رامينا تستقبل العام الجديد باحتفاء ثقافي يجمع مؤلفيها في بيت الحكمة بالشارقة
الشارقة - تودّع دار رامينا عام 2025 وتستقبل العام الجديد بأجواء احتفائية نابضة بالإبداع والمعرفة، عبر أمسية ثقافية استثنائية احتضنها بيت الحكمة في الشارقة مساء أمس الأحد، مؤكِّدة من خلالها مكانتها كدار نشر تراهن على الثقافة بوصفها فعلاً إنسانياً عابراً للحدود واللغات، ومساحة حيّة للحوار والتلاقي بين التجارب الأدبية والفكرية المتنوّعة.
وجاءت الأمسية التي شاركت فيها نخبة من الكتّاب والشعراء والمفكرين الذين صدرت أعمالهم عن الدار، كحدث جامع يعبّر عن روح مشروع رامينا الثقافي، حيث امتزجت القراءات الشعرية والأدبية بالمداخلات الفكرية والفقرات الموسيقية، في لقاء اتسم بالغنى والتنوع، سواء على مستوى الأصوات المشاركة أو اللغات والرؤى التي حضرت فيه. وقد شهدت الأمسية حضوراً لافتاً من المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي، ما أضفى عليها طابعاً حيوياً يعكس تعطّش المشهد الثقافي لمثل هذه اللقاءات النوعية.
وافتُتحت الأمسية بكلمة لمدير منشورات رامينا التنفيذي عبدالله ميزر، وضع فيها الحضور في صلب رؤية الدار ورسالتها، مؤكداً أن الكتاب يظل أحد أهم الفضاءات التي تتيح الحوار وبناء الجسور بين الثقافات، خصوصاً في عالم تتزايد فيه الحاجة إلى الفهم المتبادل والانفتاح على الآخر، مشيرا إلى أن اختيار بيت الحكمة في الشارقة لاحتضان هذه الأمسية ليس مصادفة، بل يأتي انسجاماً مع رمزية المكان بوصفه منارة للمعرفة والتنوير، وملتقى للأفكار والتجارب الإنسانية.
وتوقف ميزر عند أبرز محطات ومنجزات منشورات رامينا خلال عام 2025، واصفاً إياه بعام مفصلي في مسيرة الدار، حيث واصلت تطوير مشروعها الثقافي متعدد اللغات، القائم على النشر والترجمة، وتعزيز التواصل بين الآداب العالمية، موضحا أن الدار شاركت خلال العام الذي يطوي آخر صفحاته، في عدد من معارض الكتاب العربية والدولية، ما أسهم في توسيع حضورها والتعريف بإصداراتها ومشاريعها لدى جمهور أوسع من القرّاء والمهتمين.
كما سلّط الضوء على التوسع الملحوظ في مشاريع الترجمة من العربية وإليها، ولا سيما إلى اللغات الإنكليزية والكردية والبوسنية والتركية، في خطوة تهدف إلى إتاحة المعرفة، وكسر الحواجز اللغوية، وفتح آفاق جديدة أمام النصوص العربية والعالمية على حد سواء. وأضاف أن رامينا عملت خلال العام نفسه على بناء شراكات فاعلة مع مؤسسات حكومية وخاصة في مجالات النشر والطباعة والترجمة، ما مكّنها من إطلاق مشاريع نوعية ذات أثر ثقافي مستدام.
ومن بين المبادرات التي اعتزت بها الدار خلال العام، إطلاق جائزة "جولبر" المتخصصة في الدراسات المعجمية الكردية، تكريماً لذكرى الباحث الراحل بلال حسن، في خطوة تعكس اهتمام رامينا بالبحث اللغوي والمعجمي، وحرصها على دعم الدراسات الأكاديمية المتخصصة.
كما أعلن ميزر عن إطلاق عدد من السلاسل الجديدة التي ستصل إلى القرّاء خلال عام 2026، من بينها سلسلة الأدب الأفريقي، وسلسلة الأدب الرياضي، وسلسلة الفنون والعمارة، إضافة إلى سلسلة مخصصة لنشر الكتب باللغة السريانية، في تأكيد واضح على تنوع اهتمامات الدار وانفتاحها على آفاق ثقافية متعددة.
وعلى مستوى البرنامج الإبداعي، شهدت الأمسية قراءات شعرية وأدبية عكست غنى إصدارات رامينا وتنوع أصواتها. فقد قرأ الشاعر السوري المقيم في ألمانيا فواز قادري مختارات من أعماله، بالتوازي مع الاحتفاء بصدور الترجمة الكردية لديوانه "سيرة العاشق سيرة المكان"، فيما قدّم الشاعر السوري المقيم في الإمارات جميل داري قراءات من ديوانه "لا جناح لي"، الصادر بالعربية والكردية، في تجربة شعرية تعكس تداخل اللغتين والرؤيتين.
كما شاركت الكاتبة السورية-الأوكرانية كاترين يحيى بقراءة أدبية من سيرتها "كنتُ صغيرة عندما كبرت"، التي تتناول فيها تجربة العيش بين سياقين ثقافيين وجغرافيين مختلفين، في ظل تأثير الحرب والذاكرة المزدوجة. وقدّم النص سرداً شخصياً رقيقاً يرصد تفاصيل الحياة اليومية، بعيداً عن الخطاب المباشر للحرب، مركّزاً على انعكاساتها العميقة في التجربة الفردية، واللغة، والانتماء، والهوية.
ومن بين المحطات اللافتة أيضاً، قراءة الشاعرة سعاد سليمان مقتطفات من رواية "نقوش على خشب الصليب" للشاعر والفنان إسماعيل الرفاعي، وهي عمل أدبي يشتبك مع أسئلة الفن والألم والذاكرة، عبر لغة كثيفة تستحضر المدينة والخراب، وتطرح تساؤلات عميقة حول الهشاشة الإنسانية ودور الإبداع في مواجهة الفقد.
وشهدت الأمسية تعريفاً بكتاب "كلّ الأشياء تخلو من الفلسفة: اعترافات روحية في زمن العقل" للمفكر العراقي-الأميركي الدكتور مشهد العلاف، الذي قدّم رؤية فكرية تمزج بين السيرة الذاتية والتأمل الفلسفي، وتعيد للأسئلة الكبرى حول المعنى والزمن والمعرفة حضورها بوصفها أفقاً مفتوحاً للتجربة والنمو.
وتكامل البعد الأدبي والفكري مع فقرات موسيقية مميّزة، شملت عزفاً على آلة العود للمؤلف الموسيقي البحريني الدكتور حسن الحجيري، المعروف بأعماله التي تجمع بين التأليف الموسيقي والبحث الثقافي، إضافة إلى فقرة موسيقية أخرى مع الفنان والمترجم لاوين شيخو على آلة الباغلمة، مصحوبة بالغناء بالعربية والكردية.
واختُتمت الأمسية بحوار مفتوح بين المؤلفين والجمهور، شدّد فيه المشاركون على أهمية هذه اللقاءات الثقافية بوصفها فضاءً حيّاً للتبادل الإنساني والمعرفي، ومكوّناً أساسياً في مشروع منشورات رامينا، التي تواصل، من خلال مثل هذه الفعاليات، ترسيخ حضورها كدار نشر تؤمن بأن الثقافة فعل مشاركة، وأن الكتاب جسرٌ لا غنى عنه نحو عالم أكثر فهماً وتواصلاً.