه كانت مشجعة، فقد أظهرت أن الانتشار الاجتماعي يمكن أن يبدأ وينتشر في بيئات متنوعة وأن الانتشار يمكن أن يخلق قاعدة سلوكية مستقرة بمجرد تأسيسها. ولكن الشيء الأكثر فائدة هو مدى ضآلة ما يتعين افتراضه بشأن الأفراد أو البيئة الاجتماعية حتى نصل إلى هذه النتائج. لا يلزم الأفراد أن يكونوا عقلانيين، فالتعزيز الاجتماعي يعزز انتشار السلوكيات حتى لو كان الفاعلون لا يعرفون سبب أهمية التعزيز الاجتماعي. كما لا يتعين على الناس تقديم أسباب أو التزامات، فأفعالهم تتحدث عنهم. وبالمثل لا لزوم لافتراض أن الناس لديهم معا تاريخ عاطفي معقد أو حتى وجود ثقة بينهم، فالإشارات المعيارية والمعلوماتية الآتية من التعزيز الاجتماعي يمكن أن تكون كافية لتشجيع الناس على تغيير سلوكهم. ولا يلزم الناس أن يكونوا من المتبنين الأوائل للسلوك حتى ينجرفوا مع عملية تغيير اجتماعي، فالتعزيز الاجتماعي يمكن أن يثير المشاركة حتى من الأفراد الذين كانوا مقاومين في البداية. وأخيرا، الدعم من المؤسسات القائمة ليس ضروريا للتغيير الاجتماعي كي يحدث. كما أن معاقبة الأقران ليس شرطا. لا يلزم الناس رقابة أو إكراها حتى يتبنوا سلوكيات جديدة، الحد الأدنى من المتطلبات ليس سوى أن يدمج الأفراد في شبكات اجتماعية تزودهم بمصادر ذات صلة للتعزيز الاجتماعي.
ويستكشف سنتولا كيف يمكن استخدام السمات العلائقية للشبكات الاجتماعية مقترنة مع البنية الشبكية بهدف تحسين فاعلية تطبيقات السياسات في فضاء الإنترنت؟ ويقول أن التعاطف جزء مهم من كيفية تحكم الشبكات الاجتماعية في الانتشار داخل هذه البيئات ولا يعتمد التعاطف على وجود تاريخ طويل في التعامل مع الآخرين، أو تأثير قوي بينهم، أو حتى صورة مشتركة بينهم عن المستقبل. إنما النوع الصحيح من مخالطة النظراء يمكن أن يفرز تعاطفا بين الغرباء، ما يتيح صورة نادرة وقيمة لرأس المال الاجتماعي. فكلما كان الشخص أكثر تشابها مع من يتفاعل معه ـ بطرق ذات صلة (أهمية) ـ كان من الأسهل فهم كيف يمكن أن تكون اهتمامات هؤلاء ودوافعهم قابلة للانطباق عليه هو، وزادت احتمالية تبنيه سلوكياتهم. وتظهر الدروس المستفادة من هذه الفصول أيضا كيف يمكن للسياق العلائقي الذي تدرج فيه الروابط الشبكية تشكيل الطريقة التي يستخدم بها رأس المال الاجتماعي ومن ثم التأثير في أنواع السلوكيات الجماعية التي يحتمل أن تنتشر.
ومن النتائج المطردة التي توصل إليها سنتولا أن القصور الذاتي الاجتماعي يمكنه أن يعيق عملية الانتشار. تقدم بضع استراتيجيات مختلفة للمساعدة على حل هذه المشكلة، ليؤكد أن النتائج النظرية حول تباين الدرجة أن المحاور في الشبكة الاجتماعية يمكنها من دون قصد منع انتشار المبتكرات. ويرجع ذلك إلى أن المحاور لديها عديد من المعارف لدرجة أن الإشارات المضادة ممن لم يتبنوا السلوك يمكن أن تمنع الأفراد ذوي العلاقات المتشعبة من تبني سلوكيات جديدة. فنحن الآن في وضع يتيح لنا دراسة كيف تعمل القوى الفلكية التي تحكم الديناميات الاجتماعية الواسعة النطاق أيضا من مسافة على نحو تجريبي ورؤية ما إذا كان ثمة منطق واحد للميكانيا الاجتماعية يمكنه وصف الحياة الاجتماعية على كلا المقاسين.
إن الفكرة الأساسية لقوة الروابط الضعيفة هي أن روابطنا القوية ـ أي أصدقاؤنا وأفراد عائلتنا الأقرب ـ عادة ما يعرفون جميعا بعضهم بعضا، بينما روابطنا الضعيفة ـ أي معارفنا العابرين ـ تربطنا بأجزاء نائية في الشبكة الاجتماعية. ويبدأ من وجود مشكلة غير متوقعة في النظرية المؤثرة بصورة ملحوظة المعنية بالانتشار الشبكي "يرجع التأثير الواسع النطاق لهذه النظرية جزئيا إلى التمدد السريع والمفاجئ الذي حدث أخيرا في علوم الشبكات في فروع معرفية متنوعة مثل الفيزياء وعلم الأحياء وعلوم الكمبيوتر، ما مهد السبيل لفترة من الاكتشافات المتسارعة بشأن فهم كيف تؤثر بنية الشبكات الاجتماعية في ديناميات الانتشار، ما تشارك فيه كل هذه المجالات هو الإيمان بفكرة العدوى ـ مثل تفشي فيروس أو رواج فكرة، أو انتشار ميم أو وسيلة لمنع الحمل أو انتشار حمية غذائية أو الموضة، أو العاطفة، أو أيديولوجيا أو التقنية ـ يمكن أن تنتشر من شخص إلى آخر. والمبدأ التوجيهي لكل هذا الجهد يتمثل في أن بنية المعارف الاجتماعيين يمكن أن تتنبأ بكيف تنتشر العدوى بين السكان".