رئيس أرامكو يقلل من أهمية توقعات بتخمة في المعروض
دافوس - في وقت تتكاثر فيه التحليلات التي تحذر من تخمة وشيكة في سوق النفط العالمية، خرج أمين الناصر الرئيس وكبير الإداريين التنفيذيين لشركة أرامكو السعودية، بتصريحات لافتة تقلل من شأن هذه التوقعات، معتبرًا أنها "مبالغ فيها بشدة"، مؤكدا أن أساسيات السوق لا تزال تشير إلى قوة الطلب واستنزاف المخزونات العالمية، رغم الضغوط المتزايدة على الأسعار.
وقال الناصر خلال مشاركته في اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، إن الحديث المتكرر عن فائض كبير في المعروض النفطي يتجاهل عوامل جوهرية، في مقدمتها استمرار نمو الطلب العالمي، ولا سيما في الأسواق الناشئة، إضافة إلى المستويات المنخفضة نسبيًا لمخزونات النفط، التي تجعل السوق أكثر حساسية لأي اضطرابات مفاجئة في الإمدادات، مؤكدا أن هذه العوامل مجتمعة تقلل من احتمالات حدوث تخمة حقيقية في الأجل القريب.
وتأتي تصريحات رئيس أرامكو في وقت تجاوزت فيه أسعار النفط مستوى 60 دولارًا للبرميل خلال معظم عام 2025، قبل أن تبدأ توقعات بعض المحللين بالإشارة إلى احتمال تراجعها في عام 2026، على خلفية افتراضات بأن المعروض العالمي سيتجاوز الطلب، مدفوعًا بنمو إنتاج الولايات المتحدة، وزيادات محتملة من تحالف أوبك+ ومنتجين آخرين.
غير أن الناصر شدد على أن هذه القراءة لا تعكس الصورة الكاملة للسوق، خاصة في ظل التحديات الجيوسياسية التي لا تزال تلقي بظلالها على استقرار الإمدادات.
وشهدت الأسواق النفطية الخميس، تراجعًا محدودًا في الأسعار، بعدما قيّم المستثمرون بيانات العرض والطلب، إلى جانب تقارير عن ارتفاع مخزونات النفط الخام والبنزين في الولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي. وانخفض خام برنت إلى نحو 64.96 دولار للبرميل، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط إلى قرابة 60.43 دولار. وجاء هذا التراجع بعد مكاسب سجلتها الأسعار في الجلسات السابقة، مدفوعة بتعليق الإنتاج في حقلين نفطيين في كازاخستان، العضو في تحالف أوبك+، بسبب مشكلات في توزيع الكهرباء، وهو ما أعاد التذكير بهشاشة بعض مصادر الإمداد.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، لا تزال التطورات الدولية عاملًا حاسمًا في توجيه الأسواق، فقد أسهمت تهدئة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتصريحاته بشأن غرينلاند، وتراجعه عن التهديد بفرض رسوم جمركية على أوروبا، في تخفيف حدة التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهو ما يراه محللون عاملًا داعمًا للاقتصاد العالمي، وبالتالي للطلب على النفط.
وفي المقابل، أبقت واشنطن الباب مفتوحًا أمام احتمالات التصعيد مع إيران، في حال استئناف برنامجها النووي، وهو سيناريو من شأنه أن يدعم الأسعار عبر زيادة المخاوف من تعطل الإمدادات.
كما تتابع الأسواق باهتمام تطورات الحرب في أوكرانيا، في ظل تصريحات ترامب التي أبدى فيها تفاؤلًا بقرب التوصل إلى اتفاق لإنهاء النزاع. ويُنظر إلى أي تسوية محتملة على أنها قد تؤدي إلى رفع العقوبات الأميركية عن روسيا، ما يعني عودة كميات إضافية من النفط إلى السوق العالمية، وهو عامل قد يحد من ارتفاع الأسعار، ويعيد النقاش حول توازن العرض والطلب.
في هذا السياق المعقد، عززت وكالة الطاقة الدولية من رؤيتها الأكثر توازنًا للسوق، إذ رفعت في تقريرها الشهري الأخير توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في عام 2026، مشيرة إلى أن الفائض المتوقع سيكون أقل مما كان يُعتقد سابقًا. غير أن بيانات المخزونات الأمريكية، التي أظهرت ارتفاعًا أكبر من المتوقع في مخزونات الخام والبنزين، حدّت من زخم الأسعار، وأعادت بعض المخاوف المتعلقة بتخمة المعروض على المدى القصير.
ورغم هذه المؤشرات المتباينة، يرى مراقبون أن تصريحات أمين الناصر تعكس رؤية كبار المنتجين، الذين يراهنون على أن سوق النفط لا يمكن قراءته فقط من خلال الأرقام المجردة، بل عبر فهم أعمق للتفاعلات الجيوسياسية والاستثمارية، وحجم الإنفاق المطلوب للحفاظ على الطاقة الإنتاجية مستقبلاً، فالتقلبات السياسية، وتباطؤ الاستثمارات في بعض المناطق، والطلب المتنامي على الطاقة، كلها عوامل تجعل من الحديث عن تخمة وشيكة مسألة محل جدل، لا حقيقة محسومة.
وتبدو سوق النفط العالمية عالقة بين سيناريوهات متناقضة: مخاوف فائض المعروض من جهة، ومخاطر الاضطرابات الجيوسياسية وقوة الطلب من جهة أخرى. وبين هذين المسارين، يصر رئيس أرامكو على أن السوق أكثر توازنًا مما يُشاع، وأن التسرع في إعلان تخمة نفطية قد يغفل تعقيدات مشهد طاقوي لا يزال مفتوحًا على احتمالات عدة.